المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة فعلاً روعه واتمنى انها تنال اعجابكم .. جنون خالد



عذووب
13-03-2006, 08:28 AM
هي قصة منقوله بس فعلا رووعه واتمنى انها تعجبكم ..
بس اذا ماشفت ردود صدقوني مب مكملتنها ..
اخليكم مع القصة ..



تسرع بي السيارة تحملني إلى حياة جديدة .. إلى مسكن جديد ..بعدما طردتني كرامتي من منزل زوجي .. أو إذ صح التعبير " طليقي "..كنا سعيدين جداً .. و لكن اقتحام تلك الفتاة حياتنا هو ما جعلني أرفض هذه الحياة ..أرفض أن أعيش مع فتاة فضلها زوجي علي .. فقط لأنها تجنب الأطفال و أنا لا ..قال لي أنه سيتزوجها .. و أنا لم أعارض .. بل قلت له :" طلقني "و بكل سرور رحب هو بالفكرة و طلقني على الفور .. خان حبي له .. حطمني حقاً .. فحملت حاجاتي و ها أنا أنطلق لأشارك أخي بيته .. الذي يضم أخوتنا الصغار و أبنائه و زوجته .. كنت مشتاقة لرؤيتهم .. و لكن الآهات خنقتني لدرجة أنني نسيت أنني سأذهب لأعيش مع أسرةٍ اشتقت أن أراها منذ زمن بعيد ..هتف بي السائق :" ها قد وصلنا " وصلنا ؟!! انتابني شعور بالشوق إلى رؤيتهم .. انتابني الحماس .. نسيت طليقي و زوجته الجديدة.. بل خرجت من السيارة و وقفت أمام ذلك البيت الأصفر .. الذي من حوله تتعانق الأشجار .. و تغني الزهور و الأطيار ..حمل السائق الحقائب و مشى نحو البيت .. وجدت نفسي أركض بفرح نحو البيت .. ركضت في أرجاء هذه الحديقة التي تفتح النفس من عطرها .. ثم وقفت أمام باب البيت .. مددت يدي لأقرع الجرس .. و خلفي ترك السائق الحقائب و انصرف ..ضغطت ذلك الزر بجنون .. أريدهم أن يخرجوا جميعاً لملاقاتي .. أريد أن أراهم جميعهم .. فُتح الباب و ظهرت خادمة .. أهذا ما كنت أتحمس لرؤيته ؟!! ركضت إلى الداخل .. صرخت :" عــــــــادل ..!! أنا ذكرى يا عادل .. ها قد عدت "فتحت عيني لأرى أخي واقفاً أمامي .. بدا سميناً .. و بعض الشعيرات البيضاء غزت شعره الأسود .. بجانبه وقفت غيداء .. زوجته اللطيفة ..
و ها هم أخوتي الصغار الأربعة يتدافعون نحوي .. فرحت كثيراً لرؤيتهم .. هتفت و عيناي تفيض بالدموع :" الحياة بين الأحبة رائعة حقاً "
انطلقت نحوي غيداء و طوقتني بفرح :" كم اشتقنا لرؤيتكِ عزيزتي "
" و أنا اشتقت لرؤيتكِ أيضاً "
و خاطبت الصغار و أنا أحضنهم واحداً تلو الآخر :" أحبائي .. لقد تغيرتم .. "
لم يبد عليهم الفرح .. يبدو أنهم لا يذكروني .. و لكنهم سيذكرون أختهم التي كانت تلعب معهم دائماً حتماً ..غيداء كانت تمسك بفتى.. يبدو أنه ابنها .. اقتربت أنا من الطفل ..
كان مرتباً للغاية ..ملابسه مرتبة و نظيفة و شعره مرتب .. كان مؤدباً ..
مسحت على شعر الطفل و خاطبت غيداء :" أهذا هو ابنكِ خالد ؟!! "
أجابتني :" لا أنه وائل .. خالد أكبر منه "
سألتها :" كم عمر كل منهما الآن ؟!! "
" خالد عمره عشر سنوات .. أما وائل فعمره سبع سنوات "
ابتسمت في وجهها :" متى ستنجبين طفلة ؟!! "
قالت :" لا أفكر في الإنجاب مجدداً .. لأن جسدي لا يتحمل الحمل "
دُهشت .. نظرت إلى عادل الذي نكس رأسه و عدت أنظر إلى غيداء صارخة بها :" ماذا ؟!! "
" نعم هذا صحيح .. فلا تندهشي يا ذكرى "
حمل عادل الحقائب و قال مغيراً الموضوع:" فلتجلسوا في الصالة "
سحبتني غيداء إلى الصالة و جلسنا هناك ..حيث خاطبتني :"أتعملين آخر أخبار أخيك مازن ؟!! "
" ما هي أخباره ؟!! "
" قرر أن يعيش في منطقة أخرى مع زوجته .. "
قلت باستغراب :" لماذا ؟!!!"
" يقول أنه يريد أن يعيش في منطقة تجمع بينه و بين أصدقاءه "
" أيفضل أصدقاءه على أخوته ؟!! "
" هذا ما قاله .. و قال أنه يريدك أن تتصلي به بين الحين و الآخر "
قلت مستغربة :" أنا ؟!! .. و منذ متى كان يطيق مازن سماع صوتي "
" لا ليس لهذه الدرجة .. كان دائم السؤال عنكِ عندما كنت في منزل زوجكِ ... "
ثم بترت جملتها .. و ربما أحست أنها فتحت جرحاً كان على وشك الالتئام.. نكست أنا رأسي .. حيث مدت هي يدها و أخذت تطبطب على كتفي :" أنا آسفة "
لحظة .. لمَ أنا الآن حزينة ؟!! ألأجل ذلك الخائن ؟!! يجب أن أفرح .. لأني سأعيش في بيت يستقبلني فيه الجميع .. فيه جميع أحبتي .. بالرغم أنني لم أراهم منذ خمس سنوات..
و لم يكن يصل بيننا سوى الهاتف .. رفعت رأسي باسمة :" غيداء .. مروان لم يعد يهمني "
ابتسمت غيداء .. و ابتسمت أنا ..
وضعت الخادمة أمامنا صينية لأكواب العصير .. و ها هو عادل يجلس على أحد المقاعد و يجلس ابنه وائل في حضنه .. ثم خاطبني بابتسامة :" ذكرى .. تبدين رائعة .. "ابتسمت خجلة .. أتذكر أن أخي عادل كان يدعوني بـ " الأفرنجينية ".. كان يعجب بقتمة سواد شعري و نعومته .. و معجب بلون عيني الواسعتان الخضراوات .. و معجب ببياض بشرتي ..أنا لازلت صغيرة في السن ..فعمري لا يتجاوز الخامسة و العشرين.. و لكن مروان تزوجني .. و كنت أعتقد أنني سأهنأ بالعيش معه .. و لكنه شيئاً فشيئاً أخذ يتجاهلني .. و راح يبحث عن زوجة جديدة تنجب عيالاً ..
تساءل الفتى وائل :" من هذه الفتاة .. أبي ؟!! " كان يقصدني ..
ابتسم عادل في وجه ابنه :" أنها عمتك ذكرى .. أنها لطيفة جداً .. و تحبك جداً "
ابتسم الطفل في وجهي فابتسمت في وجهه ..
غيداء تحسن ترتيب منزلها .. و تحسن اختيار ملابس أطفالها و ملابسها ..
فأنا أرى أن منزلها مرتب و هي مرتبة و ابنها وائل مرتب جداً ..
رأيت أخوتي الأربعة يلعبون .. فنهضت لألعب معهم .. علّهم يذكروني ..
اقتربت منهم .. و نطقت :" مرحباً ............ "
فُتح باب المنزل الرئيسي بقوة فبترت جملتي لأرى من الذي يدخل البيت هكذا ..
دخل البيت طفل غريب الشكل .. شعره أشعث غير مرتب و قميصه متسخ و أزرته مفتوحة ..
و بنطاله مملوء بالأتربة .. ترى .. كيف يقتحم المتسولون المنازل هكذا ..
أخذت أحملق بالطفل ذاك.. الذي كان ينظر إلى أخوتي بنظرة غريبة ..
ركضت نحو غيداء بخوف و همست :" غيداء .. هناك طفل مريب دخل منزلك "
نهضت هي و اتجهت نحو الطفل .. ثم استدارت ضاحكة :
"أنه ابني خالد يا حمقاء.. أتخافين منه ؟!! " ابنها ؟!! لا أصدق ..
أمن المعقول أنها تهتم بمن في البيت كلهم حتى أخوتي .. و تهمل ابنها الأكبر ..
وقفت أتأمل الطفل .. الذي اقتربت منه أمه لتمسح الغبار الذي تراكم على شعره :
" خالد .. إلى أي مقبرة تذهب ؟!! لماذا ترجع المنزل و أنت متسخ هكذا "
أخذ الطفل ينظر إلى أمه نظرة غريبة جداً.. ثم مشى نحو الدرج .. ثم صعد الدرجات و دخل غرفته ..
لاحظت غيداء كيف كنت أراقب طفلها .. فحادثتني :
" ما بكِ يا ذكرى .. أهناك شيء غير طبيعي في خالد ؟!!"
كنت سأقول هناك أشياء كثيرة .. نظرته لأخوتي و لأمه غير طبيعية ..
ثم .. كيف تهمل غيداء ابنها ؟!!! أظن أنها تحب الاثنان كثيراً ..
قلت باسمة :" لا .. لا شيء .. فقط لمَ ........... "
بترت جملتي و كأنها عرفت ما سأقوله :" أنه يخرج في الصباح نظيفاً نشيطاً .. ثم يرجع في العصر متسخاً تعباً .. أظن أنه يلعب مع أصدقاءه "
بل يتعارك مع أصدقاءه ..
أخوتي نهضوا راكضين نحو الحديقة .. فلحق بهم وائل ..فضحكت أنا :" الأطفال رائعين "
ابتسمت غيداء .. ثم اتجهت نحو المطبخ و لحق بها زوجها .. فهتفت بي غيداء :
" يمكنك أن تتعرفي على أرجاء المنزل .. و تختاري غرفة لك "
مشيت أنا نحو تلك الغرف .. كنت أدخلها واحدة تلو الأخرى ..
جميعها مرتبة و نظيفة و رائعة .. صبغ جدرانها راقٍ .. أثاث الغرف مرتب و راقٍ ,,
كل شيء يشير إلى أن غيداء تملك ذوقاً رفيعاً ..
و بينما كنت أتفحص الغرف .. وجدت نفسي أقف أمام باب غرفة ذلك الطفل المسمى " خالد "..
ترددت كثيراً في دخول الغرفة .. رغم أن من يملكها طفل .. و يمكنني أن أدخل الغرفة و أتعرف عليه ..و لكن ينتابني شعور بالخوف كلما تذكرت مظهره عندما دخل المنزل ..
لحظة !! هل أنا مجنونة لكي أخاف من طفل ؟!!
بعد تفكير طويل .. فتحت الباب بهدوء .. طللت لأرى هذه الغرفة ..
يا إلهي .. أنها ليـــــــــست غرفـــة .. بل مقـبرة ..
الحاجات مرمية على الأرض .. السرير منكسر .. المكتبة محطمة ..الكتب مليئة بالغبار و الأتربة ..
ألا تدخل الخادمات لتنظيفها ؟!! وقفت في وسط الغرفة أتفحص تلك الحاجات ..
حيث سمعت صوت الماء ينبعث من الحمام .. الطفل يستحم إذاً ..
خرجت بسرعة قبل أن يكشفني ..





يتبــــــــــع >>

عذووب
13-03-2006, 08:29 AM
اتجهت نحو غيداء التي كانت توجه الخادمات في تنظيف البيت ..
حيث اقتربت منها و ابتسمت :" تحرصين على نظافة منزلك جيداً .. أنتِ ربة منزل مثالية "
ضحكت هي :" إذاً .. يجب أن تقتدي بي .. فلم تعودي مراهقة "ابتسمت ..ثم قلت:
" و لكن يا غيداء .. لمَ لا تدعين الخادمات ينظفون غرفة ابنك خالد .. أنها متسخة جداً "
قالت مستغربة :" متى رأيتها ؟!! "
" بينما كنت أجول في المنزل "
ابتسمت :" خالد يرفض دخول أي شخص لغرفته .. يعتبر ذلك تدخلاً في حياته "
قلت مستغربة :" تدخل ؟!! "
" نــــــــعم .. "
" ابنكِ غريب الأطوار حقاً "
" ستتعودين على غرابته مثلما نحن تعودنا على ذلك "
هززت رأسي ايجابياً .. ثم طوقت غيداء ضاحكة :" أنا جائعة .. ما هو طعام العشاء ؟!!"
" لا تخافي على طعامكِ .. لازلت تحبين الطعام .. لم تتغيري "
ثم ركضت خارجة من المنزل .. رأيت الأطفال يلعبون .. ألم يتعبوا بعد ؟!!
اتجهت نحوهم ضاحكة :" هل لي أن ألعب معكم "
صرخت بي أختي سمية :" لا .. فأنت كبيرة .. و الكبار لا يلعبون "
ضحكت.. ثم نظرت إلى وائل الذي كان يمسح الأتربة التي على كتفه ..
يا له من مرتب و نظيف .. أنه عكس أخيه تماماً .. سألت الأطفال باسمةً :
" و لماذا لا يلعب خالد معكم ؟!! "
قالت أختي الأخرى مروة :" خالد يرفض اللعب و هو دائماً هكذا "
ثم وقفت تقلده .. وضعت يديها في جيبها .. و بقيت تحملق بنظرات طويلة .. تماماً مثل خالد .ضحكت أنا :" حتى لو كان جامداً يرفض اللعب .. يجب أن تسّلوه بحديثكم أو أي شيء هو يفضله "
" خالد لا يفضل شيئاً .. "
تبين لي أن ذلك الطفل يكره اللعب .. و يحب أن يبقى وحيداً .. غريب أمر هذا الطفل ..
بقيت ألعب مع الأطفال كطفلة لا تفارق الألعاب .. و تبقى تضحك ببراءة ..
حتى اقتربت غيداء و هي تصرخ :" حان وقت العشاء .. ما بالكم ؟!! ألا تسمعوني ؟!! "
حتى قذفتها بالكرة دون قصد .. يبدو أنني كسرت أنفها .. ستكون مضحكة بأنف معقوف ..
أمسكت هي أنفها و هي تصرخ :" أيتها الحـــمقاء "
التقطت الكرة و رمتها نحوي بكل قوتها .. :" تعالوا لتناول العشاء حالاً "
و راحت تتجه نحو منزلها .. يبدو أنها سوف تشكوني لزوجها ..
حيث خاطبت الأطفال :" هيا لتناول طعام العشاء .. ألستم جائعين ؟!! "
" بلى " قلت :" هيا إذاً "ركضنا نحو المطبخ .. و كل منا غسل يده و جلس على مقعده ..
جلس عادل على كرسيه.. و جلست غيداء على كرسيها .. حيث خاطبتهم :
" لحظة غيداء .. أين أبنك خالد ؟!!"
ابتسمت :" خالد يفضل تناول عشاءه وحده "
حيث بادلت عادل النظرات .. ثم قلت :" لماذا ؟!! "
" كفى يا ذكرى .. هذه تصرفات ابني و يجب أن تتقبليها "
نهضت و قلت باسمة :" و لكني لأول مرة أتناول طعاماً معكم .. لذلك أريدكم جميعكم أن تجتمعوا على المائدة "
اتجهت نحو غرفة الطفل .. وقفت أمام الباب مجدداً .. و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون ..
و لكن لابد من مواجهة الطفل .. أنه مجرد طفل .. أتخيفني نظراته تلك ؟!!
فتحت الباب بشجاعة .. حيث دخلت الغرفة .. لا أحد .. و الغرفة كما رأيتها في المرة السابقة ..
كيف يستطيع أن يمكث فيها ما دامت كالمقبرة ..
و بينما كنت أدير عيني على الغرفة .. وجدت أمامي .. رباه !! أنه ذلك الطفل مجدداً ..
يقف أمامي .. و هو يرمقني بتلك النظرة التي تهز قلبي .. ربــاه .. أريد أن أهرب ..
لم ينطق بشيء .. بل بقي كما كان ..واقفاً أمامي و هو لا يبعد نظراته المخيفة تلك عني ..
خاطبته بخوف :" آه .. لم أكن .. لم أكن أقصد .. دخول الغرفة .. اعذرني .. اعذرني "
و ركضت خارجة من الغرفة متجهة نحو المطبخ و قلبي يقرع و يقرع ..
دخلت المطبخ و أنا ألهث .. خاطبتني غيداء باستغراب :" ما بكِ ذكرى ؟!! "
ابتسمت :" لا شيء .. فقط كنت أركض .. و ... "
جلست على مقعدي .. لن أذهب إلى غرفته مجدداً .. و كأنه سيقتلني بنظراته تلك ..خاطبني عادل :" و أين خالد .. ألم تقولي .... "
بترت جملته :" خالد .. خالد .. نعم .. " ثم ضحكت كالبلهاء :" لقد نسيت إخباره أن يأتي إلى هنا "
رغم أن الطعام كان شهياً و لكن شهيتي انعدمت عندما رأيت ذلك الفتى مجدداً ..نهضت بدون أن آكل لقمة واحدة متجهة نحو غرفتي التي خصصتها لي غيداء ..
جلست أمام المرآة .. منذ متى كانت الأطفال تخيف الكبار ؟!! هل أخاف من ذلك الطفل حقاً ؟!! لا أصدق ذلك ..
و لكن .. في نظرته تلك .. لا أرى فيها براءة و لا طفولة .. أرى فيها جرماً ..
ماذا ؟!! جرم ؟!! خالد لازال طفلاً ..
أظن أنني مرهقة.. فأنا لم أرتاح منذ عدت من ذلك البيت ..استلقيت على سريري .. و أخذت أعبث بالمصباح الذي بقربي ..حتى دخل شخصاً الغرفة .. نهضت و أخذت أدقق في ذلك الوجه ..
انه طفل .. أنه .. خــــــــــــــــالد .. يحمل بيديه سكيناً .. و تلك السكين مملوءة بالدماء .. و كذلك يديه .. أنه سفاح يتنكر في زي طفل .. أو ربما كان شبحاً ..صرخت .. هززت الجدران من شدة صراخي .. حتى ظهرت في وجهي غيداء .. غيداء ؟!! بجانبها ابنها وائل .. خاطبتني بقلق :
" ما بكِ ذكرى .. أكان كابوساً مريعاً ؟!! "
كابوس ؟!! أظن أنني كنت أحلم .. فلم يدخل خالد غرفتي و لم يحمل سكيناً ..أني مرهقة ..مسحت غيداء شعري .. ثم قالت :" نامي بهدوء .. و سوف أتلو آيات قرآنية بقربك .. "
حيث استلقيت .. و تناولت غيداء المصحف .. خاطبتها :"غيداء .. أين خالد ؟!! أهو نائم ؟!! "
بدت غيداء مستغربة مني .. لأني مهتمة لأمر ابنها خالد .. و لكنه غريب و يثير الريبة .. قالت:
" نعم .. أنه نائم .. أهناك شيء ؟!! "
" هل حرصتِ أن تغطيه باللحاف ؟!! "
ضحكت :" أنه أصبح كبيراً .. فهو من يغطي جسده باللحاف "
أخذت غيداء تتلوا تلك الآيات الكريمة و أنا أنصت إليها .. شيئاً فشيئاً ..أغمضت عيناي و غرقت في نومٍ عميق ..
و في صباح اليوم التالي .. نهضت بتقاعس متجهة نحو غيداء .. التي كانت تجهز الأطفال للذهاب للمدرسة .. حيث ابتسمت و أنا أخاطبها :" أراك نشيطة في الصباح و المساء "
ضحكت هي :" و أنا أراكِ كسولة في الصباح و المساء "
تركتها ترتب الأطفال و خرجت من المنزل أتجول في الحديقة .. و لكن ما إن فتحت الباب حتى رأيت طفلاً يجلس على عتبات المنزل .. آه .. أنه خالد .. كنت خائفة منه .. فكنت أكتم صرخة مدوية ..
رفع الطفل رأسه و أخذ يحملق بي .. بنفس تلك النظرات .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..نزلت العتبات بحذر .. ثم وقفت في مكان بعيد عنه .. أخشى أن يحاول التهجم علي ..كان يحمل بيده حقيبة سوداء .. أخذ يراقب العصافير التي تطير في السماء بكل حرية ..
كان بودي أن أسأله بعض الأسئلة لأقتل غموضه .. و لكني خائفة بدون أي سبب ..
كان كما رأيته من قبل .. غير مرتب كلياً .. و هناك شيء آخر .. أنا لم أسمع صوته بتاتاً ..
لمَ هو هكذا .. صامت .. يهمل نفسه .. نظرته غريبة و تخيفني ..
بعد تردد .. قررت أن أحادثه .. أنه ليس إلا طفل .. لمَ الخوف ؟!! وقفت أمامه .. بينما هو كان جالس على عتبات المنزل .. و ممسكاً بحقيبة سوداء يضمها في حجره .. و ينظر إلي الطيور و العصافير ..
خاطبته باسمةً بشيء من الارتباك :" خالد .. كيف حالك يا خالد ؟!! "
التفت إلي ..رباه .. أنه يرمقني بتلك النظرة مجدداً ..كنت خائفة .. و لكن يجب أعرف لمَ تخيفني نظراته تلك .. جلست بقربه و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون .. خاطبته :" ربما .. ربما لا تذكرني .. لكني عمتك .. عمتك ذِكرى "
أشاح بوجهه يتجاهلني و أخذ يراقب الطيور مجدداً .. حيث خاطبته مرة أخرى :
" أنت تنتظر بقية الأطفال لتذهب معهم إلى المدرسة ؟!! "
حيث فاجأني برده :" أنا أنتظر أبي فقط "
قلت باندهاش :" السائق سوف يوصلك إلى المدرسة و ليس أباك "
حيث رمقني بنظرة حادة و نهض بعدما رأى أباه يلوح بيده له من بعيد ..هل كنت مخطئة ؟!! هل سيوصل عادل ابنه بنفسه ؟!!نهضت و دخلت إلى المنزل متجهة نحو غيداء .. سألتها :" من سيوصل الأطفال إلى المدرسة ؟!! "
أجابتني :" السائق "
" إذا لماذا يوصل عادل ابنه خالد بسيارة أخرى ؟!! "
" لأنه لا يطيق الازدحام .. فالأطفال خمسة .. و خالد لا يحب الأماكن الضيقة و المزدحمة "
ها هم الأطفال ينطلقون نحو السائق و يصعدون السيارة بمرح .. عكس خالد تماماً ..
خالد ..!! أنت لست طفلاً طبيعياً ..






يتبـــــع ...>>

الغزال العنيد
14-03-2006, 07:54 AM
بالفعل القصة روووعه
ويبين عليه غير عن باقي القصص
الصراحه اسعدني مشاركتج يا عذووب
تسلمين يا الغاليه
ونترياااااااا التكلمه ولاتتأخرين علينا
عسب نبا نعرف شو سالفته خالد*_^

عذووب
15-03-2006, 09:26 AM
أخذت غيداء تعلمني الطبخ .. فغيداء امرأة تكره أن تلمس الخادمات طعامها ..
فهي من تعد طعام الفطور و الغداء و العشاء أيضاً ..شيئاً فشيئاً .. تعلمت من الطبخ القليل ..
خاطبتني غيداء بعدما صنعت أنا كعكة بالفراولة بمساعدتها :" تعالي .. لنجلس في الصالة "
اتجهت أنا معها نحو الصالة .. و جلسنا على المقاعد حيث خاطبتني :
" ابني يحب هذا النوع من الكعك .. سوف يطير في الفرح عندما يعلم أنك صنعتها "
قلت بدهشة :" خالد يحب الكعك .. ؟!! "
نظرت إلي باستغراب .. ثم قالت :" أنا أحدثك عن وائل .. خالد لا يحب شيئاً "
قلت غاضبة :" ما معنى (لا يحب شيئاً ) ؟!! أليس إنساناً يحب و يكره ؟!! "
ضحكت هي :" بصراحة .. لا أراه يفضل شيئاً .. فكل ما يراه مقبول "
قلت بانفعال :" لا .. لو كان كل ما يراه مقبولاً .. لقبل أن يصعد مع الأطفال السيارة .. و سمح للخادمات أن يدخلن غرفته لتنظيفها "
قالت مستغربة :" لمَ الانفعال ؟!! "
وجدت نفسي أحادثها بغضب .. ألأجل خالد الذي أنا أخاف منه ؟!!
نهضت و قلت :" حسناً .. سوف أنظف غرفته بنفسي "
صرخت بي :" ذكرى .. إن علم خالد بأنك دخلتِ غرفته سيغضب كثيراً "
ابتسمتُ :" أنا مستعدة لأراه غاضباً و ثائراً "
و اتجهت نحو المطبخ و حملت أدوات التنظيف .. رغم أني لم أنظف غرفةً من قبل ..و لكني سأنظف هذا الغرفة بالذات .. لأنها غرفة طفل جذبني حقاً ..
دخلت غرفته للمرة الثالثة .. الغبار يملئ المكان ..و السرير منكسر .. كيف ينام خالد ؟!!
بدأت في عملي و أنا أسد فمي بمنديل يمنع وصول الغبار إلى حلقي ..كانت مليئة بالغبار .. فقضيت ساعات طويلة و أنا أنظف تلك الغرفة ..
و غيداء تضع أكواب الماء بقرب الباب دون أن تدخل ..لا تتحمل كثافة الغبار ..
اتسخت ملابسي .. و لكني أتممت العمل تقريباً ..وقفت و نظرت إلى ما أنجزته ..
لقد نظفت غرفة متسخة جداًً ..أنه عمل جبار أستحق عليه الثناء ..
أنحيت جذعي لأتمم ما بدأت به .. و لكن .. فُتح الباب بقوة .. حتى فزعت ..استدرت لأرى فاتح الباب .. ألا و هو صاحب هذه الغرفة .. خـــــالــد ..
وقف يرمقني بتلك النظرة المخيفة .. مقطباً حاجباه .. ثم اقترب مني .. بخطوات تثير خوفي ..
اقترب أكثر .. قرّب وجهه إلى وجهي ..ماذا يريد أن يفعل بي ؟!!
حيث أمسك بيدي بقوة .. كدت أموت خوفاً .. رباه .. همس هو :
" أخرجي من غرفتي .. فوراً "
رباه .. ليتني لم أدخل غرفته .. أنني أعاند نفسي .. لماذا أدخل غرفة إنسان أخاف منه ..
وقفت بسرعة و دموعي تتهاوى على وجنتي من شدة ذعري .. و ركضت نحو غرفتي ..
رميت بنفسي على سريري و ظللت أبكي بجنون .. غير مدركة السبب ..ربما كان السبب هو .. الخوف من ذلك الفتى .. و لكنه مجرد طفل ..
لكن تصرفاته تعني لي شيء واحداً فقط .. تعني لي أن جسده جسد طفل ..و لكنه لا يفكر كالأطفال ..
سمعت طرقاً على الباب .. فاستويت و مسحت دموعي بسرعة .. نطقت :" أدخل "
فُتح الباب و ظهر من خلفه وائل .. الفتى المرتب .. و هو يحمل حقيبته .. و ابتسامة عريضة مرحة علت شفاهه .. اقترب مني :" مرحباً "
ابتسمت :" مرحباً بوائل .. هل رجعت من مدرستكِ ؟!! "
" نعم "
"هل أنت مجتهد "
" نعم .. عمتي أريدك أن تتناولي معي الكعكة التي صنعتها أنتِ "
ضحكت :" هل تحب الكعك ؟!! "
" نــــــــعـــــم "
سألته بشيء من الخوف :" و ماذا عن أخيك خالد ؟! هل تناول الكعكة ؟!! "
" خالــــــــد خــرج من البيـــــــــت .. "
نهضت ممسكة بيده :" هيا .. لنتناول الكعكة "
و في المطبخ .. الجميع يتناول الكعكة .. و الجميع يمدحني .. و الجميع يشجعني ..لازلت مبتدئة و لا أستحق كل هذا .. و لكنهم يسعون لإسعادي لأنهم يحبّوني ..
حيث خاطبني أخي إياد الصغير :" ذِكرى .. عادل سيصطحبنا إلى الملاهي "
قلت بفرح :" أهذا صحيح ؟!! يا للروعة ..!! سأذهب معكم "
ثم خاطبت عادل :" متى سنذهب ؟!! "
" تمام الساعة الرابعة عصراً "
حيث أتت الخادمة منزعجة تخاطب غيداء :" لقد نقصت السكاكين "
صرخت غيداء :" مجدداً ؟!! أي لص غبي يأتي لسرق السكاكين فقط ؟!! "
خاطبتها باستغراب :" لص ؟!! سرقة ؟!! أتعرضتم للسرقة ؟!! "
" نعم .. و السارق يسرق السكاكين فقط "
" غريــــــــــــب !!! ... "
---
و في العصر .. تجهزت أنا و تجهز الأطفال للذهاب للملاهي ..جلسنا في الصالة ننتظر عادل ..
خرج بعد ذلك عادل من غرفته بعدما استحم .. و اقترب منا .. و قال :" هيا ! "
نهضنا جميعاً بفرح .. و لكنه استدار و كأنه تذكر شيئاً :" لحظة "
غيداء :" أهناك شيء ؟!! "
" أيـــــن خالد ؟!! "
حيث أشار أخي سالم ناحية غرفة خالد :" في غرفته "
و عاكسه وائل :" لا .. لقد خرج من البيت منذ الظهيرة "
حيث قالت سمية :" آه .. عادل دعنا نذهب للملاهي .. خالد لن يرجع الآن "
صرخ عادل بغضب :" عندما يرجع لن يجد أحدٌ في البيت .. ثم .. ليس من عادة خالد التأخر إلى هذا الحد "
و أغاظتني غيداء بقولها :" عادل .. وجودنا أو عدمه بالنسبة لخالد واحد .. فخالد لا يخرج من غرفته إلا نادراً "
صرخت أنا بها :" أتريدين أن تتركين ابنك في البيت وحده ؟!! ثم ما الذي يضمنك أن هذه الخادمات لن يفعلوا شيئاً به "
و قال عادل :" حسنٌ سوف ننتظره "
فصرخت مروة غير راضية :" لا .. لن نضيع الوقت لأجل خالد .. و نحن نعرف أنه لن يرجع "
و صرخ أخي إياد بترجي :" عــــادل .. دعنا نذهــب بدونــه .. "
جلس عادل على أحد المقاعد و خاطبنا و كأنه يجبرنا :" اجلسوا لتنتظروه "
جلس إياد و بقية الأطفال بغضب .. و جلست غيداء ببرود .. ترى .. لماذا لا يهمها أمر ابنها ..
تأخر خالد كثيراً .. فمرت ساعة كاملة و لم يأتِ .. و إياد يكاد ينفجر غيظاً هو و بقية الأطفال أيضاً ..
حتى نهض عادل :" سأبحث عنه " و اتجه نحو الباب و نحن نلحقه .. مد عادل يده لفتح الباب .. و لكن الباب فُتح من الجهة الأخرى .. آه أظن أنه ..
ظهر من خلف الباب ذلك الفتى الغريب .. فتح الباب .. ثم ألقى علينا نظرته الغريبة.. و مشى يتجاهلنا ..كيف يتجاهلنا و عقلنا طوال ساعة كاملة يفكر فيه .. و قلبنا ينبض لأجله ..؟؟
صرخ عادل و هو يشد قميص خالد من الخلف :" خالد "
استدار خالد و هو يرمق أبيه بتلك النظرة مجدداً .. صرخ عادل بجنون :" لمَ لم تقل لنا أنك ستتأخر .؟!! لقد .... " و لكنه بتر جملته و كأنه لاحظ شيئاً في خالد ..حيث خاطبه مندهشاً :
" ما هذا يا خالد ؟!! "
اندفعت لأرى ما الذي في خالد ..خدوش .. كدمات .. ضربات .. قميص ممزق .. شعر أشعث .. ما به ؟!!
مشى ذلك الفتى الغريب بكل بساطة نحو غرفته متجاهلاً كل تساؤلاتنا ..
حيث صرخت أنا بأعلى صوتي :"خالد .. ما كل هذا ؟!! .. أجبني خالد "
حيث خاطبني عادل :" لا ترهقي نفسك يا ذكرى .. فإنه مصمم على الصمت "
و انطلقت غيداء نحو غرفة ابنها لتخبره أننا ننتظره لنذهب للملاهي ..
جلسنا في الصالة و تنهد سالم :" سننتظره مجدداً .. يا إلهي "
أرى على وجوه الأطفال انزعاجا من خالد .. فمنذ أن أتيت إلى هذا البيت ..
لم أراهم يتحدثون معه .. أو يجلسون معه .. الأطفال ينفرون منه ..
حيث خرجت غيداء من غرفة ابنها و اقتربت منا :" لا يريد أن يأتي معنا لأن .......... "
حيث صرخ عادل بغضب باتراً جملة زوجته:
" لا يريد ؟!! كنا ننتظره طوال الوقت .. لكي يأتِ و يخبرنا أنه لا يريد المجيء معنا ؟!! "
و صرخت مروة :" هذا متوقع من خالد .. "
و ألقى إياد نظرة على الساعة و صرخ :" الساعة الخامسة و الربع .. لقد تأخرنا كثيراً "
حيث سمعنا صوت بكاء .. التفت إلى وائل الذي بدأ في النحيب :
" لن نذهب إلى الملاهي إذاً .. "
حيث ضمته أمه ضاحكة :" لا يا عزيزي .. سنذهب .. أليس كذلك عادل ؟!! "
و قال عادل بإصرار :" لن نذهب بدون خـالـد "
و انطلق نحو غرفة ابنه و لحقنا بــه ..






يتبـــع ..>>>

عذووب
15-03-2006, 09:27 AM
حاول عادل فتح باب غرفة خالد .. و لكنه مقفل .. همس عادل بغضب :" اللعنة .. أقفل الباب "
ثم أخذ يضرب الباب بقوة .. يضرب و يضرب صارخاً :" افتح الباب و إلا ....... "
فتح الباب خالد .. و لازالت عيناه تحمل تلك النظرة الغريبة ..حيث قال عادل بنفاذ صبر :
" لقد انتظرناك ساعة كاملة لتأتي معنا .. أليس من العيب أن تقول أنك لا تريد المجيء ؟؟!! "
حيث همس خالد و علامات الإرهاق بدت على وجهه ..:" حسنٌ سآتي "
غريب أمرك يا فتى .. منذ بضع دقائق تقول أنك لا تريد المجيء .. ما الذي غير رأيك بهذه السرعة ؟!!
حيث قال عادل مرتاحاً و فرحاً :" جهز نفسك و تعال فنحن ننتظرك في الصالة "
انصرف عادل و دخل خالد غرفته تاركاً من خلفه الباب مفتوحاً .. هل سأدخل هذه الغرفة للمرة الرابعة ؟!! حسنٌ .. سوف أدخلها و لن أخشاه .. تقدمت خطوتين للأمام و طللت على خالد .. الذي اقترب من خزانة ملابسه .. حيث دخلت الغرفة بكل شجاعة و نطقت بثقة أكبر :" خـــالـــــد !! "
استدار و رمقني بتلك النظرة مجدداً .. فاقتربت أنا أكثر منه و كلي ثقة و جرأة ..ابتسمت في وجهه و لكنه عبس في وجهي .. حيث نظر إلى قدماي و خاطبني بهدوء :" أنكِ تدخلين غرفتي "
حيث أردفت :" و ماذا في ذلك ؟!! أنا عمتك .. و من حقي أن أعرف أسرارك "
بدا مرتبكاً ..:" أي أسرار ؟!! "
ضحكت و ضربت كتفه بقبضة يدي مازحة :" كنت أمزح معك "
لم يتقبل تلك المزحة .. لم يبتسم أو يضحك .. بل كانت ملامح وجهه مشدودة دائماً ..
استدرت أنا و خاطبته :" و الآن سوف أتركك لتبدل ملابسك "
و خرجت من الغرفة و كلي شعور بأنه لم يبعد أنظاره عني بعد ذلك ..
أي أنه شعر باهتمامي له .. أو ربما فكر أن يبوح لي أسراره ..

بعد ذلك خرج خالد من غرفته .. ينتابني فضول جنوني .. ترى ما سبب كل هذه الضربات ؟!!
هل خالد من الفتيان العنيفين الذين يقاتلون و يصارعون بعضهم بعضاً ؟!! أم تراه فتاً هادئاً لطيفاً كأخيه .. لم أواجه صعوبة في معرفة شخصية وائل .. و لكني واجهت صعوبات كثيرة لمعرفة خالد ..
و لحد الآن لم أحدد .. ما هي شخصية خالد الحقيقية .. و كيف يمكنني التعامل معه ..
مشينا جميعاً خارجين من المنزل .. و خالد يمشي في المؤخرة ..
و عندما وصلنا لسيارة أخي الضخمة .. تراكض الأطفال لصعود المقاعد الخلفية .. و صعدت غيداء المقعد الخلفي الثالث .. و لم يصعد أحدٌ المقعد الأمامي .. أهو مخصص لخالد ؟!!
جلست أنا مع الأطفال .. و جلس وائل و مروة مع غيداء .. و ها هو خالد أخيراً يصعد المقعد الأمامي بكل بطء ..فتنطلق بنا السيارة حينها .. و أرى الأطفال فرحين جداً .. ينشدون و يصرخون بفرح ..
أما ذلك الفتى الغريب يسند رأسه على النافذة بصمت ..
و ها هي السيارة توقفت .. أمام مدينة الملاهي الضخمة التي يعشقها الأطفال ..،،
أطلق سالم ضحكات :" يا إلهي .. أنها رائعة "
ثم اندفع إياد خارجاً من السيارة و تدافع الأطفال من خلفه راكضين نحو تلك الملاهي ..
و ركضت غيداء خلف ابنها وائل لتحرص على عدم وقوعه .. فالأطفال إن ركضوا يجب أن يقعوا..
أما عادل مشى بقربي .. استدرت أنا لأرى خالد يمشي ببطء شديد .. و يحملق بالناس بنظرته تلك .. و كأنه لأول مرة يرى فيها الناس .. رغم أنه يخرج من البيت كثيراً .. ترى إلى أين يذهب ؟!!
حيث خاطبني عادل :" ذِكرى .. لا تهتمي لتصرفات خالد .. أنصحك ..!! "
قلت بغضب :" أتريدني أن أصبح مثل غيداء التي تهمل خالد و تهتم بوائل ؟!! "
حيث ابتسم و أمسك بيدي و قادني إلى مقعد نجلس عليه و خاطبني :" أتعلمين !! غيداء كانت لا تنام الليل لأجل خالد .. و تقدم كل الحنان و العطف له .. و لكنه بتصرفاته أثار جنونها .. فرأيتها ما إن تراه حتى تصرخ أو تنفعل .. أو ترمي أو تكسر ما بيدها .. أو تركض نحوه لتضربه بدون أي سبب أو دافع .. "
قلت مســــــتغربة :" أمعقول ؟!! "
" نعم .. كانت تغضب بسرعة .. و تبكي بسرعة .. و تدعو نفسها بالفاشلة لأنها كما تقول .. لم تربي خالد تربية حسنة .. و لم تعلمه و لم تفقهه .. و لكن خالد يثير حيرتي .. عندما كان في الخامسة ربيعاً .. كان مرحاً .. مهذباً .. كان طفلاً طبيعياً .. و لكنه فجأة تغير .. تغير كلياً .. حيث صار جامداً و غامضاً .. و لا ادري فيما يفكر .. فأراه يسرح كثيراً .. و يصمت كثيراً .. و في غرفته يدرب نفسه على العنف و الخشونة .. فيكسر الأثاث .. و لا يسمح لأي كان أن يدخل غرفته .. فلا أدري ما الذي يخفيه فيها .. و تكررت مرات رجوعه إلى البيت و الضربات تملئ جسده .. من دون أن يقل لنا ما سببها "
فكرت كثيراً .. لم هو أصبح هكذا ؟!! و لم تغير فجأةً ؟!! أهي أعراض مراهقة مبكرة ؟!!
أم هو مرض نفسي .. أو اكتئاب .. أم تراه جنون .؟!!..

ها هي غيداء تلاحق الأطفال أينما ذهبوا .. فينهض عادل و يتجه نحوها ..
و ها هو خالد يجلس على أحد الكراسي مبتعداً عنا بمسافة طويلة ..حسناً .. سأحاول معرفة ما تخفيه يا خالد و لمَ أنت هكذا ..نهضت و اتجهت نحوه .. و ما إن رآني أمشي باتجاهه حتى بدا منزعجاً لمجيئي ..أيفضل الجلوس وحده ؟!! حيث اقتربت منه و قلت بمرح :" مرحباً .. خالد "
رمقني بنظرة حادة .. ثم أشاح بوجهه عني .. حيث جلست بجانبه .. و أخذت أرتب خصلات شعره .. ثم ضغطت على جرحه الذي شق جبينه .. حيث بدا متألماً .. فأبعد يدي عن جبينه و قال منزعجاً :
" لا تلمسيني "
فاقتربت منه أكثر و خاطبته بهمس :" صارحني خالد .. ما سر هذه الضربات ؟!! "
نظر إلي .. ثم أشاح بوجهه عني مرة أخرى :" الأمر لا يعنيكِ "
" بل الأمر يعنيني .. لأني عمتك و يجب أن أعرف .. كيف تعيش أنت حياتك ؟!! "
بدا مصراً على الصمت .. و عدم البوح بسر من أسراره .. حيث أشرت أنا إلى وائل الذي يلعب بمرح مع بقية الأطفال و خاطبت خالد :
" أنظر إلى وائل .. كم هو مرح و حيوي .. ليس مثلـ... .. "
حيث صرخ بي خالد بغضب :" لا تتحدثي عنه أمامي .. و لا تقارنيني به "
لأول مرة أراه يصرخ و يرفع صوته .. كم هو رائع عندما يثور ..نهضت و قلت له :
" خالد .. أنا أتيت هنا لألعب و ألهو .. و أريدك أن تلعب معي أيضاً .. "
ثم سحبت يده و مشيت معه .. كان يريد أن يحرر يده من قبضة يدي .. و لكني كنت أزيد من الرص عليها .. أريده فقط أن يعلم .. أن الحياة لا تمضي هكذا .. بل نستمتع فيها .. و إذ استمتعنا فيها سنعيش صالحين و نعبد الرب الذي خلقنا سعداء ..
مشيت معه و أنا أحادثه مشيرة إلى قطار الموت :" سنصعد قطار الموت و سوف نتغلب على الخوف فوائل يخاف الأماكن المرتفعة .. أما نحن فلا .. أليس كذلك ؟!! "
كان صامتاً طول الوقت .. دفعت ثمن تذكرتين لي و لخالد و صعدت القطار .. و بالطبع سحبت يد خالد ليجلس بجانبي .. أريد أن أعوده كيف يتعامل مع الناس .. يجالسهم و يحادثهم ..حيث ربطت أنا الأحزمة و ربط هو أحزمته .. حيث انطلق القطار بسرعة البرق .. خشيت أن يطير شالي من على رأسي .. جميع الراكبين يصرخون .. و أنا .. كنت أصرخ أيضاً .. التفت لخالد .. صامت و جامد .. و لا يتحرك فيه إلا شعره الذي لم يستطع الصمود بوجه التيارات الهوائية القوية .. يتلفت هو يميناً و يساراً و لا يخاف المرتفعات أبداً .. فجأة .. رأيته يدير رأسه إلى الخلف .. ثم أخذ يهزني:
" فليتوقف القطار "
لم أكن قادرة على الحديث فالهواء يصطدم بوجهي بقوة ..ترى لماذا يريد أن يتوقف القطار .. ؟!! لا أظنه خائفاً .. كان هو منشغل بشيء آخر ..
فكان يدير رأسه إلى الخلف و يظل متوتراً .. إلى أن توقف القطار كما أراد ..ففتح هو أحزمته و استدار إلى الخلف .. أدرت رأسي أنا الأخرى للخلف .. لا أحد ..
نهض هو مسرعاً .. خاطبته :" لحظة "
و لكنه لم يكترث بي بل ركض نحو حشد كبير من الناس ..و لحقته أنا ..
ثم وقف هو وسطهم و كأنه يبحث عن شخص .. سحبت أنا يده :" تعال خالد انك تزعج الناس "
و لكنه أصر على الوقوف وسط الناس هكذا .. حيث سحب يده من قبضة يدي ..
من رآه في الخلف ؟!! و ما الشيء الذي يثير اهتمامه .. لم أكن أعلم أن خالد يهتم بشيء ما..
أخذ يدير عينيه على الناس واحداً تلو الآخر .. و بينما هو كذلك .. قدم عادل و معه زوجته و بقية الأطفال .. حيث خاطبني إياد بفرح :" لقد لعبنا طويلاً بدونك .. ألن تلعبي ؟!! "
ابتسمت .. و طبطبت على كتف خالد :" أنا هنا ألعب مع خالد ؟!! "
دُهش الجميع .. و هتف عادل و ابتسامة عريضة علت شفاهه و هو ينظر إلى ابنه :" حقاً ؟!! "
و لكن خالد قطب حاجبيه مخاطباً والده بكل جفاف :" لم يكن ذلك ممتعاً "
و مشى نحو جهة أخرى .. مبتعداً عنا .. و بدا عادل متشائماً ..
فالجميع ظن أن خالد أصبح طبيعياً أخيراً .. و لكن ذلك لم يحصل بعد ..




يتبـــــــــــــع ...

الغزال العنيد
17-03-2006, 11:30 AM
يــــــاربي امــــــــره صدق غريـــــب :/
........
روووعه صدق رووووعه
نتريا التكلمه :)

عذووب
18-03-2006, 07:53 AM
عدنا بعد ذلك للمنزل ..الأطفال يركضون بمرح في أرجاء البيت من شدة فرحهم ..
أما خالد رأيته يتجه نحو غرفته ..ما الذي يعجبك في غرفتك ؟!! السرير المحطم ؟!! أم المكتبة المنكسرة ؟!! أخذت أناديه :" خالد .. خالد .. انتظر " استدار مقطباً حاجبيه و هو ينظر لي ..
أنه منزعج مني ؟!! حسنـــاً .. اقتربت منه و أمسكت يده و قلت بمرح :
" خالد .. لمَ لا تتناول عشاءكَ معنا ؟!! "
حيث تجاهلني ماشياً نحو غرفته .. غضبت كثيراً .. و ركضت نحوه و أمسكت ذراعه صارخةً به :
" توقف عندك .. !! أليس من العيب أن تعامل الناس هكذا ؟!! أنت لا تعيش وحدك .. خالد "
رمقني بتلك النظرة مجدداً .. فصرخت به :" من تحسب نفسك لتنظر إلي هكذا ؟!! "
حدق بي طويلاً .. لقد تمادى في تصرفاته .. و هذا ما جعلني أصرخ به .. لكي يشعر فقط ..
أمسكت يده و مشيت و أنا أسحبه نحو المطبخ .. كفاكَ وحدة .. كفاكَ صمتاً .. كفاكَ غموضاً ..
طللت على المطبخ .. حيث كانت غيداء تجهز طعام العشاء و الجميع على حول الطاولة ينتظر ..
هتفت باسمة :" لدي مفاجأة لكم "
التفت إلى الجميع و قالوا في حماس :" ما هي ؟!! "
حيث سحبت يد خالد إلى الداخل و هتفت بهم :" خالد سيتناول عشاءه اليوم معنا "
ابتهج عادل و دُهشت غيداء .. و لكن خالد هتف في غضب :" غير صحيح .. "
حيث نهض عادل من كرسيه و اقترب من ابنه و سحبه و أجلسه على أحد المقاعد بقرب وائل ..
بدا خالد منزعجاً من الجلوس بقرب أخيه .. حيث جلس عادل على مقعده و الفرحة تغمر قلبه ..
و أعدت غيداء الطعام على الطاولة .. و جلست على مقعدها .. بدأ الأطفال في تناول طعامهم .. و لكن خالد كان يرمق الجميع بتلك النظرة المجهولة من دون أن يأكل شيئاً .. حتى خاطبه أباه :
" خالد .. ألن تأكل شيئاً ؟!! " حيث قلت أنا :" يبدو أنه يفضل البرتقال .. أليس كذلك ؟!! "
كان صامتاً .. ففتحت أنا الثلاجة و أخرجت منها برتقالةً و غسلتها جيداً .. و وضعتها في صحن مع سكين .. و قدمتها له .. حملق هو بي .. حمل السكين و أخذ يقطع البرتقالة تقطيعاً عشوائياً ..
مما جعل وائل يضحك و يسخر قائلاً :" ألا تعرف حتى كيفية تقطيع البرتقال ؟!! "
رمق خالد أخاه بنظرة حادة .. حيث سحب وائل من يد خالد السكين :" هاتها لأعلمك ذلك "
و لكن خالد سحب من يد وائل السكين بقوة و بسرعة .. و هذا ما أدى إلى خدش في يد وائل .. فأخذ يبكي و يصرخ .. رغم أن الخدش بسيط .. فأسرعت غيداء إلى ابنها .. خاطبها بخوف :" أمي .. أنه دم " رمقت غيداء خالد بغضب .. حيث كان بكل برود يكمل تقطيع البرتقالة .. من دون أن يتأثر بصرخات أخيه .. اتجهت غيداء نحو خالد .. و هو لا يكترث بها .. بل لازال يقطع تلك البرتقالة ..
صرخت به :" خــــــالد .. " رفع هو رأسه .. فصرخت به :" لقد جرحت يد أخيك " ..
قال بلا اكتراث :" لا يهمني .. " اقتربت منه و يال دهشتي .. باغتته بصفعة قوية ..ما هذا ؟!! إنها تضرب ابنها و هي الأعلم أن الضرب وسيلة سيئة لتهذيب الطفل ..
بقي خالد متسمراً يحملق بوالدته و عادل يكاد ينفجر غيظاً .. أما غيداء تقف أمام ابنها و لازلت تنظر إليه بقسوة .. حملق خالد بأمه ثم نظر إلى وائل بحقد و كره شديد ..ثم رمى بالسكين على الصحن بغضب و مشى خارجاً المطبخ .. منكسراً ..
ركضت أنا لاحقةً به .. اتجه هو نحو غرفته كالعادة .. فصرخت أنا بغيداء :" ماذا فعلتِ ؟!! "
حيث ضمت هي ابنها وائل و خاطبت سمية تتجاهلني :
" أحضري اللاصقات من صندوق الإسعافات الأولية "
نهضت سمية من كرسيها و اتجهت نحو ذلك الصندوق و أخرجت كيس اللاصقات ..و قدمتها لغيداء .. حيث اتجهت نحوها و أمسكت يدها :" لماذا ضربتيه ؟!! و أنتِ تعلمين أنه لم يقصد ذلك ؟!! "
صرخت بي :" أرجوكِ ذكرى .. لا تتدخلي بيني و بين ابني "
تركت يدها و خاطبتها بهدوء :" حسنٌ .. و لكني لن أسمح لكِ بضربه مرة أخرى "
و اتجهت نحو غرفة خالد .. أتمنى أن يكون بخير .. أتمنى ألا يكون قد تأثر من الداخل ..
طرقت الباب .. لم أسمع صوتاً .. فدخلت الغرفة ..رأيته مرمياً على الأرض .. و نائم بعمق ..( نوم المسكين المظلوم المتكوم على نفسه ) نائم على الأرض .. طبعاً فالسرير منكسر ..
يضم بيديه تلك الحقيبة المدرسية السوداء .. و لازال أثر تلك الصفعة واضحاً على خده ..
اقتربت منه .. و جلست بقربه .. أخذت أمسح شعره .. لماذا يمسك بهذه الحقيبة ؟!! أيحب دراسته لهذه الدرجة ؟!!سحبت الحقيبة السوداء من يديه بهدوء ..و لكني سمعت صوتاً فيها .. أنها ثقيلة ..
فتحتها .. ما هذا ؟!! سكاكين ؟!! مجموعة كبيرة من السكاكين ؟!!
رباه .. هل سارق السكاكين هو .. خــــالد ؟!! لا أصدق ..!!
كنت سأحمل الحقيبة لأريها عادل .. و لكن لحظة .. لماذا يسرق خالد السكاكين ؟!!أيريد بيعها ؟!! أم يريد أن يفعـل بها شيئاً آخر .. الأفضل أن أدعها عنده لأرى ما سيفعله بها ..نهضت .. خارجة من الغرفة و لكن .. يجب أن آخذ مفتاح الغرفة معي .. لكي أستطيع دخولها متى أشاء .. حملت المفتاح و وضعته في جيبي .. ثم أغلقت الباب بهدوء .. اتجهت نحو عادل و خاطبته :
" عادل .. هناك أمر أودك إخبارك به "
حيث رفعت غيداء رأسها و أخذت تراقبنا .. و نهض عادل و اتجه نحو الصالة .. فخاطبته بهمس :
" لحظة .. أتمنى أن تأتي لغرفتي .. لا أود أن يسمع ما سنقوله الأطفال و غيداء "
حيث هز رأسه بالموافقة و اتجهنا نحو غرفتي .. دخلتها و دخل هو من بعدي .. فأغلقت الباب بالمفتاح .. و جلست على مقعد و هو جلس أمامي .. خاطبني بخوف :
" ما به خالد ؟!! "
" أتعلم ماذا رأيت في حقيبته السوداء ؟!! "
" كتبه المدرسية ..؟!! "
" لا .. هناك شيء آخر .. ألم تتعرضوا لسرقة السكاكين ؟!! "
قال مندهشاً :" ابني هو السارق ؟!! "
" هذا ما تبين لي .. فقد رأيت في حقيبته مجموعة كبيرة من السكاكين "
" هل أنـــــــتِ متأكدة ؟!! "
" نــــــــــعـــــم .. "
" و الآن ما العمل ؟!! "
" الأفضل أن نبقيها معه لنعرف ماذا سيفعل بها .. أي أننا سنراقبه "
" كيف ذلــــــــــــك ؟!! "
" إلى حد الآن لا أعلم "
نهض هو :" حسنٌ .. سوف أبقي عيني مفتوحة عليه .. "
أخرجت أنا من جيبي مفتاح غرفة خالد :" أنا أخذت معي مفتاح غرفته .. و سوف أراقبه جيداً "
هز رأسه ايجابياً :" و أنا سأراقبه عندما أوصله للمدرسة و عندما أرجعه منها أيضاً "
حيث مشى خارجاً من الغرفة فاستوقفته :" عادل "
" أهناك شيء آخر ؟!! "
" أتمنى ألا تخبر غيداء بذلك .. فتفسد كل شيء "
" حســــــــنٌ "
خرج هو من الغرفة .. فاستلقيت أنا على فراشي ..
رن هاتفي المحمول .. أسرعت إليه و حملته و قربته إلى أذني :" مرحباً .. من المتكلم ؟!! "
" مرحباً ذِكرى .. كيف حالكِ ؟!! أنا أخيك مازن .."
خاطبته بفرح يغمرني :" كم اشتقت إلى هذا الصوت .. منذ متى و لم تحادثني ؟!! "
" منذ زمن بعيد .. أأنتِ بخير ؟!! "
" نعم .. فأنا أعيش في بيت عادل فتاة محبوبة و محترمة "
حيث قهقه :" محترمة ؟!! من يحترمكِ ؟!! لا تقولي أخوتي .. فهم قليلو الأدب "
" لا .. ليس لهذه الدرجة .. يحترموني جداً و يحبوني ..أنا مرتاحة هنا .. و لكن خالد يثير حيرتي "
" لا .. لا تفكري به و لا تشغلي نفسك به .. لطالما كنت أفكر به إلى أن سبب لي نوبات جنونية "
ضحكت :" حقاً ؟!! "
" نعم .. كذلك غيداء تأذت كثيراً منه .. بل جُنت .. و لكن عادل يقول أنها أصبحت أفضل الآن "
" ألا يستحق مني خالد حتى الاهتمام ؟!! غيداء أصبحت تهمله كثيراً .. "
" أعتقد أنه تعرض إلى حدث جعله هكذا .. "
" حدث ؟!! مثل ماذا ؟!! "
" قد يكون سمع أو رأى شيئاً لا يناسب عمره .. "
" ماذا ؟!! و لكن ..... "
حيث قاطعني :" ذِكرى .. كفانا حديثاً عن خالد .. لدي بشرى سارة "
" ما هـــــي ؟!! "
" زوجتي .. حامل "
صرخت بفرح شديد:" آه .. مبارك لك .. سوف أزورك غداً صباحاً .. و الآن أريد أن أنام "
أقفلت المكالمة و غطيت جسدي باللحاف و غططت في نوم عميق ..









يتبـــــــــــع >>

عذووب
18-03-2006, 07:55 AM
و في صباح اليوم التالي استيقظت من النوم و اتجهت للمطبخ ..
حيث كان الجميع يتناول فطوره عدا خالد .. أظنه ينتظر أباه في الخارج ..
جلست على أحد المقاعد .. حيث خاطب عادل زوجته :
" عزيزتي .. اليوم سوف أتأخر عن البيت .. هناك عمل يستوجب علي إكماله اليوم "
هزت هي رأسها :" عافاك الله "
حيث قلت أنا:" و خالد ؟!! "
بدت غيداء مستغربة :" ما بــه ؟!! "
" من سيوصله من المدرسة إلى البيت اليوم ؟!! "
" السائــــق"
" لا أظنه سيقبل الركوب مع الأطفال "
" عندما يعلم أن لا أحد سيوصله .. سيركب رغماً عنه "
حينها بقينا في صمت و نحن نتناول فطورنا .. فأقطع أنا ذلك الصمت قائلة :
" اليوم سأزور مازن في بيته .. زوجته حامل أخيراً "
صرخ عادل بفرح :" حقاً ؟!! و أخيراً ؟!! بعد مرور ثلاث سنوات من زواجهما .. "
" نعم .. نعم .. "
ثم أخذت غيداء تناقش زوجها في هذا الموضوع فقاطعتهما :" عادل .. كنت أفكر في أمر .. ما رأيك أن نعيد ترتيب غرفة خالد .. من حيث الصبغ و الأثاث .. و كل شيء .. أظن أنك لا ترضى أن ينام ابنك على الأرض .. و لا ترضى أن يمكث ابنك في غرفة أشبه بالكهف المهجور .. أليس كذلك ؟!! "
هز رأسه ايجابياً :" نعم .. "
" حسنٌ .. أنا سوف أختار كل شيء لغرفته .. و سوف نبدأ في صبغ الغرفة اليوم .. "
" نعم .. اتفقنا "
خاطبته :" هناك شيء آخر "
سألني :" ما هو ؟!! "
" سوف أعود لعملي غداً .. "
قال مستغرباً" لمَ العمل عزيزتي ؟!! أنا هنــ.. "
قاطعته :" عادل .. عملي يسليني .. "
" كما تشائين "
ثم نهض خارجاً من المطبخ .. ثم من البيت ..
لحقت به .. وقفت بقرب الباب .. هناك يجلس خالد على الكرسي الأمامي للسيارة ..
ممسكاً بحقيبته السوداء .. التي تحتوي على السكاكين .. و ها هو عادل يصعد السيارة لينطلق بها .. و ها هم الأطفال يخرجون من المنزل متجهين نحو السيارة التي ستوصلهم ..
دخلت البيت و اتجهت نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت منها متجهة نحو غيداء :
" ألن تأتين معي إلى بيت مازن ؟!! "
ابتسمت :" لمَ آتي .. ؟!! زوجته لا تطيقني .. "
اقتربت منها و ضحكت :" غيداء .. زوجته أيضاً لا تطيقني .. و لكني سأذهب لأجل مازن "
أشارت برأسي بالنفي " لا أتحمل كلماتها الجارحة .. و تعمدها في إحراج الآخرين و قلة أدبها "
" كما تشائين .. "
جلست على أحد المقاعد أنتظر عودة السائق .. ليوصلني إلى بيت أخي ..
تذكرت عملي الذي اشتقت إليه .. تصميم الديكور .. الابتكارات و الأفكار .. كم اشتقت لذلك ..
سوف أطبق كل إبداعاتي في غرفة خالد .. ياه .. كم أنا مشتاقة لذلك .. سوف أحضر حاجاتي و أصبغ الغرفة اليوم .. و غداً سوف أبدأ في الأثاث .. سوف أجعل من غرفته رائعة ..
..
رجع السائق .. فنهضت متجهة للسيارة .. صعدتها فانطلقت .. و ها أنا أصل إلى بيت مازن .. أخي مازن .. عمره ثلاثون سنة ..استقبلني هو بحرارة .. و جلس معي في الصالة .. حيث خاطبني :
" تبدين رائعة "
ضربت كتفه خجلة :" كفى .. ذلك يحرجني "
ضحك هو :" لازلتِ طفلة "
خاطبته :" مازن .. هل كانت هواية خالد جمع السكاكين ؟!! "
قال مستغرباً :" و هل هناك هواية كهذه ؟!! "
" لا أعلم .. و لكنه جمع معضم السكاكين في حقيبته المدرسية دون أن يخبرنا "
" خالد فتى غريب ..لقد تغير فجأة من دون أن ندري ما الأسباب و لكني أشك في شيء "
" ما هو ؟!! "
" في أحد الأيام و منذ كان عمره خمس سنوات ..اصطحبته معي إلى زيارة صديقي في إحدى القرى .. مررت أنا و صديقي و خالد في أحد الأزقة المخيفة .. المليئة بالكلاب .. و الرائحة العفنة .. كنت منشغلاً في الحديث مع صديقي .. و لم أكن أنتبه لخالد .. فجأة .. لم أره يمشي معنا .. أخذت أبحث عنه .. عدت إلى بداية ذلك الزقاق .. و عدت أمشي و أبحث عنه .. إلى أن وجدته يجلس بقرب أحد البيوت القديمة المهجورة التي لا يسكنها أحد ..بدا و كأنه رأى شيئاً لم نعلمه إياه من قبل ..كان مصدوماً سارحاً .. أنا أشك أنه رأى قاتل و مقتول .. "
صُدمت :" ماذا ؟!! كيف ذلك ؟!! "
" ذِكرى .. ألا تذكرين خبر مقتل الكاتبة المشهورة " سناء " ؟!! "
" بلى .. لقد رأوها مرمية في أحد البيوت المهجورة .. و لحد الآن لم يكشفوا القاتل الذي قطّعها و عذبها حتى ماتت.. رأيت صورتها في أحد المجلات و هي على هذا الحال ..هناك إشاعة تقول أن القاتل مريض نفسياً "
هز رأسه :" نعم .. ذلك صحيح .. أظن أنه رآها و هي مقطعة هكذا .. "
كان ما يقوله مازن يصدمني .. أمعقول أن أمر خالد خطير جداً .. أي أن هذه الفئة خطيرة لدرجة أن لا أحد يسكن معها في بيت واحد .. أنه طفل و قد يظن القتل شيء مسلي .. و قد يكون جمعه للسكاكين أمر لا يسكت عنه .. قد يحاول إيذاء أحد ما ..
رباه .. غيرته من وائل و صفعة غيداء .. و تلك النظرة الغريبة .. هل ينوي خالد الانتقام ؟!!
لا أصدق .. يجب أن أقنع غيداء أن تتعاطف مع خالد أكثر ..
بعد سرحاني .. ها أنا صوتاً ما :" ما هذا ؟!! مازن .. أختك لا تسمعني .. "
التفت إليها .. ريما .. زوجة أخي .. تقف أمامي .. :" ذِكرى .. فيمَ تفكرين و أنا أمامكِ ؟!! "
نهضت لأسلم عليها .. فقط لرضا أخي .. :" كيف حالكِ ريما ؟!! مبارك على الحمل .."
" أشكركِ .. ألا تفكرين بإنجاب الأطفال .. فزوجكِ سوف يطلقك أم لم تنجبي له شيئاً "
رمقتها بدهشة و بعتاب :" ريما ألا تعلمين أن ... أن زوجي طلقني و تزوج غيري ؟!! "
أنها تتعمد ذلك .. لا أصدق أن مازن لم يخبرها بعد .. من شدة غضبي استأذنت مازن بالانصراف .. و خرجت غاضبة جداً .. لا أدري ما الذي يعجب مازن في هذه الفتاة .. قبيحة و قليلة أدب .. و الكثير ..
أوصلني السائق بعد ذلك إلى مكتب عملي .. حيث أخذت حاجاتي من صبغ و أدوات رسم على الجدار و غيره الكثير .. ثم عدت للبيت .. خلعت عباءتي و شالي و وضعتها في خزانتي .. ثم اتجهت نحو غرفة خالد حاملة حاجاتي .. و لحقت بي غيداء .. وقفت أنا وسط تلك الغرفة و رفضت غيداء الدخول .. حيث خاطبتني :" أأنتِ متأكدة أنكِ سوف تعيدين صبغ الغرفة و تعديل الأثاث و غيره ؟!! ذِكرى .. خالد سيغضب كثيراً "
" نعم .. و الآن لا تشغليني يا غيداء .. "
انصرفت غيداء و بدأت أنا بالخزانة .. فتحتها .. الغبار يخنقني .. ما هذا ؟!! ملابس خالد مغبرة جداً ..
أخرجتها جميعها .. و وضعتها في حقيبة كنت أحضرتها معي .. و بدأت بإخراج الخزانة من الغرفة .. ثم السرير ثم المكتبة .. و بقية الحاجات التي لا أجد لها نفعاً .. رميتها في سلة المهملات ..
هكذا أصبحت الغرفة فارغة تماماً.. حان وقت صبغ و تلوين الجدران .. ارتديت الملابس الخاصة لذلك ..
و بدأت في صبغ الغرفة .. فكرت أن أضيف إلى الغرفة جواً جميلاً .. بوجود لوني ( الأزرق و الأصفر ) ..
رسمت بعض الرسومات البسيطة على الجدران..التي تزيد من جمالها ..باللونين ( الأحمر و الزهري )
بعد فترة .. انتهيت من عملي .. وقفت أنظر إليه.. ياه .. عمل جبار .. أستحق عليه الثناء ..
أتمنى أن يعجب خالد بذلك .. و لكن لحظة .. خالد فكره تغير تماماً .. أي أنه بقي يفكر دائماً بالقتل و كيف يحدث .. لم تعد هناك مساحة في عقله ليفكر بأي شيء آخر ..
خالد إنسان خطير يجب ألا أتهاون به .. فهو شهد عملية قتل بشعة .. و ربما اعتبر قاتل تلك الكاتبة مثله الأعلى ..لذلك هو الآن يحتفظ بالسكاكين لكي يقوم بتجربة ..
لا .. رباه .. لا أصدق .. أنه أمر خطير جداً .. على أسرة فيها خمسة أطفال معرضون للقتل من قبل طفل مجنون .. يا إلهي ساعدني .. أأخبر عادل بما سمعته من مازن ؟!! قد يخبر زوجته .. و زوجته تجهل علم النفس .. الأفضل أن أعالج مشكلة خالد بنفسي ..
خرجت من الغرفة فإذا بالأطفال يدخلون البيت بمرح .. أظن أن خالد عاد ..

ماذا ستكون نظرته لإبداعاتي على جدران غرفته يا ترى ؟!!

يتبــــــــع ..>>

الغزال العنيد
19-03-2006, 02:42 PM
تسلمييين غناتي عذووب
ويعيطج الف عافيه
ونتريا التكمله

عذووب
21-03-2006, 09:28 AM
ركضت متجهة نحو الباب الرئيسي .. لم أجد خالد .. فعدت أسأل الأطفال :" أين خالد ؟!! "
قالت سمية :" لا يريد الركوب معنا .. فتركناه في المدرسة و جئنا "
صُعقت .. صرخت بهم :" تركتموه في المدرسة وحده ؟!! "
هزت سمية رأسها ببساطة و قالت :
" هو من رفض الركوب معنا .. فلم نتعب أنفسنا في إقناعه .. فعدنا "
و قال وائل :" لقد قال أنه سينتظر والدي .. "
صرخت بهم :" أغبياء .. أغبياء .. "
و ركضت متجهة نحو الهاتف .. و أخذت أبحث في دفتر أرقام الهواتف عن رقم مدرسته .. و ها أنا أجده ..فضربت الأرقام بسرعة .. و ها هو أحدهم يخاطبني :
" مرحباً .. هنا مدرسة العدالة الابتدائية .. من المتكلم ؟!! "
قلت بارتباك :" سيدي .. ابني يجلس أمام المدرسة .. هل لك أن تدعني أحادثه؟!! "
( ابني ) .. لم أدري لماذا قلتها .. قلتها بلا شعور .. قد أكون أعتبره ابني .. خاطبني السيد :
" حسنٌ .. هناك فتى رفض الركوب مع إخوته .. و هذا ما جعلهم يرحلون بدونه .. لحظة من فضلك لكي أناديه "
كنت مرتكبة جداً .. و حولي الأطفال يحدقون بي .. و ها هي غيداء تخرج من المطبخ تحادثني :" ذِكرى .. لقـــ... " و لكني أشرت لها أنني لا أريد محادثتها الآن ..
سمعت ذلك الصوت .. كان صوتاً رائعاً بالرغم من جفافه :" نعم "
صرخت بانفعال :" خالد ..!! خالد .. أأنت مجنون ؟!! لم تجلس وحدك في المدرسة هناك .. لمَ لم تصعد مع الأطفال السيارة .. أباك لن يأتي لإحضارك لأنه مشغول .. "
خاطبني بلا اهتمام و لا اكتراث :" أنا لن أصعد معهم .. "
" و الآن ؟!! هل ستبقى وحدك هناك ..؟!! يا لك من عنيد.. حسناً .. يستوجب على السائق أن يأتي لإيصالك مرة أخرى "
و لكنه قهرني بقوله :" لا .. لا أريد الصعود معه .. "
صرخت به :" إذاً ماذا تريد ؟!! "
" سأنتظر والدي "
صرخت بقوة :" أأنت غبي ؟!! والدك مشغول .. ألا تفهم ذلك ؟!! أم عقلك المتحجر لا يستوعب هذه الكلمات أيضاً ؟!"
كنت أريد أن أفرغ شحنة قهر و غيظ و لكنه أقفل المكالمة و هذا ما ثار جنوني ..
نهضت و أنا أردد بغيظ .. :" اللعنة .. كيف خُلقت يا خالد ؟!! "
اتجهت نحو غرفتي و ارتديت عباءتي و شالي .. و خرجت منها .. فخاطبتني غيداء باستغراب :" إلى أين ؟!! "
خاطبتها بنفاذ صبر :" يستوجب علي الذهاب لإرجاع ابنكِ الغريب العجيب "
قالت مستغربة :" و هل لديك رخصة قيادة ؟!! "
ابتسمت :" منذ زمن بعيد .. لم أكن أتوقع أنني سأحتاج لها .. "
خرجت من المنزل و أخذت مفاتيح السيارة من السائق .. ثم صعدتها ..ياه .. كم اشتقت لقيادة السيارة ..قدت السيارة بحذر شديد .. لا أخفي عليكم ..لازلت أخاف قيادة السيارة .. قدتها بحذر حتى وصلت لتلك المدرسة .. هبطت من السيارة ..
كان خالد يجلس على عتبات مدرسته يضم بيديه تلك الحقيبة و يراقب الحمام التي بقربه ..
شعرت بغيظ .. ألا يفهم هذا الفتى ؟!! حسنٌ سوف أريك يا خالد .. اتجهت نحوه .. صرخت به :" خـــــــالــــد "
تطايرت الحمام مفزوعة .. أما هو لم ترتعش منه شعرة .. رمقني بتلك النظرة مجدداً و هذا ما ثار غضبي .. فسحبته من قميصه .. فقطب هو حاجبيه :" لن أصعد مع أحدٍ غير أبي "
صرخت به :" بل ستصعد معي رغماً عنك .."
الجميع آنذاك ينظر تجاهنا ..فعلاً ..خالد سبب لي نوبات جنونية .. عنيفة أيضاً .. و لازال يرمقني بتلك النظرة .. جررت هذا العنيد الغريب من قميصه إلى السيارة ..أرغمته على صعود السيارة ..ثم صعدتها أنا من جهة مقعدي ..
قبل أن أنطلق بالسيارة خاطبته بغضب : " أيعجبك أن أجرك هكذا أمام الناس ؟!! "
كان صامتاً .. بل كان لا ينظر لي .. قد أكون أخطأت في حقه ..يا لي من مجنونة ..من يرضى أن يهان أمام الناس ؟!! رباه .. لقد ظلمته .. شعرت بالندم ..خاطبته أكثر لطفاً :
" خالـــــد "
لم يلتفت لي .. و لم ينظر لي .. رباه يا لي من قاسية .. لم أفكر أنه قد يكون حساساً أكثر من بقية الأطفال .. لم أفكر إن ما قمت به قد يؤثر على نفسيته .. مددت يدي و أخذت أعبث بشعره الأسود الكثيف .. لكنه بدا غاضباً مني .. أنه لا ينظر لي .. سحبت يده و ضممته إلي حجري بحنان .. علي أن أعوضه حنان أمه .. لا أزيد قسوتها ..
مسحت شعره الكثيف .. قد يكون لأول مرة يحظى على حضن دافئ يضمه ..قبلت رأسه و خاطبته بلطف :
" عزيزي .. أتمنى ألا أراك تكرر هذه الحركة التي تغيظني .. أهذا مفهوم ؟!! "
هزّ رأسه لأول مرة بالموافقة .. كنت أظنه رأس العناد و رأس التمرد و التضاد ..و لكن ليس هناك فتى هكذا .. إلا إذا كان خالد هو الأوحد في العالم هكذا و أنا من غيرته ..أكون قد أنجزت عملاً جباراً .. أستحق عليه الثناء و المدح و الشكر ..قدت السيارة .. فنظر إلي .. همس مستغرباً :
" أتجيدين قيادة السيارة ؟!! "
ضحكت :" نعم .. و هل ذلك لا يناسبني ؟!! "
صمت هو .. فخاطبته :" لدي مفاجأة لك "
نظر إلي مجدداً .. فقلت أنا :" سوف تراها عندما نصل للبيت "
و عاد يصمت و هو يضم بيديه حقيبته السوداء .. التي تحتوي على السكاكين ..و عندما وصلت للمنزل نزلت من السيارة و نزل هو أيضاً .. ضاماً بيديه تلك الحقيبة ..وضعت ذراعي على كتفه بلطف و مشيت معه إلى داخل المنزل ..حيث اتجه هو نحو غرفته .. فلحقت به .. فتح هو باب غرفته ..
و بدت ملامح الدهشة على وجهه عندما رأى ما صبغته أنا على جدران غرفته ..رمقني بنظرته تلك :
" من فعل بغرفتي هكذا ؟!! "
ابتسمت :" أنا .. ألم يعجبك ؟!! "
تقدم هو خطوتين للأمام و أخذ يحدق في الغرفة ..ثم خاطبني :" لمَ فعلتِ هذا ؟!! "
" لأني لا أرضى أن تكون غرفتكِ عادية .. و أنت لست عادي "
أخذ يرنو إلي .. ثم خاطبني :" و أين حاجاتي ؟!! "
ابتسمت :" و هل تسميها حاجات ؟!! كلها خردة مغبرة .. "
رمقني مقطباً حاجباه .. ثم قال غاضباً :" لا تقولي أنكِ ........ "
قاطعته :" لا .. لم أرمها .. بل وضعت كل شيء في المخزن "
ثم ابتسمت :" و لكني سوف أغير لك كل شيء .. "
و أشرت إلى تلك الحقيبة السوداء التي بحوزة يديه :" حتى هذه الحقيبة "
رمقني بنظرته تلك و ضغط بأصابعه على حقيبته :" إياكِ و لمسها "
يبدو أنه لا يريد مني معرفة ما بداخل حقيبته .. مسكين يا خالد .. لقد علمت و منذ زمن بعيد ..
..
و في وقت الغداء .. رفض خالد تناول الغداء مع الجميع .. لذلك .. تركته يتناول غداءه في غرفتي ..
و جلست أنا معه أحادثه :" خالد .. لم تحدثني من قبل عن دراستك ؟!! "
رمقني بنظرته تلك :" لا حاجة لذلك "
يبدو أنه لا يطيق الحديث عن الدراسة ..خاطبته :" أتحب أخيك وائل ؟!! "
حملق بي طويلاً .. ثم نهض تاركاً طعامه .. و خرج من الغرفة ..
ما معنى ذلـك يا ترى ؟!!..

و في وقت النوم .. وقف عادل وسط الأطفال ..:
" اليوم .. خالد لا يستطيع النوم في غرفته لأن جدرانها مصبوغة .. من منكم يستقبله فيه غرفته "
صمت الأطفال جميعاً .. دلالة على الرفض التام .. حيث قال عادل :
" حسناً وائل سوف يستقبله في غرفته .. أليس كذلك يا عزيزي ؟!! "
صرخ وائل :" لا!!. لا يا أبي .. لا أريد النوم معه "
نظر إلي عادل يستجديني .. ثم خاطب إياد مبتسماً :" آه .. إياد سوف يستقبله .."
صرخ إياد بغضب :" و من قال ذلك ؟!! "
حملق عادل بالأطفال و هو محتار .. حيث خرج خالد من الحمام .. خاطبته أنا :
" خالد .. سوف تنام معي اليوم بينما يجف صبغ غرفتك "
رمقني بنظرته تلك و اتجه نحو المخزن ليبحث عن ملابس نومه ..
أما عادل فابتسم في وجهي ابتسامة شكر و امتنان ..

يتبـــــــــع

عذووب
21-03-2006, 09:28 AM
دخلت حمام غرفتي لأغير ملابسي .. بملابس النوم .. و بعد ذلك خرجت لأرى خالد مستلقٍ على سريري .. التفت لي فابتسمت في وجهه .. و اقتربت منه و قلت ضاحكة :
" ألا يوجد مكان لأستلقي أنا ؟!! "
تنحَ خالد قليلاً تاركاً لي مجالاً .. فاستلقيت بجانبه و الفرحة تغمرني .. شعور رائع .. أنه الشعور بالأمومة .. و لكنه يمتزج بالخوف .. فأنا سأنام مع طفل عقله ملوث .. قد يجرب قتلي .. !! حيث خاطبني خالد بهدوء :" ما معنى القتل ؟!! "
أخذ قلبي يقرع كطبل إفريقي ..أنه يفكر بذلك إذاً .. و ها هي الحقيبة السوداء بقرب السرير .. إذاً .. أنه يخطط لقتلي حقاً .. و قد جهز كل شيء .. رباه .. لماذا تركته يدخل غرفتي و يستلقي على سريري ؟!!
أجبته :" هل تعرف الموت عزيزي ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً .. فقلت أنا :
" القتل هو أن يجبر إنسانٌ إنساناً على الموت .. قد تكون الوسيلة السكين أو المسدس أو أي شيء يؤدي إلى الموت .. و هذه جريمة يعاقب عليها القاتل في الدنيا و في الآخرة .. "
حدق بي :" و ما هو عقاب الدنيا و الآخرة ؟!! "
" في الدنيا العقاب هو السجن .. أو القتل نفسه .. أما الآخرة .. هناك عواقب كثيرة و قاسية .. لذلك الجميع يتجنب القتل .. لأنه بشع "
حدّق بي طويلاً ..
ثم اقترب مني و أسند رأسه على صدري و أمسك بذراعي و همس :
" أرجوكِ .. سامحيني إذ فعلتُ مالا يرضيك .."
شعرت بالسعادة .. فحضنته في حجري .. رغم أني لم أفهم ما قاله جيداً ..
بعد ذلك أغمض هو عيناه .. أظنه نام .. فنمت أنا بسلام ..
---
أحسست بضجة .. ففتحت عيني .. خالد ليس على السرير .. نظرت إلى الساعة .. الثانية و النصف صباحاً ؟!! أين ذهب ؟!! نزلت من السرير .. فرأيت الحقيبة السوداء مفتوحة و السكاكين حولها مبعثرة
و ضجة مزعجة في الخارج .. ماذا هناك ؟!! ما الذي حدث ..؟!!
خرجت من الغرفة .. فإذا بالجميع بقرب الباب الرئيسي للبيت .. و الجميع متوتر .. غيداء و ابنها وائل يبكيان ..و عادل في صمت غريب ..اقتربت منهم .. خاطبت عادل باستغراب :" ما الذي حدث ؟!! "
أشار هو إلي زوجته غيداء .. فنظرت إليها .. يا إلهي ما هذا ؟!! هي ممسكة بإبنها وائل .. و هو يبكي بألم ..وجهه مملوء بالخدوش .. و قميصه مخضب بالدم .. رباه ..!!
اقتربت منه .. و صرخت بغيداء :" ماذا حدث ؟!! "
نكست هي رأسها ثم رفعته .. و فتحت أزرار قميص ابنها فكشفت لي جرحاً غزيراً في صدره ..
صرخت بها :" ما هذا ؟!! ما الذي حدث ؟!! "
حيث صرخ بي وائل و دموعه تتهاوى على وجنتيه :" كله بسبب ذلك المجرم .. خالد "
صُدمت .. خالد ؟!! أيمكن أنه كان يخطط لقتل أخيه لا أنا ؟!! صرخت بعادل :" أين خـالد ؟!! "
" خرج من المنزل قبل أن نمسكه .. "
صرخت بانفعال:" و لمَ تقفون مكتوفي الأيدي ؟!! فلنبحث عنه "
ثم انطلقت أنا نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت متجهة نحو غيداء التي تجهزت هي الأخرى و ها هو عادل يمسك الطفلتين سمية و مروة خوفاً عليهما و غيداء تمسك بابنها وائل .. و أنا أمسكت بالطفلين سالم و إياد .. ثم خرجنا و قلوبنا تنبض معاً .. رباه .. هل سنجد خالد ؟!!
مشينا معاً رافضين الفراق .. لكي لا يتهجم خالد علينا فجأة .. فلا نستطيع صدّه ..
أصبحنا جميعنا نخشى طفلاً .. يال سخرية الزمــن ..بينما كنا نبحث عنه .. صرخ عادل :
" خالد أيها الحقير "
تلفتتُ يمنة و يسرة .. أين هو خالد ؟!!
آه أنه .. أنه هناك .. كان يجلس بقرب أحدى الأشجار .. و ما إن رآنا حتى نهض هارباً ..
ركضنا جميعاً خلفه .. و عادل يركض بكل سرعته .. حتى تعرقل خالد و هوى على الأرض ..
و انقض عادل عليه .. و أخذ يبرحه ضرباً :" أيها الحقير .. كيف تجرؤ ؟!! "
شده من قميصه و جره حيث المنزل .. كانت له نظرة بائسة حقاً .. و حزينة .. ألهذا كان يقول لي :
" أرجوكِ .. سامحيني إذ فعلتُ مالا يرضيك .." ؟!!!
في البيت .. لم أتحمل رؤيته على هذا الحال .. داسوا جسده و حطموا عظامه ..
كله بسببي .. نعم .. لأني أنا من أبقيت السكاكين في حوزته .. و هذه النتيجة المؤسفة ..!!
تفطر قلبي عند رؤيته .. فركضت نحو غرفتي و أقفلت من ورائي الباب رامية بجسدي على سريري ..
ألم أُفهمك أن القتل بشع ؟!! و له عواقب دنيا و آخرة ؟!! أم أنك لم تقتنع بذلك بعد ؟!! رباه ..
أكملت نومي و قلبي لازال ينبض لخالد .. و ذهني لازال منشغل بخالد ..
---
و في صباح اليوم التالي .. نهضت لأذهب لعملي ..
فلم أنسى أنني سوف أعود له اليوم ..خرجت من غرفتي بعدما تجهزت للذهاب للعمل .. لحظة !! البارحة !! أين نام خالد بعد ارتكابه جريمته تلك ؟!! اتجهت نحو غيداء التي تجهز وائل للذهاب للمدرسة رغم إصابته ..
سألتها :" أين خالد ؟!! "
بدت منزعجة لسؤالي .. ثم قالت :" نام في المخزن بعدما أبرحته ضرباً "
صرخت :" أهو في البيت ؟!! "
" نعم و لن يذهب للمدرسة اليوم "
و ركضت نحو المخزن و خلفي ركضت غيداء ..مددت يدي لمقبض باب المخزن ..
حاولت فتحه .. مقفل !! نظرت لغيداء .. :" أقفل الباب "
و لكنها أخرجت من جيبها مفتاحاً و قالت باسمة :" بل أنا من حبسته هنا "
حبسته !!؟!! ما معنى ذلك ؟!! سحبت من يدها المفتاح و أسرعت في فتح الباب ..
ما هذا ؟!! خــــــالد ..!! بين الحاجات المغبرة نائم ..و كدمات واضحة على وجهه و ذراعيه ..
خاطبت غيداء بغضب :" فسري لي هذا "
قالت ببساطة :" صباح هذا اليوم استيقظت مبكراً لأضربه و أحبسه هنا فقط .. بصراحة كنت غاضبة منه و أمر ابني وائل أحزنني .. فأنا أرى أن خالد أشبه بالمجنون .. ما دافعه لإيذاء ابني ؟!! "
صرخت بها :" و لمَ تحبسينه هكذا ؟!! "
" أنه مجنون .. سأبقيه في المخزن إلى أن يتفرغ عادل لإيصاله إلى إحدى العيادات النفسية .. فأنا أخاف على الأطفال .. و على نفسي .. و لا شك أنكِ تخافين على نفسكِ منه "
سحبت مني المفتاح .. و أقفلت به الباب .. ثم مشت نحو الأطفال ..ألا تملكين قلباً حنوناً يعطف على خالد مثلما يعطف على وائل ؟!! خرجت من المنزل .. متجهة نحو عملي .. كنت مشتاقة إليه كثيراً ..
و ها أنا أجلس على مكتبي و أبدأ بعمل بسيط .. و الفرحة تغمرني ..جميع زميلاتي سلمن علي .. فهن لم ينسياني .. و ها هو أول زبون يصل لي .. وقفت لأستقبله .. لحظة !!
أليس هذا الرجل هو ..!! هو .. مروان .. طليقي ؟!!رباه .. ماذا عساي أن أفعل ؟!!
كان يبتسم في وجهي .. جلست على مقعدي ..و عاملته كزبون عادي:" أي خدمة .. سيدي ؟!! "
جلس هو على أحد المقاعد .. و هو يبتسم :" ذِكرى .. أنا أريدكِ أن تعودي لي "
رفعت حاجباي تعجباً :" و زوجتك الجديدة ؟!! "
" سوف أطلقها ما إن تقبلين بالرجوع إلي .. ذِكرى .. أنا لا أستطيع العيش بدونكِ "
ضحكت و قلبي يتفطر حزناً :" لا فائدة .. فأنا لن أغادر بيت أخي لأجلك "
نهض هو و عيناه تحدقان بي .. تترجياني !! إذ كنت لا تستطيع العيش بدوني .. لمَ تزوجت ؟!!مشى و هو يجر أذيال الخيبة .. لا أستطيع أن أعود لأن كرامتي تمنعني ..
في هذا اليوم أحسست نفسي عاملة ممتازة .. عملت جيداً حتى أُرهقت ..لذلك نهضت حاملة حاجياتي لأكمل عملي في المنزل .. عدت للمنزل في وقت عودة الأطفال من المدرسة .. و ها هي سمية تمسك بيدي :" أين ذهبتِ ذكرى ؟!! "
ابتسمت :" ذهبت إلى عملي .. مثلما يذهب عادل لعمله "
استغرب سالم :" و هل تعملين أنتِ أيضاً ؟!! "
" نعم .. و هل ذلك لا يناسبني ؟!! "
ضحك وائل ( المصاب ) :" لا يناسبك .. "
مشيت مع الأطفال نحو البيت .. و ها هو إياد ينفرد عن المجموعة راكضاً نحو غيداء التي كانت تقف أمام البوابة .. أمسك بيدها :" ما هو طعام الغداء اليوم ؟!! "
ضحك سالم :" و لمَ تسأل ؟!! بما أنك تلتهم كل شيء "
ضحكنا جميعاً و احمرت وجنتا إياد خجلاً .. و ها هي غيداء تقول :" اليوم غداءكم لذيذ .. "
تحمس الجميع و تراكض إلى داخل المنزل و غيداء تضحك لمرح الأطفال الزائد عن حده ..
فاقتربت منها .. و خاطبتها بهدوء و بجدية :" ألا تتمنين أن يكون ابنك خالد مثلهم ؟!! "
رمقتني بنظرة حادة ثم تبعت الأطفال نحو المطبخ ..و تبعتها أنا و خاطبتها:
" غيداء !! أين مفتاح المخزن؟!!"
تولت..فأمسكت يدها:"سوف تسوء حالته النفسية إذ بقيتِ تعاملينه كالمجنون "
" ما شأنكِ أنتِ ؟!! أنه ابني و ليس ابنك .."
" سوف أخبر عادل "
" أنه يعلم بذلك .. بل شكرني على تصرفي هذا "
معقول ؟!!

يتبـع ..>>

الغزال العنيد
24-03-2006, 10:02 AM
:/

حرااااااااااام كاسر ابخاطري خالد

عذووب
25-03-2006, 07:41 AM
دخلت غرفتي .. خلعت شالي و عباءتي ..ثم ألقيت نظرة على الحقيبة السوداء ..
اقتربت منها .. و جمعت السكاكين فيها و وضعتها في خزانتي ..ثم استلقيت على سريري .. خـالـد .. و مروان .. أنكما تحيراني ..سمعت طرقاً على الباب .. فهتفت :" أُدخل .. "
كان هو أخي عادل .. نهضت .. و اتجهت نحوه و خاطبته بعتاب :" أرأيت ما فعلته غيداء بخالد ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً .. فصرخت :" و هل ذلك يعجبك ؟!! "
تنهد :" عزيزتي ذكرى .. إن لم يُعاقب خالد .. سوف يظن أن ما يقوم به هو الصواب "
صرخت :" و لكن ليس لدرجة أنكم تحبسونه في غرفة مغبرة .. "
" اتفقت مع مازن أنه يأخذ خالد ليعيش معه في بيته إلى أن تلد زوجته "
حملقت به بدهشة .. فأكمل :
" و هكذا خالد إذ لم يعتد على الأفراد و البيت لن يقوم بأي حماقات "
كانت فكرة معقولة .. فهززت رأسي موافقة .. رغم أني سأفترق عن خالد !!
---
و في وقت العصر .. ها هو عادل يقف معنا جميعاً أمام المخزن لفتح الباب .. و مازن جاء أيضاً لأخذ خالد لبيته .. فتح عادل الباب بالمفتاح بكل هدوء .. و ها نحن نطل برؤوسنا على الغرفة ..
كان خالد كما كان ..يرمي بجسده على تلك الحاجات المغبرة .. و مرهق لدرجة لا تتصور..كان مستيقظاً.. بل كان يرمق الجميع بنظرته تلك .. كان الأطفال في خوفٍ شديد .. وَجّه خالد نظرات كالسهام لأخيه وائل ..و غيداء القاسية تقف بجانبي دون أن يرأف قلبها بابنها .. و مازن لازال ينظر لخالد بنظرة طويلة .. و يهمس في أذني :
" لقد بالغتم في عقابه "
اقترب عادل من ابنه و خالد ينظر لأبيه بصمت ....بدت في نظرة عادل شيء من الندم عندما رأى آثار الضرب على جسد خالد الواضحة .. اقترب عادل أكثر من خالد ..ثم أمسك عادل بكتفي ابنه و قال :
" خالد .. ستعيش من الآن فصاعداً في بيت عمك مازن .. أفهمتَ ؟!! "
حملق خالد بمازن طويلاً .. ثم هزَّ رأسه مستسلماً ,. و خاضعاً للواقع ..نهض هو و أمسك بيده مازن .. و اتجها نحو سيارته خارجان من المنزل ..
بقي عادل يلقي نظراته الأخيرة على أبنه .. و غيداء أخذت تجر حقيبة ابنها .. ثم ناولتها مازن .. ليضعها في صندوق السيارة ..
نظرت أنا لخالد الجالس على الكرسي الأمامي و هو غارق في السرحان .. ترى .. فيم يفكر ؟!!
ها هو مازن يصعد مقعده و ينطلق بالسيارة .. أخذت أراقب تلك السيارة التي ترحل عنا حاملة معها طفلاً .. لم أكن أتوقع أني سأفارقه يوما ما .. و لكني أستطيع زيارته بين الحين و الآخر ..
عدت للبيت .. و ذهني منشغل بذا الذهن الشارد .. خــالـــد .. أتمنى أن تكون بخير هناك ...
جلست في الصالة مع الجميع .. حيث كان الأطفال ينجزون وظائفهم المدرسية ..
وضعت حاجاتي على إحدى الطاولات و بدأت في عملي .. حيث سألني إياد :
" و هل يجب عليكِ حل وظائفكِ أيضاً "
ابتسمت :" نعم "
و ها هو وائل يقهرني بقوله :" ياه .. ما أحلى الحياة بدون خالد "
ضحكت غيداء .. و هذا ما ثار غيظي .. صرخت بها :
" تضحكين ؟!! .. لأن خالد ابتعد عنك تضحكين ؟!! أنكِ لستِ أماً.. بل لا تملكين ذرة من مشاعر الأمومة .. "
حملقت هي بي باستغراب .. ثم نهضت غاضبة نحو غرفتها .. حيث خاطبني عادل بعتاب :
" ما بكِ ذكرى ؟!! ألا يحق لها أن تضحك لأنها أخيراً شعرت بالراحــة ؟!! "
صرخت :" الراحــة ؟!! الأم تفضل التعب لأجل أبناءها على أن ترتاح منهم "
أي قلوبٍ هي قلوبكم ؟!! لمَ هي قاسية على هذه الفئة المسكينة من الناس ؟!
---
في وقت المغرب .. أزعجنا رنين الجرس .. من الذي يقرع الجرس كالمجنون هكذا ؟!!
نهضت سمية و ركضت لتفتح الباب .. و ما إن فتحته ..حتى تدافع حشد كبير من الأطفال إلى الداخل ..ربــاه .. من هؤلاء ؟!! ها هي غيداء تخرج من غرفتها و الابتسامة مرتسمة على شفاها ..
أخذ الأطفال يركضون في أرجاء المنزل كالمجانين .. حتى دخلت امرأتان .. آه ..أظن أنهما شقيقتان غيداء .. و هذا الحشد الكبير هم أطفالهما ..
اقتربت غيداء من شقيقاتها .. و سلمت عليهما .. و الفرحة تغمرها :" مرحبا .. مرحبا .. تفضلا "
جلست الاثنتان في الصالة .. فسلمت أنا عليهما .. و جمعت حاجاتي متجهة نحو غرفتي..
و لكن ذلك الحشد من الأطفال يلاحقني .. التفت لهم باسمة :" مرحباً بكم .. "
و لكنهم أفزعوني بصرخاتهم :" أريد حلوى " ..، " مرحباً ... مرحباً " ..,, " أنا أسمي نهلة "
أشرت أنا بسبابتي إلى إياد :" أنظروا .. إياد يحمل حلوى "
و انطلق الأطفال نحوه و أنا فررت نحو غرفتي .. ربــاه .. أيوجد أطفال بهذا الشكل ؟!!
ربما اعتدت أنا على صمت و جمود خالد و لم أعتد بعد على مرح و إزعاج الأطفال ..
----
و بعد مرور عدة أيام .. شعرت بالحنين إلى خالد فقررت زيارته في منزل مازن ..خرجت من عملي تمام الساعة العاشرة صباحاً .. صعدت السيارة و قدتها بنفسي .. و مررت بمحل لبيع الساعات .. وددت لو أشتري ساعة لخالد هدية له .. و لكن .. هل يفضل لبس الساعات ؟!! أم ذلك يزعجه ؟!!
اخترت له ساعة كحلية اللون .. و تناسب بياض معصمه .. وضع البائع الساعة في صندوق فاخر .. ثم في كيس صغير .. يسع حجمها ..و ناولني إياه .. فحملته و ركبت السيارة مرة أخرى و قدتها متجهة نحو منزل مازن ..و هناك استقبلني مازن بحرارة كعادته ..
حيث خاطبته قبل أن أجلس في الصالة :" أين هي غرفة خالد ؟!! "
أشار هو إلى غرفةٍ في الطابق الثاني منعزلة عن بقية الغرف .. حيث انطلقت نحوها بكل سرعتي .. و أسرعت في فتح البـــــاب .. كانت هناك ريما تقف أمام خالد .. يا له من وجه رائع .. كم اشتقت إليه .. كان يحدق بريما.. و ريما تقف أمامه و يال دهشتي كانت تصرخ في وجهه :
" لمَ كل هذه الفوضى ؟!! كم شعرت بالندم لأني قبلت أن تأتي لتعيش معنا .. "
شدت قميصه بعنف :" انهض و رتب الغرفة و إن لم تفعل ذلك .. سأرميك في الشارع .. أفهمت ؟!! "
شعرت أنها ستخرج الآن من الغرفة .. فابتعدت عن الباب .. لا أريدها أن تراني ..
ها هي تخرج متجهة نحو زوجها :" مازن .. عليك أن تعيده إلى أهله .. فلم أعد أطيق وجوده "
يا لك من متوحشة ..!! و عنيفة .. كيف ستربين أبنائك إذ كنتِ قاسية هكذا ؟!!
دخلت أنا الغرفة بسرعة .. حيث كان مستلقٍ على سريره و هو يسند يديه خلف رأسه ....فركضت نحوه ، هتفت :" خــالــد .. اشتقت لك عزيزي "
حدق بي .. و كأنه لم يستوعب بعد حضوري ..ضممته إلى حجري :
" هل أنت بخير ؟!! هل أنت سعيد هنا ؟!! هل أنت مرتاح ؟!! "
حدق بي ثم همس :" أنا لا أريد البقاء .. خذيني معكِ ..!! "
كان ما قاله فطّر قلبي .. كنت سأقول له :" لو كنت تعلم كيف فرحت أسرتك لبعدك عنها "
ضممته إلى صدري .. مسحت شعره .. لم أدري ما الذي يمكنني أن أقوله له ..
كانت له نظرة مليئة بالعتاب لي .. ثم تنهد و همس :" تلك المرأة تضربني .."
صرخت :" أهي ريما ؟!! ماذا فعلت بك "
نكس رأسه ..فقدمت له ذلك الكيس الصغير .. و كأنني أقول له :" أعذرني .. "
تناوله من يدي .. و خاطبني :" ما هذا ؟!! "
ابتسمت في وجهه .. :" هديــة بسيـــطة ..!! "
بدا متردداً في رؤية ما في الكيس .. ربما لأول مرة يحظى على هدية ..
أخرجت أنا الصندوق من الكيس .. و فتحت الصندوق و نزعت الساعة الكحلية منه ..و ألبست خالد إياها .. و ضحكت بمرح :" ما رأيك فيها ؟!! "
حدّق بي .. ثم همس و هو ينظر إلى الساعة التي بيده :" أهي لي حقاً ؟!! "
ابتسمت :" طبعاً "
مسح هو الساعة و لأول مرة أراه فيها يبتسم .. لقد ابتسم ..
يا إلهي لا أصدق .. خــالــد ؟!! يبتسم ؟!! كان رائعاً بابتسامته تلك .. فرحت كثيراً ..
" رائعـة "
هذا ما قاله ..!!
فرحت كثيراً .. لا أصدق أن خالد .. و أخيراً ..يعجب بشيء .. لطالما كان ينزعج في أمور كثيرة ..أنه عمل أستحق عليه الثناء و الشكر ..أتمنى أن تدوم هذه الابتسامــة الرائعة ..!!
بعد ذلك عدت للمنزل بعد ذلك و كلي سعادة و فرح .. يا إلهي .. كم أنا سعيدة ..
رميت بنفسي على الأريكة و ها هو عادل يخرج من المطبخ يخاطبني :"ما بال الذكريات سعيدة هكذا ؟!! " ..
أنه يقصدني .. ابتسمت .. بل ضحكت :" اليوم زرت خــالـ.... .. "
صرخ بي غاضباً :" زرتِ خالد ؟!! ألم نتفق على أن لا نزوره ؟!! لماذا تخالفيني ؟!! "
حملقت به باستغراب .. قلت بارتباك :" عادل .. ما الذي تقوله ؟!! عن أي اتفاق تتحدث ؟!! "
اقترب مني و شد شعري .. رباه لأول مرة يفعلها عادل .. صرخ بي :
"نحن نخطط لتهذيب خالد و تأديبه و أنتِ تفسدين كل شيء بعطفكٍ و حنانكِ "
و صرخ :" إلى أن تلد زوجة مازن .. لا أريد منكِ زيارته .. أو حتى الاتصال به .. أفهمتِ ؟!! "
هززت رأسي بخوف .. فمشى هو نحو غرفتــه ..
رباه ..!! خلال تسعة أشهر لن أزور خالد و لن أتصل به ..؟!!
كيف لي تحمل ذلــــك ؟!!

يتبــــع ..>>

عذووب
25-03-2006, 07:42 AM
و في صباح يوم آخر .. أيقظني صوت هاتفي معلناً أن هناك رسالة تنتظرني ..تناولت الهاتف .. كان المرسل هو مروان .. ما الذي تريده أيضاً مني ..؟!! كتب هو في الرسالة التالي :
" ذِكرى .. تأكدي أنكِ لم ترحلي مع الذكريات .. أنك في القلب مدى العمر ..
ارجعي لزوجك .. فليست هناك فتاة في الدنيا تغنيه عنكِ ..
( أنتظرك في مكتبك ! )
المرسل : مروان "
أنه محتال و لن أدع قلبي يعطف له .. ينتظرني في مكتبي ؟!!
حسناً .. لن أذهب للعمل اليوم .. و سنرى ما الذي ستفعله يا مروان ..
---
نهضت من سريري و اتجهت نحو الحمام .. فغسلت وجهي .. ثم اتجهت نحو غيداء ..
التي كانت تجلس في الصالة تشاهد أحد البرامج في التلفاز .. جلست بجانبها و خاطبتها :
" هل ذهب الأطفال لمدارسهم ؟!! "
" نعم ذهبوا .. "
كنت أريد محادثتها عن مروان و لكني كنت مترددة .. أخذت نفساً عميقاً ..
و نكست رأسي و خاطبتها :" أتعلمين ؟!! مروان يقول لي أنه يريد أن أعود له "
حدقت بي :" و أين ترينه ؟!! "
" في عملي .. "
حملقت هي بي .. ثم قالت:" بصراحة أنا لا أرى سبباً مقنعاً لفراقكما "
صرخت بها :" لقد تزوج فتاة لا أطيقها أنا .. أليس هذا سبباً يستحق طلاقي منه ؟!! "
نكست رأسي .. :" و الآن يعود ليقول لي أنه سيتركها ما إن أرجع له "
صرخت هي بفرح :" حقاً ؟!! ما حجتك الآن ؟!! عودي له و أقهري تلك الفتاة "
صرخت بها :" و كرامتي ؟!! "
نكست رأسي و قلت بغضب :
" بالأمس يتزوج فتاة يعلم أني لا أطيقها .. و اليوم يريد رجوعي ؟!! أنه يحلم بالتأكيد .."
أمسكت غيداء كتفي .. و همست :" ذِكرى .. أنه يريد أن يكون أباً .. و هذه أمنية كل رجل .. "
صرخت بها :" و لماذا يتزوجني من الأساس ؟!! "
نظرت إلي باسمة .. و قالت بكل هدوء :" ألا تعلمين لماذا ؟!! ... أنه الحب يا ذكرى "
حدقت بها .. ماذا تقول هذه المرأة ؟!! .. لا أصدق ..
----
مرت سبعة أشهر مليئة باتصالات و مضايقات مروان .. فلم أهنأ يوماً بالراحة .. أهذا الحب حقاً ؟!!
في أحد الأيام اتصل بي ليقول :" ذِكرى .. عودي لي أرجوكِ "
" أنت تحلم .. إذ لم تترك تلك الفتاة لحد الآن .. كيف تريد مني الرجوع إليك "
صمت قليلاً .. ثم قال :" ذِكرى .. لا أستطيع أن أطلقها لأنها .. لأنها حامل "
صرخت به :" و هل تريدني أن أعود لك بعد هذا الحديث ؟!! "
..
تكررت اتصالاته و تكرر حديثه عن هذا الموضوع .. ألا يمل هذا الرجل ؟!!
إلى أن طفح الكيل فأخبرت عادل بالأمر .. :
" عادل .. مروان يضايقني باتصالاته .. تخيل أنه ينتظرني في عملي ليعيد حديثه الممل ذاك "
قال بعزم :" حسنــاً .. سوف أتصل به اليوم .. "
..
و ها هو يعود لي في المساء ليخبرني أن كل شيء انتهى ..
بمجرد أنه أخبره أني أصبحت أكرهه ..
و هذه هي الحقيقة ..!!
---
تمام الساعة الثامنة ليلاً .. كنت جالسة في الصالة أقرأ بعض المجلات .. و الأطفال يلعبون مع أبناء أخوات غيداء .. كانوا مزعجين و كثر .. فلا أستطيع السيطرة عليهم .. ذاك يصرخ .. ذاك يكسر .. ذاك يضحك .. ذاك يبكي .. ربــاه .. رأسي يكاد ينفجر .. إلى أن خرجت شقيقة غيداء ( هناء ) من المطبخ .. و جلست بجانبي و أخذت تصرخ بأبنائها :
" نهلة لا تضربي أختكِ .. ماجد .. لا تعبث بالزهرية .. ليلى .. تعالي و اجلسي بجانبي.." أتت تلك الصغيرة وجلست بجانب أمها .. حيث خاطبتها أنا :
" كم عمــــــركِ يا صغيرة ..؟!! "
أجابتني :" خمس سنوات "
" و كم هو عمر أختك نهلة ؟!! "
" نهلة السمينة عمرها سبع سنوات و ماجد عمره ست سنوات .. أنا أصغرهم "
ضحكت :" و لمَ تسمين نهلة سمينة ؟!! "
" لأنها سمينة و تضربني دائماً "
ضحكت .. و خاطبت هناء :" يا لها من لطيفة و جميلة "
حيث بقي سالم وسط ثلاث فتيات ..بنات شقيقة غيداء الأخرى ( هيفاء ) و هن: منى عمرها سبع سنوات و سارة عمرها ست سنوات و الصغيرة أروى عمرها خمس سنوات .. فأي منهن يعجب سالم إذ كان عمره ثمان سنوات و إياد عمره تسع سنوات ؟! .. و هل ترى ابن هناء ( ماجد ) يعجب بسمية إذ كانت أكبر منه بسنة واحدة ؟!! أظن أنه سيعجب بمروة .. لأنها في عمره تقريباً .. و هل سينال وائل إعجاب الفتيات ؟!! .. أظن ذلك .. لأنه أكثر وسامة و أناقة من بقية الفتيان ..
و لكن إذ كان خالد هنا .. هل سيحظى اهتماماً من هذا الجيش من الفتيات .. ؟!! لا .. لا أظن ذلك .. ربما يخيفهن بنظرته تلك ..
لحظة .. أخبرني مازن منذ ثلاثة أيام أن زوجته أنجبت طفلة .. لقد وضعت مبكراً ..
و لكن .. خـالـد .. اشتقت له .. منذ شهور عديدة لم أره و لم أسمع صوته و لم أسمع خبراً واحداً عنه .. نعم .. يحق لنا اليوم أن نذهب لمنزل مازن لرؤية الطفلة .. و استرجاع خـالـد .. أخي عادل قال ما إن تلـد ريما نستطيع إرجاعه إلى البيت .. آه .. أظن أن عـادل اشتاق لابنه ..
نهضت و اتجهت نحو المطبخ .. حيث كانت غيداء تحادث أختها هيفاء ..
جلست أنا بجانب غيداء و خاطبتها :" غيداء .. ألن نزور مازن لرؤية طفلته ؟!! "
هزت رأسها ايجابياً :" بلـى .. اليوم الساعة التاسعة "
" و سنرجع خالد .. أليس كذلك ؟!! "
نهضت هيفاء ما إن سمعت صراخ بناتها .. و خرجت من المطبخ ..
فخاطبتني غيداء منكسة رأسها :" لم أعد أعتبره ابني "
صرخت بها :" مـــــــــاذا ؟!! "
" لم يعد إحساس الأمومة يراودني تجاه خالد .. قد أكون لا أعترف بابن كهذا .. "
نهضت أنا و كلي حزن على خالد .. ليس لديه أم تشعر به ..

يتبـــــــع ..>>

شموخ انسانه
26-03-2006, 02:36 PM
تسلمييين على القصه

وفعلا خالد غريب وانا اشووف انه محتااج


لرعاايه وعناايه اكثر المفرووض ماا يتصرفوون معه

ذا التصرف

يعطيك الله العافيه

بنتظاار بااقي الاجزاء القصه

لاعدمنااك

شموخ انسانه

الغزال العنيد
26-03-2006, 02:48 PM
حليله خالد :(

يعور القلب والله

عذووب
27-03-2006, 07:40 AM
!! جريمة قتل بشعة !! ..

و في الساعة التاسعة .. خرجت أنا و غيداء فقط .. و تركنا أختيها مع الأطفال ..أخذت أقود السيارة بنفسي .. فأنا لدي رخصة قيادة .. و لكن غيداء لا تصدق ذلك .. بل تظل خائفة طوال الطريق .. يا لكِ من جبانة ..إلى أن وصلنا لمنزل مازن .. نزلنا من السيارة و مشينا معاً .. متجهتان نحوه ..
حيث كانت غيداء تخاطبني :" يا إلهي .. لا أريد رؤية المدعوة ريما "
ضحكت :" و هل هي أسوء منكِ ؟!! "
ضربت هي كتفي مازحة :" كفاكِ ذكرى "
اقتربت أنا من باب المنزل ثم قرعت الجرس .. حيث بقينا عدة دقائق بدون أن يفتح الباب ..
قلت أنا :" أظنهم ناموا .. "
حيث خاطبتني غيداء مشيرة للباب :" أنظري .. الباب مفتوح "
غريب .. مازن لا يدع الباب مفتوح هكذا .. ألا يخشى اللصوص ؟!!دخلت غيداء البيت و أخذت تنادي مازن .. و لكن لا حياة لمن تنادي ..اتصلت أنا لمازن عن طريق الخلوي :" مازن .. أين أنت ؟!! "
" مرحبا ذكرى .. أنا أحضر حفل زفاف صديقي .. مع زوجتي .. أهناك شيء ؟!! "
" لا .. فقط جئنا لزيارتك و لم نراك .. حسنٌ سوف نزورك غداً .. "
أغلقت الهاتف و خاطبت غيداء :" مازن يحضر زفاف أحد أصدقاءه مع زوجته .. كان من الأفضل أن نتصل به قبل زيارته .."
ابتسمت غيداء :" و لكن يمكننا رؤية الطفلة .. "
و ضحكت أنا :" و يمكننا رؤية خالد "
مشينا نحو غرفة نوم مازن و زوجته .. أظن أن الطفلة هناك ..
و لكننا في طريقنا سمعنا صوتاً .. حيث خاطبتني غيداء خائفة :" ما هذا ؟!! "
ابتسمت :" لا أدري .. ربما كانت الخادمة "
" و لكن مازن لا يملك خادمة "
تكرر الصوت عدة مرات .. و كأنه صوت ارتطام الملاعق .. أو السكاكين ..
السكاكين؟!! الطفلة و خالد معاً في بيت واحد ؟!! هذا يعني شيئاً واحداً ..
ربـاه !! ركضت نحو المطبخ و غيداء تلحقني .. و هي تكرر :" ماذا هناك ذكرى ؟!! "
وقفت أمام باب المطبخ .. و أنا أسمع ذلك الصوت بوضوح.. فتحت الباب بسرعة .. و حينها ندمت أني فتحت الباب .. لأكشف مشهداً لا أستطيع أنا و لا غيداء استيعابه .. أظنكم عرفتم ما رأيته أنا ..
رأيت على طاولة الطعام تلك الطفلة .. و لكنها مقطعة بالسكاكين .. أي قلب يستطيع فعل ذلك بطفلة رضيعة .. لم تعش من العمر سوى ثلاثة أيام .. ذراعها مرمية هناك .. و ذراعها الأخرى مرمية هنا .. و رجلها مرمية هناك و رجلها الأخرى مرمية هنا ..
و هناك رأيته يجلس على المقعد و يمسك بالسكين .. المملوءة بالدماء .. قميصه مخضب بالدماء .. و ذراعيه أيضاً .. كان يبتسم .. يا لك حقير وقح .. كيف تجرؤ ؟!!
هل كنت أظن أنه لن يقتل لأني أحبه ؟!! و لكنه فعل ذلك .. قتل طفلة لا يتجاوز عمرها سوى ثلاثة أيام .. غيداء فقدت وعيها .. فهوت على الأرض من هول ذلك المشهد..
و أنا رأيت نفسي أركض هاربةً .. خرجت من المنزل من دون أن أنتبه لغيداء .. التي يمكن أن يرتكب خالد فيها جريمة أخرى .. صعدت السيارة و أنا ألهث خوفاً و رعباً ..
أريد الاتصال بمازن .. بل أريد الاتصال بعادل .. و لكن أصابعي لا تستطيع حمل الخلوي .. فهي ترتجف ..وجدت نفسي أبكي خوفاً .. أريد العودة للبيت .. لا أريد أن أبقى هنا .. لأُقتل أنا الأخرى ..
تمالكت أعصابي و حملت الهاتف لأتصل بمازن من ثم عادل .. ليشهدوا جريمة قتل بشعة ..
خاطبت مازن و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون :" مازن.. تعال .. هناك .. ابنتك .. "
" ذِكرى .. ما بكِ ؟!! "
صرخت :" تعال لترى ابنتك و ما حل بها "
و أغلقت المكالمة .. و أخذت نفساً عميقاً و أنا أضع يدي على صدري .. ثم عدت أتصل بعادل :
" عادل أنا ذكرى .. تعال منزل مازن .. ابنك خالد .. لقد .. "
" لحظة ذِكرى .. الآن الساعة متأخرة .. لا أستطيـ... "
صرخت :" حدثت جريمة قتل "
و أغلقت المكالمة و ظللت أرتجف خوفاً .. غيداء .. ما الذي سيحدث لها ..هل سيقتلها ذلك المتوحش ؟! علي أن أذهب للاطمئنان عليها .. و لكن .. أنا خائفة .. خائفة جداً ..
هل أنا في حلم .. بل هل أنا في كابوس ؟!!! شهدت جريمة قتل بشعة .. و القاتل ابن أخي .. و المقتولة ابنة أخي .. ربــاه ساعدني .. غيداء أتمنى أن تكوني بخير ..
بعد فترة مليئة بالخوف و التوتر .. و السكون الموحش .. وصلت سيارتان و توقفتا بقرب المنزل ..
و هبط منهما عادل و مازن و ريما.. تسابق الثلاثة تجاهي .. و طرقوا النافذة و صرخ مازن :" ذِكرى أأنتِ بخير ؟!! " فتحت باب السيارة و تتسارع نبضات قلبي .. فأرتمي في حجر مازن و قلت و عرقي يتصبب على وجهي و دموعي تحرق جفني :
" مازن .. عليك أن ترى ابنتك .. إنها في المطبخ "
ركضت ريما مسرعة نحو المطبخ و لحق بها عادل .. و تركني مازن لاحقاً بهما ..
و حينها سمعت صرخات ريما .. و صرخات مازن .. تسمرت مكاني خائفة .. ترى ما الذي سيجري ؟!!
لا أريد دخول المنزل .. بل لا أستطيع ذلك ..وجدت نفسي أنطلق بالسيارة ..
أعود إلى بيت أخي عـادل .. وجودي مع أطفال عاديين أفضل بكثير من وجودي مع طفل ( قاتل و سفاح ) .. انطلقت نحو غرفتي .. و دخلتها.. ربــاه هل أنا في كابوس مريع .. لمَ لا أستيقظ منه ؟!!.. كفاني ما رأيت .. استلقيت على سريري و غطيت جسدي باللحاف بخوف ..
و نمت لأشهد كوابيس مريعة و مخيفة ..
---
و لكني لم أنم سوى ساعة واحدة .. فإذا بالضجيج يسيطر على المكان في الخارج من جديد ..
و ها هي غيداء تدخل غرفتي و تقفل من وراءها الباب خائفة .. هل صحت ؟!!
ارتمت في حضني و شدت قميصي و هي تبكي خوفا مصابة بنوبة هستيريةً :
" أخيك مازن يحاول قتل خالد "
سألتها بخوف :" خـالد هنا أيضاً ؟!! "
" نعم .. لقد أبرحه مازن ضرباً .. و ها هو يحاول قتله بالسكين "
شهقت : " ماذا ؟!! "
شدت على يدي :" ذِكرى .. أريد النوم معك هذه الليلة .. "
هززت رأسي ايجابياً .. فخلعت غيداء شالها و استلقت بقربي و أغمضت عيناها و لكنهما لازالتا تذرف دمعاً .. أظن أن غيداء لا تتحمل رؤية ذلك .. استلقيت بجانبها .. فتشبثت بي جيداً ..
أما أنا بقيت أقلب ذلك المشهد في ذاكرتي .. ما معنى أن يقطّع طفلة صغيرة .. لم تفعل له شيئاً ؟!! أظنه أراد أن يجرب القتل أيضاً ..
أخي مازن .. ما مصيره ؟!! أخي عادل ما مصيره ؟!! ... خالد ؟!! ما مصيره ..
مر من الوقت الكثير و النعاس فارق أجفاني .. حتى سمعت غيداء تخاطبني بصوتها المبحوح :
" ألم تنامي بعد ؟!! "
" لا "
" أنا أيضاً .. لا أستطيع النوم .. ترى .. ما الذي يفعله عادل بخالد الآن ؟!! "
" لا أعلم .. ربما قتله "
صرخت بي :" لا تقولي ذلك .. لا أريد أن يكون زوجي مجرماً هو الآخر "
تنهدت بعمق .. و تنهدت غيداء هي الأخرى .. تطلق آهة مخزونة في صدرها .. و كأنها تريد أن تطلق خالد من ذاكرتها .. من ذاتها .. و كأنها لا تريده .. حتى فتح الباب .. ففزعنا رعباً .. و لكنه كان عادل ..
اقترب منا .. و جلس على السرير و خاطبنا بكل جدية : " أتريدان معرفة ما الذي حل بخالد ؟!! "
هززنا رأسينا .. فقال :" احتجزته أحدى مراكز الشرطة لتحقق في أمره غداً صباحاً .."
و قلت أنا بخوف شديد :" و مازن ؟!! و ريما ؟!! "
" في مـــــنزلهما .. "
و همست و دموعي تتهاوى على وجنتاي:" و الطفلة ؟!! ماتت أليس كذلك ؟!! "
نكس رأسه" نعم.. "
صرخت غيداء :" و أختاي و ابني وائل .. و سمية و مروة و إياد و سالم و ماجد و بقية الأطفال ؟! "
" جميعهم في منزل أختكِ هناء ,, "
صرخت هي" لا.. أريد ابني وائل .. "
و صرخ بها عادل :" غيداء .. كفاكِ الآن .. "
و نهض فخاطبته :" إلى أين عادل .. كيف ستتركنا و نحن خائفتان هكذا ؟!! "
اقترب منا و مسح شعري و شعرها .. ثم أخذ وسادة و نام على الأرض على فراش ..
رباه ... أنا خائفة و غيداء خائفة .. و يبدو أن عادل يكاد يموت خوفاً ,,رغم أنه رجل ..!!
حدث كهذا !! ينهار فيه القوي و الضعيف .. الصغير و الكبير ..
الجميع لا يستطيع الصمود لجريمة خالد الشنيعة ..

في صباح اليوم التالي .. تجهزنا نحن الثلاثة .. و صعدنا السيارة للذهاب لمركز الشرطة .. كما قال عادل ..اليوم سيحققون في الجريمة التي حدثت البارحة ..
ها نحن ندخل غرفة الضابط .. و لكن هنا مازن أيضاً ,, كان يصرخ بانفعال :
" لم أكن أتوقع حدوث ذلك .."
خاطبه الضابط :" هدئ من روعك يا سيد .. فقط قل لنا .. لماذا تركت الطفلة وحدها في البيت ؟!! "
" أيها الضابط .. لقد تركتها مع خالد مطمئناً عليها .. لأن خالد كان يحملها و يداعبها فضننت أنه يحبها .. فشعرت بالاطمئنان على بنيتي .. "
حيث تقدم عادل و أمسك بكتف أخاه .. فاستدار مازن .. و صرخ بعادل :" أنت ؟!! لمَ أتيت ؟!! "
ابتسم عادل و جلس على أحد المقاعد و جلست أنا و غيداء بقربه ..
حيث خاطبت غيداء الضابط :" خالد حاول قتل أخاه .. "
حيث سألها الضابط باهتمام :" و متى حدث ذلك .. "
" منذ شهور عديدة .. و لقد أرسلناه لبيت مازن عقاباً له "
و قلت أنا :" لحظة .. لقد أخبرني خالد أن زوجة مازن كانت تضربه .. و رأيتها تقسو عليه "
هز الضابط رأسه .. فأخذت أنا أحادثه عمّا قاله لي مازن عن خالد .. و قد رأى جريمة قتل بشعة .. فقرر أن يطبق ما رآه على هذه الطفلة المسكينة ..حيث كان الضابط مندهشاً من هذه القصة الغريبة .. فخاطب مازن :" و أين هي زوجتك ؟!! "
نكس رأسه :" في بيت أمها .. تبكي و تتحسر على طفلتها .. التي كانت تنتظرها منذ ثلاث سنين "
يا لكما من مسكينان .. لقد فقدتما أول مولود كان بالانتظار .. و ربما لا يأتي بعده مولود ..
خاطبنا الضابط :" يبدو أن الطفل يعاني مرضاً نفسياً "
شهقت غيداء .. و صرخ عادل :" لا .. أنت مخطئ .. ابني ليس مريضاً "
حيث قال الضابط:" إذ كان مريضاً نفسيا .. لن يعاقب .. و إنما سوف يرسل لمصحة يعالج فيها "
صرخ مازن :" لا .. قتل ابنتي و لا يعاقب ؟!! هذا ليس عدلاً .. ليس عدلاً .. إن علمت ريما بذلك سوف تجن "
ضرب الطاولة و رمى ما عليها على الأرض بغضب .. و صرخ بعادل :
" إن لم يحصل خالد على عقابه الذي يستحقه .. أنا من سأعاقبه .. "
و انصرف خارجاً من الغرفة .. حيث سألت غيداء زوجها :" أين سيدفنون الطفلة ؟!! "
" في المقبرة .. و هل هناك مكان آخر .. "
" ألن نذهب لـ... "
" لا .. لا .. مازن أصبح لا يطيق رؤيتي .."
كنت أريد رؤية خـالد .. و لكني لن أدع العاطفة تتغلب علي الآن .. لماذا أعطف على قاتل سفاح ؟!! حتى لو كان ابن أخي .. إذ كان والديه لا يعطفون عليه .. ما مصلحتي أنا من ذلك ؟!!
عدنا للمنزل .. و هناك رأينا هناء و بقية الأطفال .. فأسرعت غيداء لابنها و احتضنته و أخذت تجهش بالبكاء .. و وائل خاطبها باستغراب :" أمي .. أنتِ تبكين ..؟!! "
سحبتها و اصطنعت ضحكة و خاطبت وائل :" أمك .. أنها تمثل .. نعم .. تمثل .."
سحبت غيداء إلى المطبخ و هناك صرخت بها :" أأنتِ مجنونة ؟!! لمَ البكاء الآن "
أخذت تمسح دموعها .. :" أخشى أن أفقده هو الآخر .. "
" و هل فقدت خالد ؟!! "
" نعم .. لا أريده .. لا أريده .. أنا لم أعد أعترف به .. "
خلعت شالها .. و اتجهت نحو غرفتها .. و ها هو عادل يقترب نحوي و يقدّم لي ورقة صغيرة :
" هذا هو عنوان العيادة النفسية التي سيرسل لها خالد "
تناولت الورقة و خاطبته مستغربة :" و لمَ تعطيني إياه ؟!! "
ابتسم :" لأنك الوحيدة التي ستزورينه هناك .. "
أدخلت تلك الورقة حقيبتي .. و اتجهت نحو غرفتي .. و لكني صادفت في طريقي غرفة خالد المغلقة .. فتحت الباب .. لازالت فارغة .. أظن أن الصبغ جف .. يمكنني أن أبدأ باختيار الأثاث غداً ..
و لكن لحظة .. إذ كان خالد سيرسل لعيادة نفسية و سيعالج فيها فترة طويلة ..
لماذا أتعب نفسي باختيار الأثاث ؟!! إذ كان لا أحد يدخلها غيري ..
خرجت من الغرفة .. و اتجهت نحو المخزن لأتفحص حاجات خالد من جديد ..
قد أرى فيها أدوات للقتل غير السكاكين .. دخلت المخزن ..
و أخذت أقلب في حاجاته .. و كتبه المدرسية المغبرة .. إلى أن سقطت من أحد الكتب صورة فوتوغرافية .. حملتها و أخذت أدقق فيها .. خالد ؟!! كانت صورة جميلة له .. ابتسامة صغيرة ؟!!
لا أصدق .. متى التقط خالد له صورة .. و أين و من الذي التقطها له .. يرتدي ملابس المدرسة و يحمل حقيبته السوداء ؟!! أظن أنه التقطها في المدرسة .. كانت رائعة ..
وضعت الصورة في حقيبتي و خرجت من المخزن ثم اتجهت نحو غرفتي .. فأخرجت الصورة و الورقة ..
و وضعت الصورة على مكتبي .. بل فكرت في وضعها في إطار أنيق يليق بها ..
نظرت إلى صورتي التي وضعتها في إطار رائع .. مددت يدي و حملت تلك الصورة .. و أخرجتها من الإطار .. و أدخلت صورة خالد فيه .. ثم وضعتها فوق مكتبي .. و بقرب الصورة وضعت الورقة التي كُتب عليها العنوان .. هكذا سيبقى خالد في الذاكرة دائماً .. و لن تجرفه رياح النسيان أبداً ,,
---
بعد ذلك تجمعنا نتناول طعام الغداء .. عادل فضّل تناوله غداءه في أحد بيوت أصدقاءه .. و هنا تتناول هناء و هيفاء و أبنائهما معنا طعام الغداء .. حيث كانت غيداء تجلس بجانب ابنها وائل و تهيأ له طعامه .. أصبحت تهتم به أكثر من اللازم .. كما تقول ( تخشى أن تفقده هو الآخر ) .. أنها لا تعرف أن عندما يعود خالد طبيعياً .. سوف يكون ابناً جديداً لها .. و ليس خالد المعقد الغامض المريض ..
و هنا تتناول سمية غدائها و تهتم بأختها مروة .. يا لك من عاقلة و ناضجة و واعية رغم صغر سنكِ ..
و إياد يجلس بقرب أخاه سالم .. هناك فرقاً كبيراً بينهما .. إياد أصلع .. و سالم شعره كثيف ..
إياد لون عينيه فاتح و سالم لون عينيه قاتم .. إياد شجاع .. سالم جبان .. إياد متفوق في دراسته .. سالم يهمل دراسته .. و الكثير .. الكثير ..
و بقرب هناء تجلس نهلة و أختها ليلى .. و أخاهم ماجد .. نهلة عنيفة .. و ليلى رقيقة .. و المسكين ماجد ليس لديه شخصية ..و هنا تطعم هيفاء بناتها الثلاث .. منى تحادث أختها سارة .. أظن أنها أسرار الفتيات ..أروى تبكي لعدم اهتمام شقيقاتها بها .. أنها الصغيرة المدللة ..
لو كان خالد معنا .. ماذا ستكون نظرة الأطفال له .. هل سيظلون ينفرون منه ؟!! أم ماذا ؟!!
أم سيحظى إعجاباً منهم ؟!!
---
في صباح اليوم التالي فكرت في زيارة خــالد .. فكرت أن أصطحب غيداء معي و لكن لا أظنها ستقبل .. و طلبت من عادل ذلك و لكنه نهرني .. و قال لي :" هذه آخر مرة تذهبين لزيارة خالد "
و حتى إذ كان مريض نفسياً ؟!! يا لك من قاسٍ يا عادل .. حسناً .. إذ كانت آخر مرة ..
سوف أقضي يومي معضمه هذا هناك ..في تلك العيادة النفسية ..
اصطحبت معي الصغيرة ليلى .. تعلقت بها .. فأنها لطيفة جداً ..
تجهزت جيداً ,, و صعدت السيارة .. حاملة معي الورقة التي كُتب فيها عنوان العيادة النفسية ..
انطلقت بالسيارة متجهة لها .. و على المقعد الآخر تجلس ليلى و تخاطبني :
" إلى أين سنذهب ؟!! "
ابتسمت :" إلى شخص ستحبينه كثيراً "
" من هو ؟!! "
غمزت لها :" سوف ترينه بنفسك .. و حينها أخبريني برأيك فيه "
أخذت تفكر .. علّها تتخيله .. ثم قالت بحماس :" هيا .. أريد رؤيته بسرعة "
ضحكت :" أمرك سيدتي .. "
أسرعت بالسيارة إلى تلك العيادة النفسية .. حتى وصلنا .. فخاطبت الصغيرة :" هنا يقيم .. "
دُهشت الصغيرة :" بيته كبير أنه محظوظ "
محظوظ ؟!! وجوده في كوخ صغير أفضل من إقامته هنا ..
نزلت من السيارة و مشيت مع الصغيرة متجهتين نحو العيادة ..
و عندما دخلنا العيادة .. رأينا العديد من الناس .. الصغير و الكبير .. مشيت مع ليلى نحو إحدى الممرضات .. و سألتها : عفواً أين أجد غرفة المريض خالـد عادل ؟!! "
ألا و أفاجئ بطبيب يخاطبني :" أأنتِ والدته ؟!! "
التفت للطبيب و ابتسمت :" لا .. أني عمته .. "
" الطفل يحتاج لمن يزوره .. أهذه أول مرة تزورينه ؟!! "
" نـــعـــم "
" أرجوا أن تداومي على ذلك .. "
نكست رأسي :" الأمر ليس بيدي .. "

عذووب
27-03-2006, 07:41 AM
زيارة خاصة

حملق بي الطبيب .. ثم خاطبني مستغرباً :" كيف ذلك ؟!! "

" أباه يمنعني من ذلك .. يقول لي دائماً ( دعيه يُعالج بهدوء ) .. "

قال الطبيب مقطباً حاجباه :
" زيارة أسرة المريض له تشعره أن هناك أُناس يحبونه و يهتمون به و ينتظرون عودته.. و هذا يدفعه لتقبل العلاج النفسي .. "

طأطأت رأسي :" أمه و أباه لا يفكرون هكذا .. يعتقدون دائماً أن القسوة هي الحل الأوحد "

أشار بوجهه سلبياً :" تفكيرهما خاطئ جداً .. ذلك سيزيد سوء حالة الطفل النفسية "

سألته :" أأنت الطبيب المشرف على علاجه ..؟!! "

" نعم أنا هــــــو "

" هل لنا أن نتحدث قليلاً في أمره ؟! "

" بالطبـــــــــع .. "

مشيت خلفه متجهة نحو مكتبه .. و الصغيرة ليلى تسألني بين الحين و الآخر :

" أين هو ذلك الشخص ؟!! متى سيظهر ؟!! لقد مللت انتظاره "

" الصبر .. الصبر يا ليلى "

رحب بنا الطبيب في مكتبه فجلست أنا و ليلى على المقاعد ..

و جلس هو على مقعده و خاطبني :

" أرى الطفل له قدرة على التفكير و التخيل و التنبؤ و الاختراع أيضاً ..

طفلكم موهوب .. و لكنه استغل موهبته في غرض خاطئ ..

أرى أنه يحب القتال و العنف و أدوات ذلك كالسكاكين بجميع أحجامها .. "


هززت رأسي :

" نعم .. لاحظت ذلك "

عرض الطبيب أمامي مجموعة من أشرطة الفيديو للأفلام الأجنبية و مسلسلات كرتونية و أفلام مرعبة .. و غيره الكثير ..

و قال مشيراً إلى شريط لفلم مرعب قتالي :

" لقد عرضت على خالد هذه المجموعة و خيرته فيها .. فاختار هذا الشريط .. أي أنه لازال يحب العنف و القتال و الدماء و غيره "

" و كيف ستعالجونه سيدي ؟!! "

" سأرى كيف سأعالجه .. و لكن تبين لي أن لا أحد اهتم به..
أي أنه لا يبد اهتماماً بأهله .. فلا يحدثني عنكم .. أرجوا الاعتناء بهذا الطفل جيداً"

..خاطبني الطبيب مشيراً إلى الباب :

" يمكنكِ رؤيته .. "

نهضت و شكرت الطبيب .. ثم اتجهت نحو مجموعة الغرف باحثة عن غرفة خالد ..

جميع الغرف يصدر منها صراخ و إزعاج .. رباه المرضى النفسيين مجانين حقاً ..

ها أنا أقف أمام غرفة خالد التي لا يصدر منها أي صوت ..

فتحت الباب .. ياه !! الغرفة هادئة جداً .. و نسمات دافئة تداعب الستائر ..
سألتني ليلى :

" أين هو ؟!! "

أخذت أدير عيني على الغرفة باحثة عن سرير أجد عليه مريضي .. ( مريض ) كلمة تناسب خالد و لكنها تشوهه في عيني .. خالد ليس مريضاً .. خالد عبقري و موهوب .. و لكن لا أحد يشعر به (للأسف) .. و لا أحد يفهمه .. تقدمت خطوتين و أنا أبحث عنه .. ألا و تركض ليلى إلى جهة من الغرفة و كأنها وجدت شيئاً .. لحقت بها .. فإذا بي أجد سريراً أبيضاً يحمل فوقه خالد المتكوم على نفسه .. أنه نائم بهدوء .. لا !! ليس بهدوء ..
يقبض بأصابعه الوسادة التي يكاد تمزيقها ..

حتى لو كنت نائم تهوى القتل ؟!!

أني أجدك غريباً عجيباً و رهيباً .. اقتربت منه و مسحت شعره و جسده بلطف و خاطبت ليلى بهمس :

" هذا هو الشخص يا ليلى .. مـ... "

قفزت هي فوق السرير .. و قربت وجهها لوجه خالد .. و خاطبتني بصوتٍ عالٍ :

" أنه رائع .. من هو ؟!! و ما اسمه ؟!! "

كان صوتها كفيلاً بإيقاظ خالد .. فتح عينيه بهدوء .. و نظر إلى الطفلة .. ثم نظر إلي مقطباً حاجباه ..

و بصوتٍ جاف و هادئ خاطبني :" لمَ أتيتِ ؟!! "

يا إلهي لقد اشتقت إلى نظرته تلك .. و همساته النادرة .. اشتقت له .. و لكن لحظة ..

من الغلط أن أكافئه على قتله بعطفي و حناني .. قد يظن الأمر سهلاً ..

حسناً !! يجب أن يكون قلبي جامداً قليلاً ..اقتربت منه .. و جلست بقرب ساقيه المتمددتان.. و رمقته بنظرة حادة .. :

" أتحسب أن ما قمت به أمر يُنسى بسرعة ؟!! "

أدار رأسه نحو الطفلة .. يتجاهلني إذاً ؟!!.. صرخت به :

" لا أظنك مجنوناً لتفعل ما فعلت .. كنت أظن أن عقلك أكبر من عقول الكبار كلها و لكني اكتشفت أخيراً .. أن عقلك أصغر عقل هذه الطفلة المسكينة .. لمَ فعلت ذلك ؟"

لم يتجاهلني بهذا الشكل ؟!! أنا سأموت قهراً .. و هو لا يبالي بمن حوله ..

حدقت به بغضب شديد و هو لا يعيرني اهتمام حتى و لو بنظرة .. فكان يحملق بالطفلة بنظرته تلك ..

أخذت أناديه بهدوء ..لعل الهدوء ينفع معه .. و لكنه تجاهل نداءاتي كما توقعت ..

زاد غضبي .. فصرخت بصوتٍ عال .. و كأني مجنونة .. فزعت الطفلة .. و صوّب هو نظراته الحادة نحوي .. كانت كالسهام حقاً ..

أظن أني جننت .. لمَ أصرخ بهذا الشكل .. لكي ألفت نظره ..؟!!يا لي من مجنونة ..

" لمَ الصراخ ؟! "

سألني !! .. بغضب ..

و الطفلة تحملق بي باستغراب ..

أجبته :

" لتشعر بي يا فتى "

نكس رأسه .. ثم عاد يسند ظهره على الوسادتين التين خلفه ..

يتنهد .. بملل .. و ضيق .. ثم رمقني بنظرة ناعسة رمادية كئيبة ..

سبق و رأيتها من قبل .. أطلقت على خالد لقب الغامض و الغريب و اللا مبالي .. و لكن هناك لقب جديد يناسب خالد... " الكئيب "..

أحياناً تمتزج نظرة كئيبة بنظراته الغريبة تلك ..

أرى في عينيه حرمان .. وجع .. أنه إنسان لديه قلب يشعر كما نشعر نحن .. و ليس كما يظن الجميع ..

هنا بقيت أحملق به و هو يحملق بي بصمتٍ شديد ..

أتأمل تلك العينان الناعستان الرماديتان .. ذاك الوجه الشاحب الحزين ..

حاجبان كانا يعنيان لي قوته .. و لكني الآن أراه ضعيفاً جداً ..و صوته .. الثمين ..

الذي لا نسمعه إلا نادراً .. صوت جاف جداً .. و لكنه رائع ..

تأملت فيه كل شيء و كأني للمرة الأولى أراه فيها ..

و هو يحملق بي تارة .. و يغمض عينيه تارة .مرهق و تعب جداً .. قطعت أنا ذلك الصمت متنهدة :

" أيعجبك وجودك هنا ؟!! "

أعاد بناظريه تجاهي .. حملق بنظرته الغريبة .. و بزفرة عميقة أجابني :

" نعم .. أنه يريحني ..من كل شيء "

" خالد .. سمعت من عادل أنه يمكنك زيارتنا في المنزل .. و لكن بإذن الطبيب .. ما رأيك أن.. "

و ما كدت أن أكمل جملتي .. حتى رفع يده مقاطعاً إياي .. همس :

" هنا منزلي !! "

حملقت به طويلاً بأسى و حـزن .. و رأفة بحالته هذه ..

ثم أشرت إلى الطفلة مغيّرة محور الحديث .. و قلت بابتسامة :

" خالد .. جئت بهذه الطفلة لتراها .. أحببتها كثيراً .. و أنا متأكدة أنك ستحبها أيضاً .. "

أدار برأسه نحو الطفلة .. حملق بها مقطباً حاجباه .. و نظر إلي و قال :" من هذه .. أهي ابنتكِ ؟! "

ربـاه .. طعنة ما بعدها طعنة ..!! أنا لا أنجب أطفالاً خالد ..

ألا تعرف ذلك ؟!! لماذا تسألوني هذا السؤال مراراً و تكراراً ,,

أدور الأم يناسبني لهذه الدرجة ؟!! أم أنكم تنوون قتلي بكلماتكم الجارحة هذه ؟!!

نكست رأسي و بلعت صرختي .. و أعدت النظر لخالد الذي ينتظر إجابتي ..

همست ..:" لا .. أنا لا أنجب أطفالاً .. ألا تعلم ذلك ؟!! أنا لست متزوجة .. ألا تعلم ذلك ؟!! "

حملق بي .. ثم نكس رأسه .. و كأنه شعر بي .. بحزني و أساي .. ،، بتحسري على ما حرمت منه ..

ثم أدار برأسه نحو الطفلة و سألها ..:" من أنتِ ؟!! "

ضحكت الطفلة .. أمسكت ذراعه بمرح .. :

" ليلى .. أسمي .. أنا .. ليلى .."

تضحك .. و تسحب اللحاف .. و تقبض بأصابعها على ذراعه ..،ـ

ربـاه .. ليلى .. كفاكِ تدللاً .. خالد ليس أخاك ماجد الذي يتحملكِ و يتحمل دلالكِ. .

من تجلسين بقربه .. هو أعظم طفل رأيته على وجه الكرة الأرضيـة ..

و بنظرته الحادة تلك .. سوف يحطم كل خلية في جسدك هذا ..

ابتسمت أنا و خاطبت ليلى :" كفاكِ ليلى .. "

كان هو يحملق بالطفلة باشمئزاز .. و بنظرة غضب حادة جداً .. هو يزيد غضباً و اشتعالاً .. و هي تزيد دلالاً..

نهضت أنا و اقتربت من الطفلة حملتها بلطف و خاطبته :" أنها ابنة خالتك هناء .. ألا تعرفها ؟!! "

حملق هو بالطفلة و قال :"بلى .. "

نظرت للطفلة أنا .. هي معجبة جداً بخالد .. تحاول أن تتحرر في ذراعي و تقذف بنفسها على السرير .. فتركها و عدت إلى مقعدي ..

و هنا عادت هي بلهفة إلى مكانها .. فوق السرير .. بقرب خالد .. أمسكت بذراعه مجدداً .. يبدو أنها فضلّته على بقية الفتيان المدللون ..

همست هي في أذنـه :" ما أسمك.. أنت ؟! َ "

نظر إليها باحتقار شديد .. ثم نظر إلي يتجاهلها ..

أنا لا أفهم !!

لمَ يتجاهل من يهتم به ؟!! لمَ لا يهمه أمر أي شخص في هذه الدنيـا ؟!!

و لكني لازلت أرى في عينيه تلك النظرة الكئيبة .. اقتربت منه و سألته :

" خالد !! ماذا دهاك ؟!! لم كل هذه التعاسة ؟!! لم أنت حزين هكذا ؟!! "

أخد يرنو إلي بنظرة طويـــلة .. ثم نكس رأسه و خاطبني بهمس :

" متى سوف سأسافر أنا ؟!! "

سفـر ؟!! من تحدث عن السفر الآن ؟!!

أردفت مستغربة :" أي سفر ؟!! خالد .. أنت ستسافر ؟! "

رفع رأسه و حملق بي .. أجاب :

" ألا تعلميـن ؟! أبي قال أنه سيرسلني لعيادة أخرى في بلد آخر .. لأعالج فيها لمدة خمس سنوات .. و عندما أنتهي من العلاج سوف أبقى هناك فترة عشر سنوات إضافية .. أي سيكون المجموع .. خمسة عشر سنة .. كلها سأقضيها غربة خارج البلاد .. بعيداً عنكم "

فجعت قلبي !! خـالد ..

شموخ انسانه
27-03-2006, 02:03 PM
ولد خطيييييييييييييييير

يسلمووو عذووب

بنتظاار بااقي الاجزاء

يعطيك الله العافيه

لاعدمنااك

شمووخ انساانه

الغزال العنيد
28-03-2006, 07:43 AM
مب بس خطير
هذا اخطر عن الخطير

نتريا التكمله

عذووب
28-03-2006, 07:45 AM
معركة !! عنيفة !! .. لأجلك !!

كان ما قاله صدمـة لا تصدّق .. أيعقل أن عادل كان يخطط لذلك بدون استشارتي ؟!!

كأني في دوامة من علامات الاستفهام .. كيف ؟ لماذا ؟ أخبروني ...!!!

انفجرت غضباً و غيظاً .. و سحبت الصغيرة خارجة من المشفى .. صعدت السيارة و قدتها بسرعة فائقة ..

و ما إن وصلت .. حتى نزلت من السيارة راكضة نحو المنزل و خلفي تركض الصغيرة ..

قرعت الجرس .. ففتح الأطفال الباب .. فاندفعت للداخل و سألتهم :" أين عادل ؟!! "

ها هي غيداء تطل من الصالة قائلة :" لم يأتِ بعد من عمله .. ما الخطب ؟!! "

بقهر أجبتها :

" أظنك على عِلم بما سأقوله الآن .. لماذا أنا آخر العالمين بالأخبار المفجعة هذه ؟!! لماذا تفعلون بخالد هذا ؟!! "

وجدت في عينيها استغرابا و دهشة .. حيث اقتربت مني و خاطبتني ..:

" ذكرى .. ما به خالد ؟!! ما بكِ أنت ؟!!و ما به عادل ؟!! أجيبيني "

" أخبرني خالد أنه سيسافر إلى بلد آخر ليعالج في عيادة أخرى .. لمدة خمسة عشر سنة .. "

ابتسمت :" أعلم عن هذا "

حملقت بها بغضب .. :" كنت أظنك ستحزنين لأمر ابنكِ .. ابنكِ الذي سيسافر عنكِ لمدة خمسة عشر سنة .. أي سيكون عمره عندما يعود .. خمسة و عشرون سنة .. "

و ابتسمت هي بخبث :" و قد لا يعود .. "

صرخت بها :" كفاكِ .. كفاكِ "

" تعودت أنا على فراقه .. فذلك الأمر لا يؤثر بي .. فليذهب هو و جرائمه إلى الجحيم "

صرخت :" أوه .. كفى غيداء .. أنه ابنكِ "

و بكل قسوة تردف:" أي ابن تقصدين؟! ابن مريض ملوث عقلياً .. مجرم .. قاتل .. بلا مشاعر و لا أحاسيس "

صرخت بكل قوتي :" لا .. غيداء لا تكوني قاسية هكذا .. أنه ابنكِ .. أنه يحتاجك .. أنه يحتاج حنانك و عطفك"

استدارت باسمـة .. و اتجهت نحو أحد المقاعد الصالة .. و جلست ..

و ألقت نظرة على الأطفال الذين اندفعوا خارج المنزل ليلعبوا في الحديقة .. و بعد خروجهم خاطبتني :

"لقد أوهمت الأطفال .. أن .. "

صمتت و كأنها تريد اختيار الكلمات المناسبة .. اقتربت منها و همست :" أكملي .. "

حملقت بي :" سأخبرك .. بشرط أن لا تغضبي "

بحماس أردفت :" هيا .. قولي ما لديك "

" ممم .. لقد أخبرتهم بأن خالد قـد ... .. "

" ماذا ؟!! خالد ماذا ؟!! أكملــي بسرعــة "

" لا تغضبي "

" لـن أغضب .. لن أغضب .. فقط تكلمي "

نكست رأسها باسمة :" أخبرتهم أنه ... .. "

" ماذا ؟!! "

رفعت رأسها و ملامح الجد ارتسمت على وجهها و بكل ثقة و جرأة تقول :

" مـــــــــات "

===========================================

" مــات ..!! "

صُدمــت .. اصفر لوني و انعقد لساني .. حملقت بها بعينان تكادا تخرجان من محجريهما ..

تسمرت لبرهـة .. توقفت أنفاسي .. بل توقفت كل التيارات الهوائية .. و توقف قلبي عن ضخ الدم ..

و توقفت رأيتاي عن سحب الأكسجين .. بل حبست الثاني أكسيد الكربون دون إخراجه ..

و غيداء تصلبت ملامحها .. و هي تنظر إلي بوجل ..

تجمدت تلك الابتسامة الخبيثة حتى انكسرت .. و حلت مكانها ملامح القلق ..

و أخيراً .. تدافعت كمية كبيرة من الهواء داخل جسدي .. أخذت أتنفس بعنف ..

و تدافع الدم إلى الشرايين و الأوردة في جسدي ..

من أطراف قدمي إلى قمة رأسي .. و حينها احمر وجهي غضباً ..

زدت شراسة و عنف ..

و كأني أسد جائع .. اندفعت نحوها ..

لا شعوريا ..

هاجمتها و وجدت خصلات شعرها تجذبني لشدها .. و جسدها الممتلئ يجرني لتحطيمه ..

في دقائق .. بل ثوان ,, بل لحظات .. شعرت إني قضيت عليها ..

بعدما غابت صرخاتها عن مسمعاي ..

و لكني كنت مخطئة .. ألا و أجدها تقف أمامي تحمل وسادتين ..

دم يسيل من فمها .. و شعرها منشور ..

و غضب و خوف و وجل .. كل تلك الملامح على وجهها ..

و الآن ..

!!

تهاجمني بالوسادتين ..

و أنا أهاجمها بذراعي ..

و هنا ..

يبدأ الصراع العنيف ..

حولنا تقف الخادمات مذهولات .. مترددات ..

و تسود الصالة صمت غريب ..

و هجوم من كلا الطرفين ..

ركل منها .. و صفع مني ..

تخدشني .. فأشوهها ..

تدفعني .. فأرطمها بالجدار ..

كنا كلبؤتين عنيفتين .. شرستين .. مجنونتين .. متوحشتين ..

لا شيء يوقفنا .. إلا الأسـد ..

نعم ..

أنه الأسـد الكبير ..

==============================================

هنا .. عادت إلينا الإنسانية .. و الخجل .. و الندم .. و العقل ..

بعد أن وقف عادل يحملق بنا بدهشة لا توصف ...

أقف أنا أمامها منكسة الرأس و هي كذلك أيضاً ..

صُدم عادل ..

" أخبروني .. ما الذي حدث "

حسنـاً .. لا شيء يمنعنا من إخباره ..

--
كنت أنا و غيداء رمز النعومة و الهدوء ..

و لا أحد كان يتوقع من منا ( الضرب أو حتى النطق بكلمات جارحة )..

حســناً .. لست نادمة .. كل ذلك لأجل .. لأجل خالد ..

لأنه لم يمت ..

و كيف توهم غيداء الأطفال أنه مات و رحل ..؟!!

بررت غيداء أنها لم تريد أن يتعلق الأطفال به ..

لأنه سيسافر .. فلم تجد حل غير أن تكذب كذبتها البشعة هذه ..

و هنا عادل وافقها الرأي . فجننت .. و حقدت على الاثنان ..

قبل أن يكتمل تحقيق " عادل " في أمر المشاحنة هذه ..

انطلقت نحو غرفتي .. و هناك بكيت بكاءاً مريراً .. على الصغير المسكين ..

خـــــــالـــد .. الذي لا يعلم ما الذي تفعله أمه ..

أريد رأيكم أنتم .. يا قراء هذه القصة ..

أليس مسكيناً ؟!! أليس مظلوماً ؟!! أليس محروماً ؟!!

ضممت إلى صدري صورته .. و قبلتها بحرارة ..

عزيزي.. لن تبتعد عن عيني ..

لن أدعهم يفرقون بينك و بين وطنك حتى ..

حسنـاً .. أنا أعرف أنك لن تصدق أني شرسة لهذا الحد .. و لكن ذلك دفاعاً عنك .. أيرضيك أن يدّعونك بالميت و أنت على قيد الحياة ؟!!

أنا آسفة .. فقد خدشت وجه أمك الجميل .. فعلاً فهو جميل .. و لكن وجهك أجمل..

أتعلم ؟!! لقد اكتشفت إني أقوى منها .. رغم أني أرشق منها و أصغر منها بأربع سنين ..

و لكنها أيضاً آلمتني .. و على كل هذا .. يدافع أباك عنها ..

و لا يكترث بما قالته عنك ..

ترى هل سيهمك ما جرى اليوم ؟!! لو أخبرتك ..

و لكن ..

متى سألاقيك لأخبرك ؟!

( بني و صغيري )

==

في صباح اليوم ... نهضت من سريري متجهة مرآتي .. أتفحص هذه الخدوش ..

يال طول ظفرك يا غيداء .. لقد شوّهتِ وجهي ..

رفعت ظفري .. أنا أيضاً شوهتُ وجهك بأظافري الطويلة ..

آه .. هل يستوجب علي الذهاب لعملي ؟!!

أنا تعبة نفسياً و جسدياً .. و هناك شيء آخر .. أنا لا أريد الذهاب للعمل بوجه مشوه ..

على الأقل سأنتظر إلى أن تبرأ الجروح قليلاً .. أبدو و كأني مشردة ..

يال السخف .. معركة عنيفة .. لأجل طفل ..!!

و لكنه يستحق مني دفاعاً ..

أنه ابني .. من حقي أن أعتبره ابني .. فأمه لا تعترف به ..

حاولت العبث بأحد الجروح .. إلا أني آلمت نفسي .. :" آه .. آه .. رباه .. مؤلم "

هنا فتح باب الغرفة .. وأنا ألتقط المرهم بغضب .. :" اللعنــة "

و عبر المرآة أرى سمية تدخل مرتدية ملابسها الخاصة بالمدرسة ..

تقترب مني ضاحكة .. تسخر من وجهي :" ههه .. تبدين كالوحش "

استدرت لها غاضبة .. فقالت هي :" ذكرى .. ما سبب خلافك مع غيداء ؟!! "

" لا شأن لكِ "

مالت بجسدها علي .. :" أوه .. ذكرى .. أخبريني .. ألست أختكِ ؟! "

" لا ! "

" ذكرى .. أخبريني "

" ابتعدي ! "

أخذت أضع المرهم على جرحي بخفة صبعي .. و أنا أحادث سمية التي تحوم في الغرفة و تتفحص كل شيء ..

تلك أختي .. عادتها التطفل و الفضول ..

صرخت بها :" هيه .. أنتِ .. أليس من العيب أن تفتشي في حاجات أختكِ الكبرى هكذا .. ؟!! "

التفت إليها .. كانت واقفة أمام المكتبة .. تمسك بورقة .. و تقول بوجل و رعب :

" أليس .. أليس هذا هو .. المرحوم خالد "

أوه .. لا

دكتورة الحب
28-03-2006, 06:31 PM
مشكورة عيبتني القصة بس اباج تسوين فيها اكشن

عذووب
29-03-2006, 07:36 AM
الغروب الأخير

هي كانت تمعن النظر في صورته .. بخوف و وجل ..

ثم أدارت رأسها نحوي و ملامح الخوف بادية على وجهها .. خاطبتني ..

" أليس .. أليس .. هذا هو .. المرحوم (( خــالـــد )) ؟!! "

تصلبت ملامحها الطفولية .. و صوبت نظرة جامدة نحوي ..

أي مرحوم ..؟!! أي مرحوم سمية ؟؟!! .. خالد لم يمــت ..

اقتربت منها بحزن ..ماسحة المرهم الذي على صبعتي .. سحبت من يدها الصورة ..

قبلتها بحرارة .. و مسحتها .. !!

أأقول لها أنه لم يمت ؟!! ... بالتــأكيد لن تصدقني ..

اقتربت منها .. مسحت شعرها القصير .. و أنحيت جسدي و ضممتها بحرارة ..

و هنا بدأت دوامة الدموع اللانهائية..

هربت سمية من ذراعي اللتان كادتا تحطيمها ..

حسـنُ .. سأحفظ أسمك وحيدة .. أنا سأحفظ أنك لازلتِ حيــاً ..

++

على مائدة الغداء .. يتناول الجميع طعامه ..

عدا عادل الذي كان يحاول تثبيت الشاش على جبين زوجته لإيقاف النزف ..

أيقصد إثارة غيظي ..؟!! و أنا أيضاً .. أعاني خدوشاً أغزر ..

و لكني لا أراه يداويني أنا الأخرى ..

آه .. أنها زوجته .. و بالتأكيد سيخاف عليها أكثر مني ..

زدت غيظاً و تركت الطعام ..فاستوقفني عادل :" ذكرى .. ما الأمر "

و تسأل ؟!!

آه .. يبدو أنني أصبحت أغار حتى من غيداء .. و فقدت مرحي و مداعبتي للأطفال ..

أظل عبوسـة الوجه دائماً ..لأن عبوس الوجه ليس هنا .. يجب أن أحل محله ..!!

تذكرته .. فسألت عادل .. الذي كان يستغرب تصرفاتي .. :

" عادل .. ماذا عن خالد .. ستظل تمنعني من زيارتـه .. "

ابتسم :" كنت سأطرح هذا الموضوع للتو .. عزيزتي .. غداً سأذهب أنا معكِ لتوديع خالد .. "

صُدمــت .. صرخــت !! ..: " ماذا !! بهذه السرعــة ؟!! "

تلاشت ابتسامته و قال مستغرباً ..:" إذاً إلى متى تريدينه أن يبقى أسير غرفة ملوثة برائحة المشفى "

" و إن سافر .. سيظل أسمه " مريض نفسياً " .. و سوف يعالج في غرفة مشفى "

تنهــد :" أريد إبعاده عن أطفالنا .. أريده أن يعالج بهدوء .. أريده أن يبتعد عن حنانك الزائد و حقد مازن "

صرخت و أنا أصم آذاني ..:

" لا .. آه .. عادل لا تحرمني من رؤيته ..

عادل .. أنت لا تعلم أي شعور رائع يجتاحني عند رؤيته ..

أنسى أني مطلقة .. أنسى أني لا أنجب عيالاً .. أنسى هموم قلبي ..

أنا أحن عليه .. لأنه في أمس الحاجة إلى الحنان .. "

و نظرت إلى غيداء بأسى :" إذ كان حُرم من حنان الأم .. فدعوه يتمتع بحنان عمتــه .. "
++

تنهدت بحزن كبير .. و نهضت من كرسيي .. غيداء منكسة رأسها .. و عادل كذلك ..

و الأطفال في حيرة من أمرهم ..

انطلقت نحو غرفتي ،، رميت بجسدي على سريري .. تنهدت بعمق ..

آه .. أريد التنفس .. أنا مخنوقة .. أين الهواء .. لا أشعر به ..

لمحت صورته الرائعة على مكتبي .. آه ... أنت لا تعلم ماذا يجري بي عند رؤية صورتك هذه ..

أشعر بالألم .. أشعر بالأسى .. عليك .. آه .. أي قلبٍ لا يشفق عليك ..

آه .. هل أخبروك متى ستسافر ؟!! .. غداً .. غداً يا صغيري .. سوف يبدأ فراقنا الطويل ..

++

عندما بدأت الشمس بالمغيب .. لازلت على سريري أحملق بصورته .. من بين يدي ..

الغرفة هادئة .. صمت موحش يملئ الغرفة ..

و يقطع هذا الصمت كلمات أخي عادل :

" أوه .. ذكرى .. لا .. لا تبكي "

ربما سالت من عيني دموعاً .. و أنا لا أشعــر ..

أغلق من ورائه الباب .. و اقترب مني .. جلس على السرير أمامي ..

حملق بي .. و أنا أحضن صورة ابنه من بين يدي بحرارة ..

" أتعلمين !! أنت حساسة و حنونة جداً .. "

عندما لم يرى مني تجاوباً .. أكمل :

" ذلك جيد .. و لكن أنتِ تبالغين .. أنه ليس ابنكِ .. ثم ما الذي تريدينه من فتى مريض مجرم و ... "

صرخت به قاطعة جمودي :" كفاك عادل .. ليس من حقك أن تقول ذلك عن خالد .. "

تنهد هو :" أشعر بك .. شفقة مريرة .. و لكني سأدعه يسافر لكي يعالج .. "

عضضتُ على شفتي بغضب جامح .. فأكمل هو :

" سوف يسافر مع صديقي السيد أبا سامر .. لا تقلقي بشأنه "

" و لماذا ستبقيه هناك مدة عشر سنوات إضافية ؟!! "

" كما قلت لكِ ..... ... "

" تريد إبعاده عن الأطفال ..

تريده أن يعالج بهدوء ..

تريده أن يبتعد عن حناني الزائد و حقد مازن ..

أعلم ، أعلم "

نظر إلي بأسى .. ثم نظر إلى صورة ابنه .. اقترب أكثر .. و قال بدهشة :

" أأنت من صورتِه ؟!! "

" لا .. وجدتها بين كتبه "

مد يده .. لسحب الصورة من يدي ..

شددت على الصورة .. خبأتها في حجري ..

لا أريده أن يأخذ مني حتى ذكرى خالد ..

أخذ هو يحملق بي باستغراب و بأسى ..

خبأت الصورة في أحد الأدراج في الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير ،،

و عدت أسند ظهري على الوسادة التي خلفي ..

نهض عادل .. متنهداً .. :" خالد سيسافر رغم كل شيء "

و خرج من الغرفة .. موصداً من خلفه الباب ..

حسنــاً ..! أظن أن الأمر انتهى .. و لا مجال للمناقشة في سفر خالد ..

خالد سيسافر !! علي تفهم ذلك .. و تقبل فكرة .. أني لن أراه إلا بعد خمسة عشر سنة ..

و كما تقول غيداء .. و قد لا أراه بعدهــا ..

آه .. يال قسوة الزمـــن ..!

--

في صباح اليوم التالي .. لم أهنأ بالنوم .. فأحدهم يهزني و يصرخ :" ذكرى .. ذكرى .. كفاك نوماً .. "

فتحت عيني بهدوء لأراه متجهزاً للخروج من المنزل ..

صرخ بي :"ذكرى !! هل نسيتِ خالد ؟!! سوف يسافر اليوم "

هنا حملقت به و كدت أن أبكي .. همسـت :" آه عادل .. لا تعذبني بكلمة " سفر ".. "

تنهد بملل .. ثم هزني مرة أخرى :" هيا .. انهضي .. لقد تأخرنا .. "

نهضت بتقاعس و ملل جامح .. وقفت أمام مرآة الحمام لأغسل وجهي ..

و لكن .. هالات سوداء برزت تحت عيني .. بسبب قلة نومي .. و كثرة بكائي و نحيبي ..

رباه !!

غسلت وجهي بسرعة .. و أديت صلاتي ..

ثم ارتديت عباءتي و خرجت من غرفتي لأجد غيداء و عادل يتجادلان :

" لن أذهب "

" بل ستذهبين .. "

اقتربت منهما مستغربة :" ما الأمـر ؟! "

أجابني عادل بغضب :" لا تريد الذهاب معنا .. "

و صرخت غيداء :" ليس من حقك أن تجبرني "

تنهدت بعمق .. و اتجهت نحو الباب الرئيسي للبيت .. و استدرت مخاطبة عادل :

" هيا بنا .. "

استغرب عادل لأني لم أعاتب غيداء كالمعتاد .. بصراحة ليس لدي القدرة لذلك ..لقد يئست ذلك ..

.. خرجت من المنزل حاملة حقيبتي .. صعدت السيارة و أخذت أضبط خماري و أنا أنظر لنفسي عبر مرآة السيارة ..

و عندما تأكدت من أني أحكمت الخمار جيداً .. أسندت رأسي على الكرسي .. و بقيت أنتظر عادل ..

و هنا .. استرجعت كل كلمة نطق بها خالد و كل نظرة رمقني بها خالد .. و كل جريمة فعلها خالد ..

سال من عيني دمعة حرقــة .. و تبخرت من حرارة وجهي .. حرارة غيظي ..

من عادل ، و من غيداء .. و من الجميع .. و من كل شخص يعتقد أن خالد مريض و مجرم ..

ترى لماذا لا يبد خالد غضباً من موضوع الرحيل هذا ؟!! أيخفي غيظه عنا ؟!! أم أنه لا يبالي في هذا الموضوع أصلاً ,,...

ها هو عادل يصعد السيارة .. و يحادثني على بعض أمور عمله .. كنت مشغولة البال .. و لم أكن أركز معه ..

و عندما شغّل السيارة .. رن هاتفي الخلوي .. من يتصل بي الآن ؟!

أخرجت الهاتف من حقيبتي .. و ضغطت الزر ليجيب الطرف الآخر :

" ذِكرى "

صوت مألوف جداً .. صوت غيداء .. ما الذي تريده ؟!!

" غيداء ؟!! ما بكِ ؟!! ماذا هناك ؟‍! "

صمتت قليلاً .. ثم أجابت بحشرجة :

" هل لي أن أذهب معكم ؟!! "







أسندت رأسي على الكرسي بعد تلك المكالمة.. فسألني عادل :
" ما بها غيداء "

" تريد أن ننتظرها قليلاً .. تريد المجيء معنا "

" ماذا قلتِ لها "

" قلت لها .. حسنٌ .. تجهزي و نحن بانتظاركِ .."

ثم استدرت لعادل و سألت بحيرة :" ما الذي غيّـر رأيها يا ترى ؟! "

" لا أعلم .. ربما شعرت بالحنين إلى خالد .. كما تعلمين فهي لم تره منذ فترة طويلة جداً "

صمتت بذهول .. ثم قلت :" أوه لا .. هذا تطور كبير من غيداء .. إذ شعرت بالحنين إلى ابنها .."

و أخذت أصفق بجنون .. و عادل يبتسم .. و ها هو الباب الخلفي يفتـح ..و تدخل غيداء و تجلس في المقعد الخلفي ..

استدرت بابتسامة خبيثة و خاطبتها ..:" غيداء "

كانت هي ترتب خمارها و تجيبني :" نعم "

غمزت لها :" ماذا جرى لك اليوم .. أتريدين الذهاب معنا حقاً ؟؟!!! "

و نظرت إلى عادل الذي خفض رأسه ينتظر جواب زوجته مبتسماً .. و عدت أنظر إلى غيداء التي قالت بكل بساطة :

" نعم "

" لعلك لا تعلمين إلى أين سنذهب "

" بلى أعلم .. ستودعون خالد "

" و هل تجرئين على رؤيته .. ؟! أنت تخافينه "

" لا يوجد أم تخاف ابنها "

شهقت " واو .. و تدعينه بابنكِ أيضاً .. لا أصدق أنك غيداء "

خفضت غيداء رأسها هروباً مني .. و صرخت بزوجها :" هيا عادل .. ما الذي تنتظره .. انطلق "

:::::

خيم الحزن و الصمت السيارة .. و أخذ عادل يهذي ببعض كلمات غير مفهومة .. أما غيداء ..

تسند رأسها و توشك على النوم ..

توقفت السيارة بقرب العيادة النفسية .. فنزلنا متجهين نحوها ..

يقول عادل أن صديقه أبا سامر يساعد خالد في تجهيز حاجاته ..

صعدنا جميعاً السلالم .. عادل يمشي في المقدمة .. و أنا و غيداء خلفه ..متجهين نحو غرفة خالد ...

و عندما مررنا بالغرف .. فزعت غيداء لسماعها صرخات المرضى تلك ..

وقفنا نحن الثلاثة أما تلك الغرفة .. لم تكن مغلقة .. فكانت أصوات الممرضات و السيد أبا سامر تُسمع ..

دخلت أنا الأولى .. خالد يجلس فوق سريره ليس بملابس المرضى تلك .. و إنما كان متجهزاً للسفر ..

و بقربه يجلس السيد أبا سامر .. و الممرضات يجهزن حاجاته في تلك الحقيبة .. ( كمساعدة )

اقتربت أنا منه .. سلمت على السيد أبا سامر و جلست فوق السرير أتأمل خالد ..

هو حملق بي .. ثم توجهت أنظاره نحو الباب .. ليرى أباه و أمه ..

بدا مصدوماً لمجيئهما .. فهما لا يهتمان به .. و لا يفكران به ..

هنا رأيت في عيني غيداء صدمة كبرى .. قد وجدت تغييراً كبيراً في خالد ..

همس بأذني :" لمَ أتوا ؟! "

ابتسمت :" لقد اشتاقوا لرؤيتك يا عزيزي "

بدت ملامح الاستنكار على وجهه ..

اقترب عادل و سلّم على صديقه أبا سامر و جلس يحادثه قليلاً ..و لازالت غيداء تخشى الاقتراب ..

هنا يحملق خالد بوالدته طويلاً .. فنهضت أنا متجهة نحوها .. اقتربت منها .. فبدت خائفة جداً ..

همست :" هيه .. غيداء .. ما بكِ "

" أهذا هو خالد ؟!! لقد تغير كثيراً "

" من حيث ماذا "

" ملامحه .. نظراته .. كل شيء "

" صدّقيني خالد لم يعد مريضاً .. لا داعي للخوف "

سحبت يدها بلطف .. فرفضت :" إلى أين تسحبيني ؟ "

" لابنك "

" دعيني هنا أراقبه من بعيد .. و اذهبي أنت له "

تنهدت .. و تركتها كما شاءت .. و اتجهت نحو خالد .. جلست أمامه مشيرة إلى السيد أبا سامر :

" ما رأيك به .. ؟!! هل أنت مرتاح له ؟؟!! "

هزّ رأسه ايجابياً .. ثم قال بهمس :" نعم .. أنه لطيف "

بدا خالد أكثر حيوية من ذي قبل .. يبتسم للممرضات .. يضحك لي دائماً .. و ذلك زادني طمأنينة ..

و لكن غيداء .. ماذا عساها تفكر الآن ..هل لازالت تخاف خالد ؟!!

هنا انتهت الممرضات من تجهيز حاجات خالد في حقيبته .. فسمح لنا الطبيب بالمغادرة ..

قالت إحدى الممرضات باسمة :" كانت أياماً لا تنسى مع خالد .. "

و اقتربت منه تعبث بشعره :" كان عنيداً .. سنشتاق لكِ يا عزيزي "

ابتسم خالد ابتسامة رائعة جداً ..


ابتعدت الممرضات تاركات حقيبة خالد فوق السرير .. و بالمقابل تقترب .. غيداء ..

فاجأتني لجرأتها .. فهي تخاف خالد كثيراً .. تصطنع القسوة .. و لكن مجرد نظرة من عينه تحطمها ..

كانت هي تضع يدها على كتفي وجلاً .. و أصابعها ترتجف خوفاً.. تحملق بابنها بعمق شديد .. تعض على شفتيها بقوة ..

و هو .. لم ينتبه لوجودها أصلاً .. يراقب أباه و السيد أبا سامر و كيفية حديثهما ..

حتى انسحبت هي مدركة مدى خطورة هذا الفتى ..

إلـى متـى ستظل غيداء ضعيفة .. لا تقوى على تحطيم الحواجز التي تحجب ابنها عنها ؟!!

:::::

تمشي غيداء بجانبي تحملق بمن يمشي أمامها باهتمام شديد .. تراقب كيفية مشيه بعمق ..

تراقب حتى أطراف شعره التي تحركها التيارات الهوائية اللطيفة ..

كان عادل يضم خالد بذراعه اليسرى .. و يمشي محادثاً السيد أبا سامر في الجهة اليمنى ..

و تظل نظرات غيداء لا تفارق ذلك الجسد ..

مشينا حتى وصلنا إلى موقع السيارتين .. سيارتنا و سيارة أبا سامر .. هنا هو موقع الوداع الأخير ..

دخل السيد أبا سامر سيارته تاركاً لنا بعض الراحة ..
أمسك عادل بكتفي ابنه .. و بهمس أخذ يحادثه .. مانعاً تسرب أي كلمة إلى مسامعنا ( أنا و غيداء )

تراقبهما غيداء من بعد خمس خطوات تقريباً .. و تهمس في أذني :"يكاد الفضول يقتلني ..! فيما يتحدثان ؟!! "

هنا أرى خالد يهز رأسه ايجابياً .. ترى .. ماذا قال له عادل ؟!! .. أجيب غيداء :" أنا الأخرى لا أعلم "

و هنا يرتفع صوت عادل مخاطباً أبنه :

" و الآن .. سلِم على عمتك و أمـك .. فلن تراهما إلا بعد مدة طويلة جداً .."

يستدير خالد ليواجهنا أنا و غيداء .. تسري رعشة خفية في جسدها .. و أنا أقترب منه بخطوات بطيئة جداً ..

أنحني و أظل أحملق بقسمات وجهه الكئيب باهتمام .. و تعجبني مقلتيه الناعستان الرماديتان ..

ابتسمت و همست به :" سأفتقدك.. عزيزي "

سأفتقد همساتك .. نظراتكِ .. جرائمك .. و عطرك .. و هيئتك .. و برودة أصابعك .. و نعومة رموشك ..

و كل شيء ينتمي إليك ..

مددت يدي و أخذت أعبث بشعره بهدوء .. و أنا أحملق به بعمق .. هو أيضاً ,, يحملق بي ..

أحسست بحرارة تنبعث من وجهي .. و برد قارص ينبعث من وجهه ..

و هنا أحسست بشيء يطفئ نيران وجهي المشتعل .. دمعة تتلو دمعة ..

و هو يراقب دموعي بصمت .. مددت يدي و ضممت يده إلى صدري بلطف ..

و هنا تتفجر سيول .. و براكين .. و أمطار .. و عواصف .. و أمواج .. كلها دموع تعبر عن حرقة ..

طوقته بحرارة .. و أخذت أجهش بالبكاء .. و أشعر بأنفاسه الباردة تخترق وشاحي و تلامس رقبتي ..

و سمعته يهمـس :" و أنا أيضاً .. سأفتقدكِ "


أبعدت عني قليلاً .. لأقلب ملامحه الكئيبة مجدداً .. و أعود لأضمّه بحرارة .. و أمطره قبلاً ..

لم أكـن أعتقد أن فراقه سيكون صعباً هكذا ..

أنا لا أستطيع أن أبعده عن صدري فقط .. فكيف لي تحمل فراقه لمدة خمسة عشر سنة ..؟!!

+++

بعد فترةٍ ليست بقصيرة .. أبعدت ذراعي عنه .. و نهضت و أخذت أدقق النظر به من بعيد ..

و أنا أمسح بقايا الدموع التي تحرق أجفاني ..

أومأ عادل إلى غيداء بالاقتراب من ابنها و توديعه ..

هنا أدار خالد رأسه إلى جهـة أمه .. و هي هناك واقفة .. و العرق يتصبب على جبينها ..

ترتعد خوفاً ,, لا تجرأ على الاقتراب ..

عاد عادل ينادي زوجته :" غيداء .. اقتربي "

و لا حياة لمـن تنادي

" أتسمعينني .. ؟!! غيداء ! "

يركع رأسها .. و تسجد نظراتها ..

" غيداء ! "

صمت .. و خوف .. و رعب .. و وجل ..

هنا يتحرك الجسد الذي أمامي نحوها .. خالد .. أوه ..! لا ..

يقترب منها بخطوات ترعبها أكثر .. يقف أمامها .. و هي تموت خوفاً..

و لا أدري أي حديث دار بينهما .. و أي نظرات بينهما ..

تابع >>>>

الغزال العنيد
03-04-2006, 09:53 AM
حلييييييييييييييييييييلهم :(

عذووب
05-04-2006, 07:53 AM
كنت أتأمل ذكرى كيف كانت غارقة في النحيب من أجل خالد .. كانت كالمجنونة ..

تحضنه بقوة ..دون خوف أو تردد.. لم أكن أتخيل أني سأجبر على فعل ما فعلته هي أيضاً ..

ناداني عادل .. و طلب مني الاقتراب ..

هنا .. ارتعدت خوفاً .. ! وقفت لبرهة صامتة .. لم تناديني يا عادل لهذا الموقف .. ؟!!

و أنت تعلم أني لا أستطيع حتى النظر إليه ..

و مرة أخرى يناديني عادل مصراً على طلبه .. أقصد ( أمره ) ..

تصلبت .. و أنا منكسة الرأس ..

و يعود عادل لمناداتي .. فأصرخ قهراً في داخلي .. كفاك عادل .. أتريد قتلي ..؟!

كنت أدفن نظراتي في الأرض .. ألا و ألمح ظلاً يقترب مني .. عادل .. أتريد سحبي إليه ؟!!

رفعت رأسي بغضب .. و هنا صُعقت .. فلم يكن عادل .. و إنمـا ..

جسد يقف أمامي مباشرة .. بضع خطوات بيني و بينه .. بيني و بين المجرم .. المخيف ..

أقسم أنه تغير .. حتى نظراته بدت ألطف بقليل .. لم يكن كالسابق .. جامد لدرجة مخيفة جداً ..

ارتسمت على شفتيه ابتسامة .. و يا لها من ابتسامة .. لامستها أشعة الشمس ..

" أمـي "

نطـق بهذه الكلمة .. لأجلي .. و كأنه يناديني ..

خفضت عيني .. و بدأ قلبي بالنبض .. لدرجة أنه سمع هذا النبض الفاضح ..

" لم أكـن أتوقع أن أفارقكم لهذه المدة الطويلة .. "

كان صوته جديداً علي ..

ظللت أنا في صمت و خشوع و سجود .. فسمعته :

" أهذا يؤنسـكم ؟! "

كانت نبرة صوته أشبه بالعتاب ..

ظللت في صمت و خوف .. و هو يتأملني ..

حيث سمعت صوته مجدداً :

" كيف حال .. وائل ؟!! "

رفعت بصري نحوه .. لم ينطق باسم وائل بسهولة .. كان يضيّق فتحة عينه .. يتعذب كثيراً ؟!!

بل يغار كثيراً .. بل يحقد و يكره وائل كثيراً .. مسكين ابني وائل .. سوف يرتاح من حقد هذا المجرم أخيراً ..

همست بغيظ :" لا شأن لك بابني "

حملق بي بعمق .. ثم خفض عينيه .. ثم عاد ينظر لي ..

ماذا ينتظر هذا المخلوق ؟!! أضمه ..؟!! أقبلـه ؟!! أنه يحلم ..

أني لا أجرأ .. بل لا أريد .. هو لا يستحق مني كلمة " وداعاً.. "

خلع هو ساعته .. و قدمها نحوي .. نظرت للساعة و سمعته يقول :" أنها مجرد ذكرى .. لتذكريني دائماً "

لأذكر أن لي ابناً مجرماً .. ؟! لأذكر أن لي ابناً مريضاً ؟!

ظلت يده ممدودة نحوي حاملة الساعة .. أيريد مني الاحتفاظ بها ؟!! أو لبسها على يدي ؟!!

لا .. لـن أحتفظ بشيء أنت تملكـه .. فأنت مخيف و أشياؤك كلها تثير الريبة ..

دفعت بيدي الساعة رافضةً بشدة .. و همست مشيحة وجهي عنه :

" أعطها لذكرى .. أنا لن أحتفظ بشيء منك أنت "

و قلبي يرتعد خوفاً ..

نظر إلي .. كانت يحملق بي بأسى و حزن شديد .. خبأ الساعة في جيبه ..

و ظل واقفاً ينظر إلي .. شعرت بخوف .. و رعب ..

صرخت به :" ماذا تريد أيضاً ؟! .. انصرف و أتركني أعيش حياتي .. "

أخذ يطيل النظر إلي بنظرته تلك.. ثم قال :" إذاً .. أوصلي سلامي لوائل "

" أوه .. أعذرني .. لن أستطيع فعل ذلك "

قال مستغرباً :" لمَ ؟!! "

" آه .. لقد أوهمت وائل أنكَ .. أنكَ.. مت "

=

اتسعت حدقتا عينيه .. لقد انصدم حقاً .. لم يسألني عن السبب ..

كان صامتاً يحملق بي .. و الذي زاد من سرعة نبض قلبي .. نظراته لي ..

لمعت عيناه .. و كأن دموعاً توشك على الهطول ..

استدار .. و اتجه نحو عادل و ذكرى بخطوات بطيئة جداً .. منكس الرأس ..

فجأة .. أدار رأسه إلي .. و رمقني بنظرة لا يمكنني تفسيرها ..

و عاد يمشي ببطء نحو الاثنان ..

==

كان على خالد توديع أبـاه .. و لكنه أسرع إلى سيارة السيد أبا سامر .. و صعدها و أغلق من خلفه الباب .. تكوم على نفسه .. أخفى رأسه بين ركبتيه .. و غلّف نفسه بذراعيه ..
استغربت ذكرى .. فضربت النافذة طالبة منه فتح الباب .. و السيد ( صديق زوجي ) شديد الاستغراب من تصرف خالد .. أيمكـن أنه تأثر من كلماتي له .. أيمكن أني كنت قاسية معه ...؟!!
اقترب عادل مني و هزّني بعنف بذراعيه .. صرخ بوجهي :" ماذا قلتِ لـه "
" أخبرته بأنه مات في قلوبنا .. لم يعد هنا شخص أسمه خالد في حياتنا .. هو مات .. مات .. مات "
رمقني بنظرة غضب كبير ..همس بغيظ :" أنت تقتلينه بكلماتكِ هذه .. "
و دفعني بقوة .. و عاد متجهاً نحو السيارة .. سيارة السيد أبا سامر ..
فتح خالد باب السيارة تاركاً لذكرى المجال للاطمئنان عليه ..

كانت وجنتاه شديدة الاحمرار .. و وجهه يشتعل و يشتعل بنيران الغيظ ..
أمسكت ذكرى بكتفه .. و مسحت شعره .. و بدأت في دوامة بكاء لا نهائية .. ألا تمل هذه المرأة ؟!!
هي تظن أنه غاضب من والده الذي يرغمه على السفر و الفراق .. و لكنه غاضب مني .. رباه ..
لـن أقترب أكثر .. عيناه تشتعل نيراناً .. أنه يشتعل غيظاً .. و كأنه بركان يوشك على الانفجار ..
ربــاه .. علي الانسحاب .. ماذا فعلتُ ؟!!

أنـه .. أنه ابني رغم كل شيء ..

لماذا أطعن أبني ؟!!

آه سوف أجـن ..
.===.
أقلقني أمر خالد .. فبدا حزيناً لدرجة كبيرة .. مليئاً بالغضب لدرجة لا تتصور ..

سألته ماسحة شعره :" ما بك .. أهناك شيء ؟!! "

ينكس رأسه .. ليخفي احمرار وجهه الملحوظ .. نعم .. فعندما يغضب خالد .. يحمر وجهه احمرارا شديداً..

هزَّ رأسه نفياً .. و أجابني بصوت مبحوح :" لا شيء "

و هنا ابتعدت غيداء .. متجهة نحو أفق آخر ..

ينتابني فضول جنوني .. ماذا دار بينه و بين غيداء ؟!!

اقترب عادل من خالد .. فابتعدت أنا .. ظل عادل يضغط كتف خالد بيده مشجعاً :

" لا عليك من كلماتها .. أنها لا تدرك ما تقول .. "

ما الذي قالته غيداء ..؟!!

ابتعدت أنا متجهة نحو غيداء .. تاركة عادل يواسي ابنه كما يشاء ..

اقتربت منها .. حيث كانت تجلس على أحد المقاعد .. تراقب الناس من حولها ..

تنكس رأسه تارة .. و ترفعه لتدير عينها على كل شخص يمر بها ..

جلست بقربها .. خاطبتها بهمــس :" غيداء "

" هاه "

ابتسمت بسخرية :" ما معنى ( هاه ) "

نظرت إلي و عادت تراقب الناس واحداً تلو الآخر .. أردفت :" نعم .. "

" خالد "

" ما به "

" يحيرني أمره .. "

صمتت .. فقلت أنا :

" غيداء "

" هاه "

" ماذا قلتِ له "

صمتت قليلاً .. ثم أردفت :

" أهو غاضب ؟!! "

" بل يموت غيظاً "

استدارت هي .. لتنظر لعادل كيف كان يقف بقرب باب السيارة ..

و ينحني .. ليحادث ابنه الجالس في المقعد المجاور له ..

و عادت تراقب الناس.. و تتنهد بعمق :

" مجرم .. غيور لدرجة كبيرة .. يغار و يحسد و يحقد على ابني المسكين وائل "

" ربما يكون كذلك .. و لكن .. ماذا قلتِ أنت له ليعكر مزاجه لهذا الحد "

صمتت لبرهـة .. ثم استدارت لي .. و خاطبتني بانفعال :

" هو مات مات مات مات مات .. مات .. مات .. "

حملقت بها بغضب و هي تردد هذه الكلمة بجنون :

" مــات .. مات .. مات .. مات .. ليس لي أبن أسمه خالد "

صرخت بها و أنا أعض شفتي بغيظ :

" كفى ..عادل رغم أنه قاسٍ أحياناً ..و لكنه حنون أحياناً أخرى ..و لكنكِ قاسية في كل حين ..في كل لحظة "

حملقت هي بي .. ثم نكست رأسها .. فاستدرت أنا لأرى عادل لازال كما كان..

و عدت أنظر لهذه المرآة .. أنها كتلة "قسوة" حقاً ..

==

لأول مرة ... أشعر أن لي ابناً رائعاً .. كخالد ..

كم و كم .. صرخت بأعماقي .. لم لي أنا هذا الابن .. العاق ..المريض و المجرم ..

اليوم عندما ابتعدت ذكرى عني .. وقفت أتأمله .. أتأمله حركاته .. و نظراته ..

أخبرتني غيداء .. بما قالته له من كلمات قاتلة ..

كان شديد الغضب .. يحترق .. ينصهر .. يشتعل .. و ينفجر غيظاً ..

انحنيت .. و همست به :" خالد "

و بصوته الجاف أجابني ..:" نعم "

" قلت لك .. لا داعي للغضب من والدتك .. لم تكن تقصد ..... . "

قاطعني :" أنا لست غاضباً منها .. "

قلت بانفعال :" إذاً ممـن ؟!! "

كان ينكس رأسه .. صمت لبرهة .. و لكني رأيت بعض آثار قطرات الماء على بنطاله .. أهو المطر ؟!

أي مطر ؟!! نحن في فصل الصيف ..

أنحيت جذعي أكثر لأرى وجه ابني أكثر احمراراً .. و الذي صدمني .. دموع ..؟!!

أنها الدمــوع .. ابني خالد يبكي ؟!! منذ زمن طويل لم أرى فيه دموعك عزيزي ..

ما الذي يحزنــك صغيري ؟!! ..

مددت يدي و رفعت رأسه .. وجهه شديد الاحمرار ..و عيناه نيران .. و براكين .. و دموع تسيل منهما ..

و بخفوت سألته :" ما بـك ؟!! "

عـضَّ على شفتيه الورديتين .. و ضيَّق فتحة عينيه .. أتتعذب عزيزي ؟!!

أشاح بعينيه عني و هو يمسح دموعه .. ظللت أتأمله .. ما به أبني ؟!! لمَ كل هذا الحزن الجامح في عينيه ..؟!

أظـن أن كلمات غيداء أثرّت به تأثيراً كبيراً ,, أم تراه لازال يغار من وائل كما تقول غيداء ..
تسيل دمعة من مقلتيه .. فيسرع بمسحها .. مصطنعاً القوة ..

اقتربت منه .. همست بقلق :" خالد "

لم يجيبني ..

لاحظت كيف كانت أصابعه ترتجف ..و العرق يتصبب على جبينه ..

" خالد .. ما بك ؟!! "

و لم يجيبني ..

قبضت على يديه مانعاً أي ارتجاف .. لأمتص كل حزنك صغيري .. و كل رعشة حزن تسري فيك عزيزي ..

و مسحت شعره .. فإذاً بحرارة و نيران تتفجر من رأســه ..

ناديته :" بني ! "

بكل عطف و حنــان .. و أنا لا أعرف الحنان أصلاً .. و لكن .. ذلك الحنان انصب إلى قلبي فجأة ..

مددت ذراعي له .. و غلّفته إلى صدري ..

==

بينما كانت غيداء تسترجع ذكرياتها و تحكيها لي .. كما تسميها هي .. " مأساتها مع خالد "..

و غيرة خالد الجنونية من أخيه وائـل .. كنت أنصت إليها بصمت و أنا أراقب سيارة السيد أبا سامر ..

ابتعد عادل عن سيارة .. و هنا صُدمت .. فقد انطلقت السيارة بسرعة نحو أفق آخر .. و كأنها لن تعود ..

تخطف خالد عن بصري .. لم يكتمل الوداع الأخير .. فلم آخذ كفايتي من تأمله ..

و غيداء لازلت تثرثر بذكرياتها المملة .. فأصرخ بها :" هيه .. أنظري "

أشرت إلى السيارة المنطلقة بسرعة البرق .. نهضت غيداء مندهشة :" سيسافر الآن ؟!! و لكن..."

قلت بحسرة :" لكنا لم نودعه جيداً .. "

أمسكت غيداء بيدي و قالت :" تعالي "

مشيت معها بسرعة نحو عادل الذي كان يراقب السيارة الراحلة ..إلى البعيد ..

صرخت أنا بعادل :" عادل .. أين السيارة ؟!! إلى أين ستذهب ؟!! "

تنهد مبتسماً .. اتجه نحو سيارته تاركاً من خلفه أنا الحائرة ..

صعد السيارة .. فانطلقت غيداء لتصعد المقعد الأمامي .. و صعدت أنا المقعد الخلفي ..


حيث حرك عادل السيارة ..

صرخت به غيداء :" عادل ؟!! أين ذهب صديقك و خالد ؟!! "

و بكل برود يردف :" سافرا "

صرخت أنا :" لا .. ليس بهذه السرعة .. أنا لا أتخيل غيابه عن عيني لهذه المدة الطويلة .. عادل .. لا تكذب علي .. خالد لن يسافر .. أليس كذلك ؟!! آه .. آه .. خالد "

و بدأ نهر دموعي بالتدفق ..

و في الجهة الأخرى تصرخ غيداء :" عادل .. فسّر لي تصرفك هذا .. لماذا سمحت لهما بالسفر الآن"

ابتسم عادل ابتسامة سخيفة .. أبنه يسافر .. و هو يبتسم .. أنا أبكي و غيداء تصرخ .. و هو على النقيض تماماً ..

يبتسم ! بكل بســاطة ..

حيث أردف :" حتى أنت يا غيداء تأثرتِ من رحيل خالد ؟!! أظن من مصلحته و مصلحتنا أنه يسافر "

ثم قال :" خالد .. أخبرني أنه يريد الرحيل .. كفاه ما رأى هنا .. لقد تعذب كثيراً هنا .. دعـوه يسافر و ينسى و يرتاح .. فالراحة و الفرح .. لم يزورا قلب خالد الضئيل منذ فترة طويلة جداً .. جداً .. "

لطمت على رأسي .. و أسندت غيداء رأسها على المقعد .. و تنهد عادل ..

و بكيت أنا ..بكاءاً مريراً ..

طويلا ..! طويلا ..! طويلا ..!


همس عادل :" لأول مرة .. لأول مرة .. أرى فيها .. دموع خالد "

تساءلت غيداء مستغربة :" دموع خالد ؟!! "

صرخت أنا :" خالد بكى ؟!! "

نكست غيداء رأسها :" أظـن أنني السبب !! "

==

طلبت من عادل أن يتوقف بقرب الشاطئ قليلاً ..

نزلت أنا من السيارة ..و أمسكت بيد غيداء .. و جلسنا على الرمال .. نراقب غروب الشمس ..

كنت أمسح دموعي قهراً .. و حزناً .. حتى سمعت غيداء تهمس :" أتعلمين ! أنها تشبه خالد "

رفعت رأسي .. و نظرت للشمس .. و سألتها بصوتٍ مبحوح :" أتقصدين الشمس ؟!! "

هزت رأسها ايجابياً .. مبتسمة !

" أول ظهورها .. تكون لطيفة و رائعة و دافئة .. تماماً .. كما كان خالد في صغره ..

و عندما تبلغ الشمس الظهيرة .. تكون ساطعة و عمودية و حارقة .. فنحتمي منها ..

تماماً كما كان خالد قبل دخوله المشفى .. كان يرتكب الجرائم بكل اندفاع .. بلا قيود .. بكل وحشية ..

و نحن نحاول قدر الإمكان الحماية منه..

و عندما تبدأ الشمس بالمغيب .. نتأملها لنودع الغروب الأخير ..

و كأنها خالد .. نودعه الوداع الأخير رغم ما يفعله .., و نبكي لأجله .. "

و نظرت إلي :" ألا يشبه الشمـس ؟! "

حملقت بها .. ثم عدت أنظر إلى الشمس الغائبة .. هززت رأسي ايجابياً :" ربما..!! "

ثم نظرت إليها :" و لكنه أروع منها بكثـير "

انكشفت بعض شعيراتها البنية .. فقد خُفض خمارها على كتفيها دون أن تشعر .. فكشف شعرها ..

ابتسمت .. و خاطبتها مشيرة إلى شعرها :" شعـرك "

بدت غير مستوعبة الأمر .. حيث رأيت أيدٍ من ورائها .. ترفع خمارها على رأسها ..

كانت أيدي عادل .. فزعت غيداء .. و جلس عادل وسطنا ..

ضمني بذراعه اليمنى و بذراعه اليسرى يضم غيداء ..

و أخذنا نتأمل الغروب الأخير ..

أنه فعلاً غروب أخير ..

يا خالد ..!


يتبــــــــــــع ..

علىمحمود
05-04-2006, 02:12 PM
قصه جميله لها تكمله قادمه أن شاء الله
نفسى أسئل انت جبت الصبر منين على كتابة القصة الطويلة الجميلة هذه انك تستحق لقب بطل حتى النهايه
انا استمريت فى قرائتها أسبوع
ألف شكر

الغزال العنيد
07-04-2006, 11:29 PM
واللله قصة روووووووووووعه

بصراحه تساهلين التقييم على النقل

ونتريا التكمله

عذووب
08-04-2006, 07:48 AM
اشكركم على المرور ..
واشكركم على التقييم ..
والحينا بحط الجزء اليديد ..

عذووب
08-04-2006, 07:54 AM
الجزء السادس عشر

أنه يقتحم حياتنا الهادئة

( يسعدني أن أعرفكم بنفسي .. لأبرز دوري في هذه القصة ..)

أنا فتاة في التاسعة من عمري .. أدعى " زينة " .. سامر أخي الذي يصغرني سناً .. و عمره ثمان سنين .. و أختي الصغيرة هدى .. عمرها خمس سنين .. و أمـي .. أنها قاسية و عصبية أحياناً .. و لكنها حنونة جداً .. و أفضل أم في العالم .. و أبي .. أنه يحبنا كثيراً ..

لقد أتى بنا منذ زمن بعيد إلى هذه البلاد .. كنا نعيش في بلدنا الأصلية في المنطقة الجنوبية .. حيث نظلم ..
كنا فقراء جداً .. والدي لم يكن يستطيع إطعامنا و لا سترنا و لا حتى الاطمئنان علينا هناك ..
أبي كان يبحث عن عملٍ جيد .. و لكن دون جدوى ..

هذا ما جعله يأتي بنا إلى هذه البلاد .. الرائعة .. هنا .. أبي يعمل.. و هو يسكننا في منزل متواضع .. و نعيش كالناس .. و أفضل أيضاً .. أنا فرحة لوجودي هنا ..

أنا أعيش هانئة .. مع أسرة رائعة .. و لكـن .. الشيء الوحيد الذي يعكر صفو حياتي هو ..
أننا نملك بشرة سوداء قاتمة .. و هذا يجعل بعض الفتيات المغرورات في المدرسة ينفرن مني ..
و كذلك سامر يعاني المشكلة ذاتها .. و لكني أتعذب أكثر ..

فأنا فتاة ..و أريد أن أكون جميلة جذابة .. كبقية الفتيات ..آه .. هذا الأمر يزعجني جداً ..

والدي مسافر إلى بلادنا الأصلية لأيام قليلة .. فقط لكي يرى أصدقاءه ..
و لكنه اتصل لنا منذ أيام لكي يخبرنا بأن شخصاً آتٍ معه .. ( ابن صديقه )

أمرنا بتجهيز غرفة له جيداً .. لأن ( الشخص ) هذا .. سيسكن معنا في بيت واحد تحت سقف واحد ..
أنا لم أعلم عن هذا الأمر الكثير .. بينما كانت أمي تكاد تنفجر غيظاً ..

تحول المخزن إلى غرفة أنيقة جداً .. أهو ملك آتٍ للعيش معنا ؟!! إن غرفته تفوق جمال غرفتي بكثير..
و اليوم سيرجع أبي معه ( الملك ) الآتي للعيش معنا ..


الآن أنا مع أمي نشتري طعاماً ( أنيقاً ) .. استقبالاً للملك الآتي ..
سامر يكاد يجن عندما رأى الكثير الأطعمة المختلفة المرتفعة الثمن .. و اللذيذة .. التي لم نشتريها من قبل ..
و لم نعتد على تناولها .. و لكن مؤكد .. أن ( الملك ) الآتي اعتاد على تناولها ..

هنا انتهينا من شراء الأطعمة .. و ها نحن نقف ننتظر سيارة أجرة توصلنا إلى منزلنا ..
خاطب سامر أمي متنهداً :" آه أمي .. إلى متى سنبقى نصعد سيارات الأجرة ؟!! ألن نشتري لنا سيارة ؟!! "

" إلى أن يتحسن وضعنا أكثر .. "

ها هي سيارة أجرة تقف سامحة لنا الصعود ..تراكضنا لها .. و صعدناها .. فانطلقت نحو منزلنا ..
و هناك توقفت .. هبطنا جميعاً .. فاستوقفنا السائق :" هيه .. أين حقي من المال ؟!! "
استدارت أمي للسائق متنهدة :
" أوه سيدي .. لقد نفذ مالنا كله بسبب شراءنا لهذه الأطعمة الغالية .. لن أستطيع أعطائك أي قرش "
صرخ الرجل :" ماذا ؟!! .. "
و بدأت أمي تشاجر الرجل كالمعتاد .. ألا و يخرج أبي من المنزل .. آه أنه أبي .. لقد رجع من سفره ..
اقترب من السيارة ماداً يده حاملاً بها أوراق نقدية :" هذا هو حقك يا سيد "
انصرف السائق.. فرمى سامر نفسه بأحضان والدي .. و انقضت هدى هي الأخرى على والدي ..
" بابا .. اشتقنا لك "
" أبي ما أسعدني برؤيتك "

و ها هو والدي الغالي يحمل هدى على كتفه .. و يضمني أنا بذراعه الأخرى و يمشي نحو المنزل .. و تتبعه أمي و سامر فرحان .. لقد اعتدنا على سفر والدي المتواصل ..و لكنه يظل غالٍ على قلوبنا جميعاً ..

أخذت أنا و سامر ندور في المنزل فرحاً لقدوم أبي.. و ها هي أمي تضع أكياس الطعام في المطبخ .. و تعود لتشاركنا فرحنا .. انهمكنا في الصراخ و الفرح .. فقاطعتنا أمي سائلة والدي :

" أبا سامر ؟!! ألم يأتِ الضيف ؟!! لقد اشترينا طعاماً فاخراً جداً ترحيباً به "
ابتسم والدي :" بلى .. أنه تعب جداً .. لذلك تركته ينام في الغرفة المجهزة .. أي الغرفة الخاصة به "
و قال ممازحاً أمي :" لمَ الانزعاج ؟!! أنه فتى لا يبلغ من العمر سوى عشر سنوات .. و ليس رجلاً "
نهض سامر و قال بخبث :" أريد رؤيته "

فصرخ به والدي :" لا .. لا تدخل عليه الغرفة فجأة .. فهو ينزعج من ذلك .. ثم لا أريدك أن تحادثه بأسلوبك هذا .. يجب أن تراعي المزاج الذي عليه .. لأنه مزاجي جداً "

قلت ساخرة :" آه .. كل هذا ؟!! قلي أبي .. أهو ملك ؟؟ "
" لا ليس ملكاً .. بل طفلاً .. و لكنه ليس عادياً "
" كيف ذلك أبي "
" الطفل يعاني مرضاً نفسياً "
شهقت أمي .. :" رباه .. "
" نعم .. و سوف أرسله إلى عيادة نفسية إلى أن تستقر الأمور "
بدت أمي مضطربة .. و في الوقت نفسه .. سامر متحمس جداً ..

بقينا بعض الوقت ننتظر ( الملك ) إلى أن يصحو من سباته العميق لكي نتناول غداءنا الفاخر ..
و لكن لا يبدو أنه سيصحو ..

أخذت أنا و سامر نلعب قليلاً لنشغل أنفسنا .. و لكن رائحة الطعام تجذبنا ..
صرخ سامر بغضب :" آه .. إلى متى سيستيقظ هذا الفتى ؟؟! أكاد أموت جوعاً "
" أنه في سبات عميق .. و لن يستيقظ .. ألم تسمع والدي عندما قال أن الفتى تعب جداً "
نظر إلي سامر نظرات خبيثة جداً .. ثم قال بهمس :" خطرت ببالي فكرة "
اقتربت منه :" ما هي ؟!! "
همس بأذني :" نذهب لإيقاظه "
قلت بدهشة :" سوف يوبخنا والدي .. "
" نذهب دون أن يشعر أحد "
هززت رأسي ايجابياً مؤيدة الفكرة .. ينتابني حماس لرؤية هذا الفتى ..( الملك ) ..
و لكني خائفة دون سبب .. لحقت بسامر .. و تسللنا إلى السلم .. دون أن يشعر أحد ..
وقفنا أمام الغرفة بخوف.. و هنا فتح سامر الغرفة قليلاً و أنا خلفه .. لم أكن أرى شيئاً.. حيث سمعت أخي يقول :
" لا أراه .. يغطي وجهه باللحاف .. "
و كأنه على علم بأننا آتون لرؤيته ..

حيث رأيت فتحتي عينا سامر تتسعان دهشة .. و شهق هامساً :" واو .. وسيم جداً "
" هل رأيته ؟!! أريد أن أرى .. ابتعد "
كنت متحمسة جداً .. بعد أن علمت بأن ( الملك ) .. وسيم .. آه يال خجلي ..
مددت يدي لأفتح الباب أكثر .. لأطل على الغرفة لأرى ( الملك ) ..
ألا و صوت أمي يفزعني :" هيه .. ما الذي تفعلانه ؟!! "
تسمر سامر .. و قلت أنا منقذة :" كنا نبحث عن كرتنا "
قالت مستنكرة :" كرتكما؟!! أتبحثون عن كرتكما هنا!! "
أغلق سامر الباب بهدوء و هرب نازلاً السلم و أنا خلفه ..
رمى سامر جسده على المقعد في الصالة .. تنهد :" كدنا نُكشف "
صرخت به :" لكني لم أرى الفتى .. "
ابتسم سامر .. و نظر إلي بشفافية :" آه .. أنه وسيم جداً .. "
" كيف رأيته "
" كان يغطي وجهه .. و لكنه بعد ذلك أزاح اللحاف على وجهه دون أن يدري .. فهو نائم "
صرخت به :" يال قهري .. لم أره "
" و أنا أيضاً لم أره جيداً .. و لكنه بدا لي لبرهة .. وسيم جداً جداً .. أظن أنه من المنطقة الشمالية في بلدنا "
قلت بحماس ممزوج بقهر :" صفه لي "
قال سامر قاصداً إغاظتي :" لا .. لا أذكر شيئاً "
" قلت لك صفه لي "
" لا "
" صفه لي "
هاجمته و أخذت أشد شعره المجعد بقوة .. بينما كان هو يضحك ..
حتى ارتفعت صرخاتي و ارتفعت ضحكاته و وصلت إلى مسامع أبي ..
خرج أبي من المطبخ غاضباً :" هيه .. لمَ الشجار ؟!! "
حيث غمز سامر لي و قال :" أأقول له لمَ الشجار ؟!! "
شعرت بحرج شديد .. فعاد والدي للمطبخ ..
صرخت بسامر :" أنك تثير غيظي "
و ها هي أمي تخرج من المطبخ و تناديني قائلة :
" زينة .. تعالي .. و أنظري شكل الطعام المجهز .. "
ركضت نحو المطبخ و لحق بي سامر .. وقفت مذهولة ..
أرى طاولة الطعام مملوءة بالصحون التي تحتوي أطعمة مختلفة من كل صنف ..
آه .. لم أرى هذا الطعام الشهي في حياتي .. و لم أتذوقه ..
هجم سامر بجنون على أحد الصحون .. فاستوقفته أمي صارخة به :" لا .. فلننتظر الـ... "
صرخ سامر مقاطعاً أمي :" ننتظر الفتى النائم .. إلى متى سيظل نائماً .. غارقاً في أحلامه الوردية و نحن نكاد نموت جوعاً .. آه .. ألا يكفيه ما نام ؟!! أني أتضور جوعاً بسبب هذا الفتى المتعجرف .. "
وصلنا صوتاً جديداً جافاً رائعاً ..
" أتقصدني يا هذا ؟!! "

++

استدرنا جميعاً في آن واحد .. آه .. أهو الملك حقاً ؟!! رائع .. لا يمكنني وصفه لكم ..
كان صارماً .. و لكنه وسيم .. أطول مني و أطول من سامر .. يملك شعراً أسوداً كثيفاً ناعماً نسبياً ..
و حاجبان غليظان ..و مقلتين ناعستان رماديتان .. لأول مرة أرى مقلةً بهذا اللون الغريب الرائع ..
أنفه طويل نسبياً .. يتناسب مع ملامح وجهه .. و ليس كأنفي القبيح الضخم ..
شفتاه ورديتان ضئيلتان .. ( علي وصف كل شيء )
وجهه ناصع البياض .. صافٍ جداً .. و هذا ما أحزنني ..
آه .. لن يشرف الملك أن يمكث مع أناس يملكون بشرة سوداء ..
قد يتكبر علينا ..!!

ابتعدت أنا قليلاً .. بينما أسرع سامر بالاعتذار .. و أخذ يتأمله بلهفة ..
أمي بكل ضيق .. تدعوه إلى تناول الطعام معنا ..
و لكنه فاجئنا .. فقد انصرف بعد أن رمقنا بنظرة لا تخلو من الاحتقار ..
( قلت لكم .. قد يتكبر علينا )

صرخت أمي بوجه أبي :" أهذا جزائي ؟!! لقد أنفقنا الكثير من أجل تحضير غداءاً مميزاً .. و ها هو يتجاهلنا "
قال أبي :" نسيت أن أخبركم أن الفتى يفضل تناول طعامه وحده "
عضّت أمي شفتيها قهراً :" وكلت أمري لله "
ها هي أمي تبدأ بتجهيز طعام ( الملك ) في صينية له ..
آه ..جذبني هذا الفتى كثيراً .. كثيراً .. كثيراً ..

حملت أمي الصينية و اتجهت نحو غرفة الفتى .. فلحقت بها ..
فتحت الباب .. ففزع الفتى المتمدد على السرير .. نظر إلى أمي بنظرة حادة .. و باحتقار ..
ثم قال بغضب :" ألا تعلمون كيفية طرق الباب ؟!! "
نظرت أمي إليه بغضب ( فهي عصبية و الله الساتر ):
"و أتريد مني أن أطرق الباب ؟!! و منذ متى كنت أنا أطرق أبواب الغرف لأدخلها ؟!! نحن لم نعتد على ذلك "
استو الفتى على سريره جالساً و قطب حاجبيه .. و بحزم أردف :
" لا أريد منكم دخول الغرفة .. إلا إذا طرقتم الباب.. و أنا من أسمح لكم بالدخول "
اقتربت أمي منه ( ماسكة أعصابها ) ..و وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير ..
و خرجت من الغرفة موصدةً الباب ..
و الآن انفجرت .. و كأنها قنبلة موقوتة .. ركضت نحو والدي .. ضربت طاولة الطعام صارخة :
" ما هذا الفتى ؟!! أنه لا يحترمني .. أنني في عمر أمه .. كيف يعاملني هكذا ؟!! أيعامل الناس دائماً هكذا ؟!!"
قال والدي :" لا بأس عزيزتي .. تحمليه .. فما هي إلا فترة .. و نرسله إلى العيادة النفسية "
تنهدت أمي .. و جلست بقرب أخي الذي يكاد يلتهم طاولة الطعام بأكملها ..
و أخذت تطعم أختي الصغيرة هدى .. جلست أنا على مقعدي .. و أخذت أتناول طعامي اللذيذ بشهية مفتوحة ..
تكاد أمي تموت غيظاً .. إن مجرد فكرة أن شخص غريب آتٍ للعيش معك في منزل واحد ( أمر مغيظ )
فكيف إذ كان الشخص كهذا الفتى ..؟!!

بعد فراغنا من تناول ( الطعام الشهي ) .. تخاطبني أمي بانزعاج :
" زينة .. اذهبي و اجلبي صينية الطعام التي لدى الفتى .. حالاً "
خاطبها أبي :" و لماذا لا تذهبين أنتِ ؟!! ابنتكِ ليست خادمة "
قالت أمي بانزعاج شديد :" لا أريد رؤية ذلك الفتى "
خاطبتني أمي :" هيا اذهبي .. ما الذي تنتظرينه ؟!! "
جريت جرياً نحو غرفة الفتى .. كدت أوشك على فتح الباب ..
و لكن تذكرت أن الفتى أمرنا بطرق الباب قبل دخول الغرفة ..
طرقت الباب طرقتين .. فسمعت ذلك الصوت يقول :
" أدخل "
فتحت الباب بهدوء .. حتى رأيت الملك متمدد على السرير ..
لا شيء غير التمدد و النوم .. أنه ليس حيوي بتاتاً ..
اقتربت منه .. و هو يتجاهلني .. و لا يبادلني حتى بنظرة ..
اتجهت نحو الصينية .. ما هذا ؟!! صرخت به :
" أيها الفتى .. لمَ لم تأكل شيئاً ؟!! "
تنهد :" لم يعجبني "
صُدمت .. الطعام الشهي المرتفع الثمن .. لم يعجب الملك ..؟!!
إذاً ماذا يأكل الملك .. قد يأكل ذهباً .. و نحن غافلون ..
صرخت به :" هيه .. أأنت مجنون ؟!! الـ... "
رمقني بنظرة حادة جداً .. جداً .. أخافتني .. و همس بي بغضب :" أخرجي فوراً .. "
حملت الصينية و ركضت نحو والدتي .. وضعت الصينية أمامها .. و قلت :" الفتى لم يعجبه الطعام "
صرخت أمي بغضب :" ماذا ؟!! ماذا يظن نفسه ؟!! "
قلت ساخرة :" الملك "
وضعت أمي الصينية على الطاولة .. و تهجم سامر عليها كقط جائع لا يشبع ..
خاطبت أمي أبي الذي يقلب قنوات التلفاز:"أنظر .. الفتى لم يعجبه الطعام المرتفع الثمن .. إذا ماذا يعجبه ؟!! "
" لا بأس .. تحمليه .. ما هي إلا فترة قصيرة و أرسله إلى عيادة نفسية "
آه يبدو أن الفترة ستطول .. و أمي ستجــن ..
مـر الوقت .. دون أن يخرج الملك من غرفته .. ترى ماذا يفعل هناك ؟!!
اتجهت نحو غرفتي لأبحث عن كرةٍ ألعب بها مع سامر .. و لكني توقفت أمام المرآة لبرهة ..
ما هذا ؟!! أنني غير مرتبة كلياً .. لذلك الملك لا يطيق النظر إلي ..
يا لي من بلهاء .. يجب أن أرتب نفسي قليلاً .. احتراماً لوجود الملك ..
بحثت من بين ملابسي عن ملابس جيدة .. آه .. ..>> لا يوجد ..
و لكـن .. أنا لن أستطيع أن أجد بين ملابسي ملابس ذا سعر مرتفع كملابس ( الملك ) ..
لذلك .. سأبحث عن أفضل ملابسي .. أخذت أبحث و أبحث.. أقلب في هذا .. و أقلب في هذا ..
إلى أن رست عيني على بنطال ضيّق و بلوزة ضيقة جداً ..
ليست ملابسي هذه بالرائعة .. و لكنها جيدة ..
ارتديتها و عانيت الكثير في ارتداءها .. ( فكانت ضيقة ) و يال ضيقها ..
بالكاد سمح جسدي السمين بتغليفه بملابسي ( الجيدة الضيقة ) هذه ..
نظرت إلى نفسي في المرآة .. آه .. كم أخجل أن أظهر أمام الملك هكذا .. بهذه الملابس الضيقة جداً ,, جداً ,,
تناولت مشطاً و أخذت أسرح شعري .. آه .. معركة عنيفة مع شعري المجعد هذا ..
آه .. أريده فقط أن يبدو مرتباً .. لا أريد أن أبدو كشمسٍ .. ( هكذا كان يدعوني أخي سامر ) ..
عانيت الكثير .. حتى بدا ( شبه مرتب )
و وجهي .. ما الذي يرتبه الآن ؟!! ما الذي يغير لون بشرتي القبيح هذا ؟!!
لا شيء .. أعلم ..

خرجت من غرفتي خجلة .. أخاف من سخرية أخي ..
اقتربت منهم في الصالة .. جلست معهم .. بينما كانوا منهمكين بمشاهدة التلفاز ..
" زينة .. ما الذي ترتدينه ..و ما به شعرك ؟!! "

كان سؤال أمي الخارجة من المطبخ ..
نكست رأسي بخجل كبير .. عندما التفت إلي والدي و سامر ..
ضحك سامر :" تريد أن تتزين .. "
و قال أبي :" أنت يا زينة بدون هذا ( زينة ) "
يريدون رفع معنوياتي .. و لكني أعلم أني قبيحة رغم كل شيء ..
ابتسمت :" فقط أحببت أن أرتب من نفسي قليلاً .. هل أبدو أفضل"
قال أبي مشجعاً :" بالطبع .. بالطبع يا زينة "
أعلم أنكم تجاملوني ..

حيث جاءتني قنبلة أمي :" بل أقبح .. ما هذا ؟!! ملابس ضيقة جداً و أنت سمينة ؟!! و تسرحين شعرك تسريحة لا تناسبك أبداً .. ابنتي .. دعك من هذه الأفكار و عودي إلى طبيعتك الأجمل "

صرخت بأمي :" لماذا أهمل نفسي ؟!! ألانني قبيحة في الأصل ؟!! أمي أريد أرى نفسي جميلة و لو لمرة "
نهضت بغضب .. و ركضت نحو السلم .. و بقيت أبكي ..
هي عادةً مني .. السلم هو من يستقبل دموعي ..
غادر الجميع الصالة دون أن يتقدم أي واحد منهم لمواساتي ..فبقيت أبكي بصمت ..

أنني قبيحة !! لماذا يا إلهي ؟!!

فلوونه
08-04-2006, 04:46 PM
سلاام عليكم ....اشحالج اختي عذووب ؟ ......... قصتج حلووه وايد بس ياريت السرعه في كتابة الاجزاء حتى ماتتسرب الافكار من مخنا ولايكون برود في متابعة الاحداث

عذووب
09-04-2006, 07:48 AM
مشكورة حبيبتي على المرور بس انا مااتاخر في كتابه الاجزاء لاني من اشوف رد على الجزء على طول احط الجزء اللي بعده..
والله يعطيج العافية ..
وإنشاء الله الحينا بحط الجزء اليديد ..

عذووب
09-04-2006, 07:52 AM
الجزء السابع عشر
الفتى و أمي .. مشاحنات لن تنتهي ..

كنا جميعاً جالسون نتأمله .. و هو يحادث أسرته عن طريق الهاتف الخلوي الخاص لوالدي ..
كان يتحدث بهمس .. لكي لا نسمع شيئاً .. حسنٌ .. أتخفي أسرارك عني ..؟!!
هنا انتهى الملك من محادثة أسرته فأغلق الهاتف ..
و اتجه نحو السلم .. فاستوقفه والدي :" إلى أيـن ؟!! "
التفت الملك لوالدي باستغراب .. أردف :" إلى غرفتي .. أهذا ممنوع ؟!! "
نهض والدي من كرسيه و اقترب من الفتى و أمسك ذراعه :
" تعال و أجلس معنا قليلاً .. فأبنائي يودون سماع قصة حياتك و معاناتك .. "
معاناة ؟!! أتعذب و عانى الملك من قبــل ؟!!
رمقنا الفتى بنظرات حادة جداً .. ثم سحب ذراعه من قبضة يد والدي .. و اتجه نحو غرفته ..
ربــاه .. يال جمود هذا الفتى ..
عاد والدي و جلس على مقعده .. فإذا بأمي تصرخ به :" أنت تدللـه كثيراً ..أكثر من أبنائك "

" لا بأس يا أم سامر .. هو ضيف .. و سوف أرسله إلى ... "
قاطعته أمي بغضب :
" ترسله إلى العيادة النفسية ..و لكن متى ؟!! إلى متى سيظل عبئاً علينا .. نحن لا نستطيع الإنفاق على أنفسنا كما يجب .. فكيف يستوجب علينا الإنفاق على فتى جديد ؟!! "

ثم قالت أمي رافعة صوتها أكثر :" و لماذا لا يدفع والده لنا نقوداً جزاء إسكانه معنا ؟!! "

" بلى .. إن والده سيرسل لي مبلغاً نهاية كل شهر .. و هو سيرسل لابنه نقوداً ليشتري مستلزماته .. "

تنهدت أمـــي .. و أنا كنت خائفة .. قد وصلت أصوات أمي العالية لمسامع الفتى ..

+++++

في اليوم التالي .. عدت من المدرسة ( مشياً ) .. مع أخي سامر الذي كان يداعب كلبه ..
هناك كلب يحب سامر كثيراً .. يلاحقه ..و ينتظر منه إطعامه .. سامر لا يملك أصدقاء .. فيعتبر هذا الكلب .. صديقه الوحيد ..و ها هو سامر يخرج من حقيبته قطعة الخبر و يقدمها للكلب .. و هنا يبدأ الكلب بالتهام القطعة .. و يعود لمداعبة أخي ..إلى أن وصلنا للمنزل و لازال الكلب يلاحقنا ..
خاطبني سامر :" سوف أطعمه في المنزل .. يبدو عليه الجوع "
تنهدت :" يا إلهي ؟!! لم أرَ في حياتي شخصاً يحب إطعام الكلاب مثلك "
ضحك .. و ركض نحو المنزل و الكلب يلاحقه .. الكلب ضخم جداً ..
فتح سامر الباب .. فاندفع الكلب راكضاً إلى داخل المنزل ..
كانت أمي تنظف أرضية المنزل بالماء و الصابون .. فانزلق الكلب .. و اندفع اندفاعا قوياً ..
و يال خوفي .. فقد كان ( الملك ) و أبي يتحدثان أمام الكلب مباشرةً ..
ابتعد والدي عندما رأى الكلب يندفع نحوه .. و لكن الملك لم ينتبه إلى الكلب إلا بعد فوات الأوان ..
فقد اندفع الكلب دافعاً الفتى .. فهوى الفتى على الأرض ..و الكلب فوقه ..
هتف بخوف :" رباه .. ما هذا ؟!! "
الكلب بصراحة ضخم و مخيف .. و مؤكد أن الملك سيخافه ..
أغمض عينيه و صرخ بنا :" أبعدوه عني "

أخذ سامر يضحك ضحكاً جنونياً .. و أنا في صمت و خوف من الملك ..
هنا يبعد والدي الكلب عن الفتى .. فينهض .. و يهمس بغضب و هو ينظر إلى الكلب باشمئزاز :
" كيف تدخل الحيوانات منزلكم؟!! "
ضحك سامر و هو يمسح كلبه :" لم أعهدك تخاف الكلاب .. "
قال بغضب :" أنا لا أخاف هذا المخلوق القذر "
و اتجه نحو غرفته بغيظ ..

و هنا ضحكت أمي :" إذاً الفتى المغرور يخاف الكلاب "
و ضحك سامـر :" كاد يموت خوفاً "

حيث اقترب والدي من أمي و خاطبها :" غداً سأصطحب الأطفال للسوق "
" لمـــــــــــــــاذا ؟!! "
" لشراء ملابس خاصة للشتاء .. ففصل الشتاء اقترب .. و بدأ الجو يبرد "
قلت أنا :" و الفتى .. !! "
رفع والدي بيده ظرف و قال :" أرسل لي والده مبلغاً من المال ليشتري ملابساً للشتاء "
لابد بأنه سيشتري من أرقى المجمعات .. و نحن على العكس تماماً ..

+++

خرج والدي من المنزل .. و انشغل سامر بإطعام الكلب ..و الصغيرة نائمة .. و أمي ترتب الصالة ..
لماذا لا أذهب لأطمئن على الملك .. قد لا يزال خائفاً من الكلب ..تسللت إلى غرفته بهدوء ..طرقت الباب .. فسمعته :" أدخل "
فتحت الباب .. لأراه كالمعتاد .. متمدد على سريره .. اقتربت منه باسمة .. و هو عابس بوجهي ..
جلست على السرير و خاطبته مازحة :" لازلت خائفاً من الكلب ؟!! "
رمقني بنظرة حادة .. ثم عدل جلسته .. و عاد ينظر لي ..
فوجدتها فرصةً لأسمع قصة حياته و معاناته .. خاطبته :
" ما الذي جعلك تفترق عن أسرتك و تأتي للعيش معنا ؟!! "
أسند رأسه للخلف و خاطبني بتنهيدة :" آه .. أنها قصة طويلة .. طويلة .. "
اقتربت منه أكثر :" أحكها لي "



كنت أنا في ذهول و دهشة مما يقوله هذا الفتى .. و كأنه يحكي لي قصة خرافية مرعبة ..
غطى وجهه باللحاف .. و قال ..:" كل ذلك حدث لي .. "
صرخت به :" و لكن أنت المسيء .. لماذا فعلت ذلك بابنة عمك و أخيك و لماذا .... "
قاطعني مزيحاً اللحاف عن وجهه :" لا أدري .. كنت بلا إحساس .. كنت حقود جداً .. "
" و هل تشعر أنك أصبحت أفضل الآن "
هزَّ رأسه سلبياً :" لا أعلم "
همستُ :" ما أسمك يا فتى "
نظر لي باستغراب :" و ماذا تريدين من أسمي "
ضحكت مازحة :" لن أخطفه .. لا تخف "
نظر لي.. ثم همس :" خـالـد "
شهقت :" أسم جميـــل .. "
حملق بي :" و أنت ما أسمكِ "
ابتسمت :" زينــة .. "
أغمض عينيه و خاطبني :" أخرجي من الغرفة .. "
ما هذا ؟!! يطردني ؟!!
نهضت و ألقيت نظرة على الفتى الذي يغطي جسده باللحاف ..و خرجت من الغرفة ..
بحــزن كبير .. لم أكـن أتوقع أن حياته كانت تعيسة هكذا..أهذا ما يجعله جاف التعامل مع غيـره ..
ربـاه .. لا أريده أن يذهب ليعالج في المشفى ..هناك لن يهتموا به جيداً .. سوف أصر على بقائه ..

: + . + . + :

أمي كانت تحضر مستلزمات صنع الكعكة و تخاطب أخي سامر :
" سوف أصنع كعكة بالفراولة .. لأجلك و لأجل زينة و هدى "
" و أبي ؟!! "
" أنه خارج المنزل و لن يعود إلا في المساء "
اقتربت من أمي قائلة :" و الفتى ؟!! "
قال أمي بانزعاج :" أوه .. لا تذكريني به .. دعيه يغرق في أحلامه .. لن يستيقظ أبداً "
قلت باستياء :" ألا تطيقينه يا أمي ؟!! "
تنهدت :" أوه .. لا تتكلمي عنه يا زينة .. أنه يغيظني كثيراً "

جلست بقرب سامر .. و أخذت أداعب أختي الصغيرة هدى .. و سامر يحل واجباته المدرسية ..
فخاطبته :" أين الكلب ؟! "
ابتسم ساخراً :" تركته يخرج من المنزل .. لأن إن بقى الكلب بيننا لن يخرج الفتى من غرفته خوفاً منه "

و ها هو الملك يطل علينا بنظرته تلك .. يرمق أخي سامر بنظرة لا تخلو من الغيظ ..ثم يتجاهله..
و أمي تراقب الفتى بغيظ .. أنها لا تطيقه ..
هو يقترب من إبريق الماء و يحمل كأساً ليصب له شيئاً من الماء .. و لكن كان الإبريق فارغاً ..
تلتفت يمنة و يسرة يبحث عن إبريق آخر ..
فأمسكت أمي بذراعه و سحبته إليها .. و سحبت من يده الكأس .. و أخذت تصب له ماءاً من إبريق بجانبها .. ثم ناولته الكأس ..
أمسك هو بالكأس .. و شرب جرعة منه .. ثم أبعد الكأس ليراقب أخي باحتقار ( أنه لا يطيق أخي )
و في الآن نفسه تراقب أمي الفتى بغيظ .. ثم تحادثه :" ما هو حال والدتك ؟!! هل حادثتها ؟!! "
نظر هو لأمي .. ثم حمل العصا التي بجانبه .. و أردف :" لا .. "
" لماذا ؟!! ألم تتصل بأسرتك ؟!!"
" بلى .. لكني لم أحادثها "
" لمــــــــــاذا ؟!! "
تنهد هو :" أنها لا تريد محادثتي .."
ابتسمت أمي :" هل أغظتها في شيء .."
سرح خالد لأفق بعيد .. فقالت أمي :" يبدو أنك أغظتها كثيراً .. لذلك هي تخلصت منك و أرسلتك لنا "
رمق خالد أمي نظرةً حادة .. ثم نظر للعصا التي بيده .. و همـس :
" يمكنني أن أغادر منزلكم هذا متى أشاء .. "
" إذاً لم لا تغادر الآن .. ؟!!"
نظر لأمي :" أوجودي يزعجكم ؟!! "
" بالتأكيــــد "
آه لقد جرحت أمي مشاعر الفتى كثيراً.. رباه..نظر خالد إلى العصا التي بيده .. و أمي تتابع صنع الكعكة ..
يدفع الفتى العصا ببطء نحو قالب الكعكة ..ترى .. ما الذي ينوي فعله ؟!!يتابع الفتى دفع العصا ببطء نحو القالب في غفلة من أمي ..ثم يدفع الفتى القالب بالعصا .. و أمي تنظر إليه :" مـ... "
و ما كادت أن تكمل جملتها حتى سقط القالب على الأرض و انكسر .. و تناثر خليط الكعك هنا و هناك ..رباه..
نظرت للفتى .. يبتسم .. و يمشي مغادراً المطبخ ..
رأيت في عيني أمي غضباً كبيراً ..
عضّت شفتيها .. و ركضت خلف الفتى .. استوقفته :" انتظر "
استدار و نظر إليها بابتسامة .. فخور بما فعله .. اقتربت منه أمي .. همست في غضب :
" مـن تظن نفســك ؟!! "
تابع مشيه نحو غرفته.. صعد السلم ..فركضت خلفه أمي :" هيه .. لن أدعك هذه المرة "
ركضت خلفه.. فاستدار لها .. و قال بتكبر :" أنا لا أحادث عجوزاً .. مثلك .. "
قبضت على قميصه بغضب .. دفعته نحو الجدار .. صرخت به :" أنا عجوز ؟!! أيها المريض العاق المجرم "
لأول مرة أرى أمي عصبية لهذه الدرجة .. حملق الفتى بأمي بغضب و حاول إبعادها عنه ..
و لكنها عصبية .. و الله الساتر ..( الله يعدي ها الهوشة على خير )

صرخة والدي كانت هي الإشارة المرور الحمراء الوحيدة التي أوقفت اندفاع أمي ..
توقفت أمي عن السب و النطق بالكلمات الجارحة و غيره .. و تركت قميص الفتى الذي كاد أن يمّزق ..
و التفتت لوالدي ببعض الخجل ..و الفتى يرتب قميصه و هو ينظر لأمي بنظرات حادة جداً .. جداً ..
نظر والدي للفتى قائلاً :" بني .. يمكنك دخول غرفتك "
رمق الملك أمي نظراتٍ لا تخلو من الغيظ .. ثم تابع طريقه نحو غرفته ..
و هنا وقفت أمي أمام والدي ( مستعدة للدفاع عن نفسها ),,صرخ والدي بها :" ما الذي فعلته ؟!! "
" أسمع يا أبا سامر .. هذا الفتى أولاً أسقط قالب الكعك عمداً .. ثم دعاني بالعجوز .. أنه يحتقرني و يحتقر ابني .. كيف لي أن أصمت .. أنه عبء علي ... "
" و تقومين بجرحه بهذه الكلمات ؟!! "
" هو جرحني أيضا بقوله أني عجوز .. "
اقترب والدي منها .. و قال :" أنه ضيف .. و إن أخبر والده أننا نسيء المعاملة له .. سيكون موقفي حرجاً جداً .. و خاصة أنني وعدت والده أن أهتم به لأنه مريض .. "
عضّت أمي شفتيها قهراً .. فقال والدي :" أم سامر .. أرجوك .. أذهبي و اعتذري للفتى لأن ... "
قاطعته أمي بغيظ :" أنا أذهب لذلك الفتى لأعتذر .. لا .. لا .."
" أرجوك .. كوني لطيفة مع الفتى أكثر .. تماماً كعمته .. عمته تدعى ذكرى.. و قد كانت لطيفة معه .. حتى أصبح هو الآخر لطيفاً معها .. "

كانت أمي غاضبة جداً .. و لكن والدي أقنعها أخيراً .. فصنعت أمي كعكة أخرى ..
و ها هي تقف أمام غرفة الفتى .. حاملة صحناً لقطعة كعكة ..هي تتظاهر باللطف .. و لكن نيران في قلبها لم تطفأ لحد الآن ..طرقت الباب .. فهتف الملك :" أدخــل "
فتحت أمي الباب .. و ألقت نظرة على الملك المتمدد على سريره ..
رمقها بنظرة احتقار و غيظ .. فاقتربت هي منه .. و وضعت الصحن على الطاولة الصغيرة التي بقرب السرير و قالت بمرح ( مصطنع ) :" صنعت كعكة أخرى .. هيا تذوقها .. و أخبرني برأيك "
و بكل كبرياء يشيح الفتى بوجهه عن والدتي ..
مسحت أمي شعره الكثيف .. و همست :" أنا آسفة يا بني .. "
و لازال الفتى مشيحاً وجهه عن أمي ..
عضت شفتيها قهراً .. ونهضت خارجة من الغرفة ..



يتبــــع >>>

بنووتة
09-04-2006, 03:04 PM
قصة حلوووووووووووووة اتمنىمنج انج تكملينها

الغزال العنيد
10-04-2006, 03:07 PM
تسلميييييييييييين ع التكمله

نتريا باقي الاجزاء

عذووب
11-04-2006, 07:37 AM
الجزء الثامن عشر
أمسية رائعة

مرت الأيام .. وبرد الجو بسرعــة .. فلم نستطع أنا و أخي الخروج للعب ..فلزمنا غرفنا .. و الملل يقتلنا ..
أخــي يقرأ أحد كتبه المدرسية .. و أنا بجانبه .. خاطبته ساخرة :
" تتظاهر أنك مجتهد .. و أنا أعلم أنك أكسل طالب في مدرستك "
ابتسم سامر .. و خاطبني بنظرات ساخرة :
" ربما كنت أنا أكسل طالب في مدرستي و لكنك أكسل طالبة في العالم بأسره .. فلم أراك يوماً تحملين كتاباً "
ابتسمت ..و خاطبته بهمس :" ماذا تتوقع مستقبلنا .. أهو زاهر ؟!! أم هو دمار ؟!! "
ترك هو كتابه و قال :" دمــار .. و أكبر دمار "
آه .. معك حـق أخي ..

نهضت .. و خرجت من غرفة أخي .. ها هو والدي يحمل أكياساً كثيرة .. و يضعها على مقاعد الصالة ..
تقترب أمي منه و تسأله :" ما كل هذا ؟!! "
" مستلزمات الفتى التي اشتراها "
قالت أمي بانزعاج :" و أين هو ؟!! "
فُتح باب المنزل .. و يسرع الفتى بالدخول ..و أصابعه ترتجف بردا .. احمرت شفتاه و وجنتاه من شدة البرودة .. يسرع بغلق الباب من بعده بسرعة مانعاً تسرب أي رياح باردة من الخارجً..اقترب منا و هو يفرك يديه و قال:
" بـرد قارص "
ضحك والدي بينما كانت أمي منزعجة جداً ..
قال والدي و هو يعبث بشعر الفتى الكثيف :" ستعتاد على برد هذه البلاد "
ابتسم الفتى و أكمل سيره نحو غرفته .. فاستوقفته أمي :" انتظــر "
استدار إليها .. فقالت مشيرة إلى الأكياس :" ألن تحملها .. أم أنك تنتظرنا نحن لكي نحملها بدلاً عنك .. "
و لأن الفتى كان يحمل على وجهه ملامح مسالمة جداً .. حمل أكياسه الكثيرة و اتجه نحو غرفته ..
دون أن يجادل أمي .. أو يرمقها بأي نظرات احتقار أو غضب أو تحدي ..
خاطبت أمي والدي بغيظ :" أنت تهتم بأمره أكثر من أبنائك .. المساكين لحد الآن لم يشتروا ملابس الشتاء .. و أنت تتجول مع هذا الفتى في المجمعات الضخمة "
ابتسم والدي :" كفاك يا أم سامر .. لمَ تحقدين على الفتى..؟!! بدا لي اليوم رائعاً و لطيفاً جداً .. غداً سوف أصطحب أبنائي لشراء ملابسهم .. فلا تغضبي "
عضّت أمي شفتيها .. ثم قالت :
" أخبره أن طعام الغداء لن يتزحزح من على مائدة الغداء .. فليأتي هو ليأكل معنا .. لماذا يحتقرنا هكذا ؟!! "
هزَّ والدي رأسه ايجابياً و ابتسم :
" حسناً .. كما تريدين .. فقط لا تغضبي "

اتجهت أمي نحو المطبخ و نادتنا لتناول طعام الغداء .. ركض سامر و هدى للمطبخ .. بينما اتجه والدي نحو غرفة الفتى .. ركضت خلفه ..وقف والدي أمام باب الغرفة و طرق الباب .. فسمح له الملك بالدخول ..
فتح والدي الباب .. و الفتى متمدد على السرير كالعادة .. و قد رمى بالأكياس على الأرض دون اكتراث ..
جلس والدي على المقعد المجاور لسرير الفتى .. و أنا قمت بجمع الأكياس في زاوية واحدة .. فخاطبني الفتى :
" دعـك منها .. "
تركتها و جلست على سرير الفتى .. خاطبه والدي :
" بني .. أعلم أنك تفضل تناول غداءك وحدك و لا تحب الاختلاط بنا كثيراً .. و لكن أم سامر ترهق عندما تصعد السلم لجلب الصحون و الأواني .. لذلك ما رأيك أن تعتاد من الآن فصاعدا على تناول الطعام معنا ؟! "
كنت متأكدة أن الفتى سيعارض بشدة .. فهو كما تقول أمي " متكبر و مغرور "..
و لكنه هزَّ رأسه بالموافقة :" لا بأس "
لا أصـدق .. حقاً .. أنه مزاجي ..
شد والدي وجنة الفتى مداعباً.. و نهض و قال بابتسامة :" حسنـاً .. نحن ننتظرك في المطبخ "
خرج والدي من الغرفة .. فهب نسيم بارد من النافذة .. أشار الفتى نحو النافذة و قال لي :" أغلقيها "
نهضت متجهة نحو النافذة و لكني دست على أحد الأكياس فانزلقت و كدت أسقط ..
و لكن يداً باردة أمسكتني ..نظرت إليه .. أبعد يده عني و قد احمرت وجنتاه أكثر .. أبسبب البرد ؟!!
خاطبتني بجمود :" انتبهي إلى موقع خطواتك "
ابتسمت .. و أغلقت النافذة .. نظرت ليد الفتى الشديدة البياض بسبب البرد ..خاطبته باسمة :
" يدك شديدة البرودة "
نظر هو لي .. ثم قال :" بسبب برودة الجو "
ابتسمت و قلت بمرح :" أتعلم !! أشعر أنك منذ أن جئت .. كتلة من الجليد .. لا تنصهر أبداً "
حملق بي .. و كنت أنا أدقق النظر في مقلتيه الرماديتان .. فابتسم .. و قال :
" إلام تنظرين ؟!! "
ضحكت :" لون عينيك غريب جداً .. رمادي !! لأول مرة أرى شخصاً يملك مقلة بهذا اللون "
ابتسم .. و بصوت خافت خاطبني :" أنت تدققين في كل شيء "
ضحكت أنا ضحكاً جنونياً .. بينما كان هو ينظر لي باستغراب شديد ..
و عندما انتهت نوبة الضحك تلك .. وجهت بصري نحو أحد الأكياس .. حملته .. و فتحته ..
أخرجت منه معطفاً أخضراً .. اشتراه الفتى من أرقى المجمعات .. أسرته ثرية ..
قلت :" رائع "
و هو ينظر لي باستغراب .. كم أنا متطفلة ..ارتديت المعطف .. و وقفت و نظرت لنفسي عبر المرآة ..
ضحكت .. فكنت مضحكة بمعطف للذكور و ليس للإناث ..
استدرت للفتى و ركضت نحو سريره و قفزت عليه و خاطبت الفتى و أنا أمثل دور الوحش :
" أنا الوحش الأخضر .. سأقتلك .. سأقتلك !! "
و بقيت أضحك .. و أضحك .. و هو لا يبعد نظرات الاستغراب عني ..

" أأنتِ مجنونة ؟!! "
كان يحملق بي باستغراب .. ألأول مرة يرى فيها فتاة مرحة مثلي ؟!!
خلعت المعطف و أعدته للكيس .. و نهضت و قبضت على يد الفتى ( الشديدة البرودة ) ..
" هيا .. أنت وعدت أبي بأنك ستتناول غداءك معنا "
و بكل بطئ يزيح عن جسده اللحاف و بالكاد ينزل من على السرير .. خمول و بطيء جداً ..
سحبت يده راكضة بأقسى سرعتي .. أنا سريعة جداً .. رياضية .. و إن شاركت في سباق (المارثون) سأفوز ..
هتف بي و هو يريد تحرير يده المتجمدة من يدي ...:" توقفي .. "
و لكني كنت كالصاروخ .. قفزت من أعلى عتبة في السلم .. قفزة عالية جداً .. آه كأني طير يحلق في السماء ..
و يعود للهبوط للأرض .. رباه .. ما أجمل ذلك ..
أوه ! لحظة ! نسيت أني كنت أسحب بيدي الملك .. سمعت صوت سقوط أحدهم على عتبات السلم ..
استدرت بخوف .. الفتى يقبض بيديه الاثنتين على أحدى ساقيه ..
يتوجـع ! عضّ شفتيه و نظر لي بغضب .. صرخ :" أنظري ماذا فعلتِ ؟!!"
لقد أُفلت من يدي فهوى على عتبات السلم الحادة .. و أظن أن ساقه أُصيبت ..يا لي من حمقاء .. يكفي أن الفتى مريض نفسياً .. أأريده أن يكون مريضاً جسديا أيضاًً ؟!!أسرع والدي و أمي و سامر إليــه ..صرخ بي والدي :" ما بــه ؟!! "
قلت بارتباك :" لقد تعرقل و سقط على عتبات السلم ..و يبدو أن ساقه أُصيبت "
أسرع أبي إليه .. سأله بينما كان يتوجع :" أي ساق تؤلمك ؟!! "
أشار إلى ساقه ..فأسرع والدي إلى رفع البنطال ..حتى كُشف جرحاًَ عميقاً .. ينزف دماً أحمراً ..
شهقت أنا ..

+.+.+
كنت أشعر بتأنيب الضمير .. بسببي .. الفتى جُرح في ساقه اليمنى .. جرحاً عميقاً جداً..
هو على سريره يتوجع .. و أمي تداوي الجرح .. بينما والدي يراقب الفتى بقلق ..ثم يخرج من الغرفة و يغلق الباب ..و يجلـس على المقعد في الصالة بقلق كبير ..و بعد فترة تخرج أمي من الغرفة و تجلس بقرب والدي :" ما بك ؟!! "
يتنهد والدي :" الجرح عميق جداً .. و أخشى أن يصل الخبر إلى أسرته .. و يظنون أننا لا نهتم بالفتى "
" أنا داويت الجرح جيداً .. و ها هو الفتى يغط في نوم عميق .. ما هو إلا جرح كأي جرح "
تنهد والدي .. فنهضت أمي و خاطبتنا :" تعالوا تناولوا غداءكم "
قلت أنا :" و الفتى .. وعدنا بأن يتناول الغداء معنا "
قالت أمي بغضب :" أنه مصاب .. ألا تفهمين ؟!! "

+++

أخي يلاعب كلبـه في الخارج .. بينما كنت جالسة على عتبات منزلنا بملل .. بالعصا كتبت على الرمال كلمة " خالد " بخط عريض و كبير.. و ها هو الكلب يركض بسرعة ماسحاً الكلمة ..
و أخي يناديه :" تعال هنا .. "
نظرت له :" أنت بسيط جداً يا سامر .. حياتك هي اللعب فقط "
اقترب مني و ابتسم .. :" لازلنا صغاراً يا زينة ..و حياتنا ستكون بسيطة الآن و لكنها ستتعقد في المستقبل "

" و لماذا الفتى الذي يسكن معنا حياته معقدة .. رغم أنه أكبر مني بسنة واحدة .. "

نظرت للرمال و أكملت :" في أسرته تفرقة عنصرية .. فيغار من أخيه كثيراً .. كان مجنوناً .. آذى ابنة عمه الرضيعة دون أن يشعر .. سُجن في عيادة نفسية دون أن تطل عليه أمه .. عاش معاناة و يا لها من معاناة .. و بعد ذلك .. يريد والده التخلص منه .. ليبعده عنه لمدة خمسة عشر سنة .. و في الفراق .. تخبره أمه أنها أخبرت أخيه بأنه مات و انتهى .. و ذلك يدل أنها تتمنى له الفناء حقاً .."

نظرت لأخي بقهر ..:" أليست حياته معقدة ؟!! "
نظر سامر إلي :" نعم .. و لكن .. ما شأننا نحن به ؟!! "
صرخت به :
" لأنك لا تشعر به.. كان يحكي لي كل ما حدث له دون أن تهوي دمعة واحدة من عينه .. أنه التحمل .. أنه الصبر .. أنه الرضا بالواقع .. كلها صفات في خالد لم أجدها في أحد غيره "
وقفت و خاطبت أخي :
" و لازال متمسكاً بأسرته .. يتصل بها .. رغم أن أمه لا تريد محادثته .. "

نظر لي أخي و قال :" أرجوك زينة .. لا تتأثري به .. ابتعدي عنه .. "

صرخت به :" لماذا ؟!! لأنه مريض نفسياً ؟!! لأنه وحيد هنا ؟!! "

جلست .. و تأملت السماء .. و قلت بهمس :
" لولا قسوة أسرته .. لما أصبح مريض نفسياً .. و لعاش في أسرته محبوباً .."

و نظرت لأخي :" سامر .. عندما يستيقظ الفتى سوف نلعب معه هنا "

ضحك :" لن يقبل .. لأنه متكبــر و... "

قاطعته :" لا ! سوف نلعب معه .. لكي يتعود على الاختلاط بالناس .. هكذا لن يتعالج "

" و هل ستعالجينه أنتِ ؟!!"

" و لمَ لا ؟!! "

ابتسم سامر .. و أمسك بيدي مؤيداً ..

++++

في المساء .. يحادث الفتى أسرته بالهاتف .. كنت أقف أمامه.. حيث كان يقول :
" حسناً أريد محادثة أمي .. "
و بدت بعد ذلك على وجهه ملامحه الحزن لسماعه الرفض أو التوبيخ ..
عاد يقول مصراً :" أريد محادثة أمي "
و أصر على ذلك أكثر حيث قال بغيظ :" لن أغلق الهاتف إلا بعد محادثتها .. أرجوك أبي "
حيث انبعث صوتاً قوياً من الهاتف يقول :" قلت لك أنها لا تريد محادثتك .. وداعاً "
أغلق الفتى الهاتف بحزن .. أمسكت كتفه مواسية :"لا بأس .. سيأتي اليوم الذي يحن فيه قلب أمك "
نظر لي بحزن .. ثم اتجه نحو غرفته .. استوقفته :" لحظة "
استدار لي :" ماذا هناك ؟!! "
ابتسمت مشيرة إلى ساقه :" هل أصبحت أفضل ؟!! "
هزّ رأسه ايجابياً .. فأسرعت إليه .. و أمسكت يده ( المتجمدة ) ..:" حسناً .. هذا يعني أنك تستطيع اللعب معنا "
قطب حاجبيه و قال باستنكار :" ألعب ؟!! "
" نعم .. "
سحبت يده و كنت سأركض .. فإذاً به يسحب يده من قبضة يدي و يقول :
" ستسحبينني مجدداً .. لكي أقع و أُصاب في ساقي الأخرى ؟!! "
ابتسمت ..بل ضحكت قائلة :" أنت بطيء .. جداً .. جداً .."
ثم قلت له :" اتبعني .. هيا "
ركضت خارجة من المنزل .. حيث كان أخي لازال يلاعب كلبه .. و يطعمه .. و يركض خلفه ..
ركضت نحوه .. و قلت بفرح :" الفتى سيلعب معنا .. "
قال أخي بدهشة :" حقاً ؟!! "
فتح باب المنزل و خرج من الفتى .. يكاد يموت برداً .. اقترب منا و هو يفرك يديه .. و الرياح الباردة تداعب شعره الكثيف .. خاطبنا :" برد قارص .."
ابتسم أخي .. و قال :" اللعب في وسط البرد رائع جداً "
أمسكت أنا بذراع الفتى و قلت مشيرة للكرة :" هيا ألن تعلب ؟!! "
أشار بوجهه سلبياً .. و قال و هو يتجه نحو أحدى الأشجار:" لا .. سأراقبكما فقط .. "
جلس مستنداً على الشجرة و قال و هو يواصل فرك يديه المتجمدتان بعضهما البعض :" يكاد جسدي يتجمد "
ضحك أخي و حمل الكرة و ركلها .. و بدأت أنا ألعب معه بكل حيوية .. و الفتى يراقبنا ..
إلى أن سجلت أنا هدفاً .. قفزت بفرح :" هدف .. هدف "
نظرت للفتى .. ينظر لي مبتسماً .. و شفتيه شديدة الاحمرار و وجنتاه أيضاً بسبب البرد..لقد نسى البرد و بقي يراقب لعبنا ..واصلنا أنا و أخي اللعب .. و الفتى يراقبنا .. و الابتسامة الرائعة لا تفارق وجهه الناصع البياض ..
رمى سامر بنفسه على الأرض لأخذ بعض الراحة .. و اتجهت أنا نحو الفتى و جلست بجانبه ..
قلت بمرح :" ما رأيك بلعبي ..؟!! "
ابتسم ..و قال :" أنتِ ماهرة "
ابتسمت أنا .. من بعيد يركض الكلب نحونا .. أنه كلب لطيف .. و لكن لحظة ..!
الفتى يخاف الكلب .. رباه ..
يقفز الكلب نحونا .. و يقع في حضن الفتى .. نظر الفتى للشيء الثقيل الذي وقع على ساقيه فجأة ..
صرخ :" أهذا المخلوق القذر ؟!! مجدداً ؟!! "
دفع الفتى بيديه الكلب باشمئزاز.. و نهض و مشى نحو المنزل .. ثم استدار لنا و قال بغيظ :
" هذا مقلب لي إذاً ؟!! "
و عاد و متجهاً نحو المنزل .. خاطبني أخي :" ما به ؟!! "
" يظن أننا استدعيناه لهنا لكي نوقع عليه الكلب .. "
و نظرت للكلب بغيظ :" كانت أمسية رائعة .. و لكن هذا الكلب أفسد كل شيء ؟!! "

++++

و لكنها كانت أمسية رائعة حقاً.. و قد قضيت وقتاً رائعاً باللعب .. بمجرد أن الفتى كان يراقب لعبي ..
و قد مدحني و أطلق علي لقب " الماهرة "




يتبع >>

الغزال العنيد
14-04-2006, 03:26 PM
تسلمييييييييييين ع الجزء

نتريا التكمله

بنووتة
14-04-2006, 04:05 PM
الجزء كان روووووووووووووووعة نتريا التكملة

عذووب
16-04-2006, 09:40 AM
الجزء التاسع عشر
أني بدأت أشفق عليه

في اليوم التالي .. كنت جالسة مع الفتى في غرفته بعدما عدت من السوق ..لشراء الملابس الشتوية.. كنت أحادثه عن ما يحدث لي المدرسة .. من إساءات من الطالبات .. و لكنه يبقى صامتاً و سارحاً دون أن يبادلني أطراف الحديث ..
أختي الصغيرة هدى تحوم في الغرفة و هو يراقبها .. إلى أن فتحت هي أدراج خزانته .. و أخرجت منها بنطالاً أسوداً ..صرخت أنا بها :" هدى .. كفاك تطفلاًً "
ابتسم الفتى من ناحية أخرى لدلال أختي .. فقد أخذت تركض في الغرفة و هي تسحب من ورائها البنطال ..
إلى أن سقطت ( ساعة كحلية اللون ) من جيب البنطال .. أسرعت هدى بالتقاطها .. و تركت البنطال و ركضت هاربة ..
الفتى نظر إليها و قد انعدمت ابتسامته .. ثم خاطبني :" هدية عمتي .. "
هدية عمته ؟!! أظن أنها غالية على قلبه .. لأنه يحب عمته كثيراً ..كانت هدى تحاول ارتداء الساعة على يدها و هي تقول :" رائعة " نهض هو و اقترب منها بهدوء .. و مد يده نحوها قائلاً :" أعطيني إياها "
خبأت هدى الساعة خلف ظهرها و قالت بدلال :" لا ! "
ثم ركضت خارجة من الغرفة بضحكاتٍ بريئة .. و تنهد هو :" أنا لا ألعب معكِ يا شقية "
تقدم هو خارجاً من الغرفة و أخذ يبحث عن الطفلة .. التي راحت تركض في الصالة بجنون حاملة الساعة ..
اتجه نحوها .. كانت تحوم حول الطاولة التي تتوسط الصالة و على المقاعد كان يجلس سامر ..
عاد خالد ليمد يده نحو الطفلة و هو يحفظ هدوء أعصابه .. خاطبها بلطف :" أيتها الجميلة .. أعطيني الساعة "
و عادت هي لدلالها و مالت بجسدها مخبئة الساعة خلف ظهرها :" لا ! .. لا "
قطب حاجبيه و نظر للطفلة بنظرات حادة قاصداً إخافتها :" أعطيني إياها .. "
و لكنها مصرة على عدم إعطاءه الساعة .. تنهد ..:" مدللة .. "
ركضت إلى ناحية أخرى .. عض هو شفتيه .. و اتجه نحوها حيث كانت تستند على الجدار و تتأمل الساعة ..
انحنى لها .. فخبأت هي الساعة وراء ظهرها .. فحاول هو مجاراتها ..
فخاطبها بلطف :" ألا تحبيني يا صغيرة ؟!! "
أشارت بوجهها سلبياً ..:" لا ".. و أخذت تضحك ..
و قهقه وراءها سامر .. و هذا ثار جنون خالد .. أدار برأسه نحو أخي بنظرة حادة ..
ثم عاد ليزمجر بهدى بغيظ .. :" أعطيني الساعة و إلا "
ارتعبت الصغيرة و رمت بالساعة تحت قديميها و داست عليها حتى حطمتها و ركضت نحو سامر خائفة ..
ارتمت في أحضانه خوفاً من الملك .. و هو نظر لساعته المحطمة بغيظ .. ثم نظر لأختي بنظرات تثير رعبها فبدأت بالبكاء .. و شدت قميص سامر مخبئة رأسها في صدره.. سامر بدأ بمشاجرة الفتى ..
" هذه طفلة أيها القاسي .. لمَ تعاملها هكذا ؟!! "
انتقلت نظرات الملك الغاضبة إلى سامر و تحولت لسخرية :" و ماذا بعد يا سيد سامر "
صرخ سامر بغيظ :" أتسخر مني ؟!! أيها المغرور المتكبر "
و انطلق سامر نحوه لتبدأ معركة عنيفة بينهما .. و الطفلة تصرخ خوفاً ..
يشد سامر قميص الفتى .. و الفتى يدفع عنه أخي بقوة .. و يعود أخي لشد قميص الفتى .. كنت خائفة جداً .. فكلاهما يشتعلان غيظاً ..و ها هو أخي يغزر ظفره الطويل في وجه الفتى .. و الفتى يقبض على يد أخي يحاول إبعاده عنه ..صرخت أنا و صرخت هدى .. حتى سمعنا صرخات أمي :" ما هذا ؟!! ماذا يجري ؟!! "
تسمر الاثنان في مكانهما .. و كأنهما تحولا لتمثالين .. ترك الفتى يد أخي و أخي ترك قميص الفتى ..
فاقتربت أمي منهما .. لتفحص الكدمات التي على أذرع أخي و وجهه و الخدوش الغزيرة التي علت وجه الفتى ..
وقفت أمامهما و صرخت :" لمَ تتعاركان ؟!! "
قبل أن ينطق الفتى أسرع أخي بالدفاع عن نفسه :" أمي .. الفتى صرخ بوجه أختي و أرعبها .. حتى بكت "
استدارت أمي لترى أختي المرعوبة تبكي ..فأكمل أخي :" و سخر مني أيضاً "
توجهت أنظار أمي للفتى و خاطبتها بحيرة :" لماذا ؟؟!! "
انحنى الفتى لالتقاط ساعته المكسورة و رفعها أمام أمي و أجاب ببساطة :" ساعتي "
صرخت أمي :" أتفعل هذا كله لأجل ساعة ؟!! "
هزّ رأسه ايجابياً ..

هنا ارتفعت شهقات أختي المسكينة المرعوبة .. فزادت أمي غيظاً ..
حتى رفعت يدها لتصفع الفتى ..احمر خده .. وضع يده على خده مصدوماً .. و بعد فترةٍ همس :" آه "
و كأن تلك الصفعة المؤلمة سلبت منه القدرة على مشاجرة أمي ..
صرخت أمي به :" وقح .. أتحسب أننا سنصمت على ما تفعله .. ؟!! "
بأسى أطال النظر لأمي و هو يعض شفتيه ..ثم انتقلت أنظاره لسامر .. ثم لي .. ثم للصغيرة .. ثم للساعة التي بيده ..
دفعته أمي إلى الخلف بقوة .. كادت أن تسقطه على الأرض .. صرخت به و هي تشير إلى غرفته :
" أذهب .. و لا أريد رؤيتك أيها الدخيل المتكبر .. العاق المجرم "
و بقت أمي تقذف كلماتها الجارحة كالقنابل على ذلك الفتى المصدوم ..
استدار و مشى ببطء نحو غرفته .. و قبل دخوله غرفته .. ألقى علي نظرة عتاب عميقة ..
ربــاه ..!

==

اقترب موعد عودة والدي من عمله ..فازداد خوف أمي من أن لو أخبر الفتى والدي بما حدث ..
سيغضب والدي منها كثيراً .. أمي جهزت طبق لبيتزا شهية ..و اتجهت نحو غرفة الفتى .. هل ستعتذر منه ؟!!
لم تطرق الباب بل فتحته و دخلت الغرفة .. حيث كان الفتى كالعادة مستلقٍ على سريره و لكنه هذه المرة يتظاهر بالنوم ..
اقتربت أمي منه .. و وضعت الطبق على الطاولة المجاورة للسرير .. و هي تقول مبتسمة:
" أعلم أنك مستيقظ .. أنك لا تجيد التمثيل "

فتح الفتى عينيه .. ثم أشاح بأنظاره عن أمي ..فقالت هي :" لست آتية لأعتذر لك لكي تشيح بوجهك عني .. عزيزي .. أنا آتية لأقول لك .. لا داعي لتشكوني عند زوجي ..و إلا سوف سأريك من أنا .."

هنا شعر الفتى بقلق و خوف غريب .. أغمض عينيه يتهرب من أمي .. و لكنها سحبت اللحاف و أمسكت بيده:
" انهض .. و أخرج من غرفتك هذه ,, و لا تحسس زوجي أن شيئاً حدث اليوم .. أفهمت ؟!! "

صمت الفتى لبرهة و هو يشيح بنظراته عن أمي في قلق و خوف .. ثم هز رأسه مستسلماً ..
أيعقل !! الملك يستسلم أمام والدتي .. ؟!!

ابتسمت أمي بمكر .. ثم قالت :" ستتناول غداءك معنا "

و هز الملك رأسه ايجابياً ..

أتصدقون ؟!!

خاطبته أمي بقسوة نادرة :" انهض .."

و نهض بسرعة ..!!

و أمرته أمي حيث قالت :" اتبعني "

و مشت خارجة من الغرفة .. و هو يمشي خلفها ..

ما الذي جعله ينقلب مئة و ثمانين درجة .. من الكبرياء إلى الخضوع ,,؟!!

و في المطبخ يختار الفتى له مقعداً و يجلس .. و سامر بالمقابل في قمة الدهشة .. أمي تضع الصحون على الطاولة .. و ها هو صوت والدي .. أظنه عاد من عمله ,,تخرج أمي من المطبخ لترحب بوالدي بكلمات الغزل تلك .. ثم تدعوه لتناول الغداء ..
و عندما طل والدي على المطبخ .. رأى الفتى يجلس على أحد المقاعد بهدوء ..
يتقدم والدي بدهشة تجاهه .. و يهتف :" بني .. هل ستتناول الغداء معنا ؟!! "
يهز هو رأسه ايجابياً دون أن ينظر لوالدي .. بدعابة يعبث والدي بشعر الفتى و يقبله .. فوالدي يحبه كثيراً ..
يجلس والدي على مقعده و أمي تجلس مكانها .. و نبدأ بتناول الطعام ..
حتى خاطبنا والدي :" سوف أسافر بعد يومين إلى البلاد المجاورة لمدة أسبوعين فقط .. "
كنا متعودين على سفر والدي المتواصل .. و لكن الفتى حملق بوالدي لبرهة .. ثم همس :" ستسافر ؟!! "
هزَّ والدي رأسه بابتسامة :" نعم عزيزي .. و سوف أعود بعد أسبوعين "
نظر الفتى لأمي .. ثم عاد يحملق بوالدي و قال باستنكار :" و تتركني ؟!! "
استغرب والدي ثم قال :" ستبقى مع أم سامر و زينة و سامر و هدى .. "
أخذ الفتى يضيّق فتحة عينيه منزعجاً ..ثم رمى بالملاعق و نهض :" تباً "
و خرج من المطبخ .. و هذا ما أقلق والدي ..

=

مر اليومين بسرعة .. حتى سافر والدي ..
الآن أمي تستقبل جارتنا القديمة التي كانت مسافرة لبلد آخر .. و ها قد عادت ..ضحكت أمي في وجهها :
" مرحباً أم ناجي .. لقد اشتقنا لكِ كثيراً "
جلست أم ناجي على المقعد و ضحكت :" و أنا أيضاً اشتقت لكم "
جلست أمي بجانبها .. فسألتها :" ما أحوالكِ الآن ؟!! "
تنهدت أمي :" أبا سامر جاء بان صديقه إلى هنا .. ليعيش معنا قليلاً ثم يرحل للعيادة.. يقول أنه مريض نفسي .. و لكني لم أرَ في حياتي طفلاً مريضاً كهذا .. متكبر .. مغرور .. يسبب لي الإزعاج .. و لا أدري كيف أتعامل معه .. أنه عبئ علي "
قالت أم ناجي :" أتسمحين له أن يتكبر و هو ضيف في منزلك ؟!! "

" ماذا أفعل .. لقد حدث ذات يوم أنه أسقط قالب الكعك عمداً .. و دعاني بالعجوز و أيضاً اليوم صرخ بوجه ابنتي الصغيرة حتى أرعبها ..و تعارك مع ابني سامر حتى سبب له كدمات واضحة على وجهه و ذراعيه "

شهقت الجارة :" و تستكين ؟!! "

" لم أسكت .. بل باغته بصفعة قوية "

" فقط ؟!! "

" ماذا أفعل .. أنه مريض نفسياً .. "

" لقد حدث أن زوجي أبا ناجي .. جلب لي خادمة متكبرة و ترفض العمل أحياناً .. فاستعملت لغة الضرب لتأديبها.. و فعلاً .. أفادني هذا الأسلوب كثيراً"

حملقت أمي بها باستغراب :" و هل تريدين مني ضرب الفتى لتأديبه .. أتمزحين ؟!! "

" و لمَ لا .. ؟!! "

" الفتى مريض نفسياً يا أم ناجي .. "

" أنه مريض نفسياً .. و ليس مريض جسدياً .. و إن أخفته قليلاً بالضرب .. سوف يكون كالخاتم في يدك "

" اليوم عندما صفعته .. بدا لي خائفاً جداً مني .. أظن أن نفسيته ستسوء إذ فـ... "

قاطعتها جارتنا :" جربي فقط بالحزام الجلدي .. حاولي إخافته لكي يترك تكبره و يبقى خاتماً في يدك "

كانت أمي مترددة .. و ها هي أم ناجي تقف قائلة :" حسناً .. أنا سأتركك الآن .. و لكن لا تنسي .. إذ احتجتِ شيء .. أنا حاضرة .. لاسيما أن زوجك مسافر .. "

ابتسمت أمي و نهضت و أوصلت المرأة حيث الباب .. ثم اتجهت نحو غرفتها ..
و أنا خرجت من المنزل بعدما ارتديت معطفي .. لأرى الفتى و أخي يتعاركان من جديد .. رباه ..
اقتربت منهما .. حيث كان أخي يصرخ بكل قوته بوجه الفتى :
" أنت يجب أن تفهم أنك ضيف في منزلنا .. ضيف .. و ضيف ثقيل أيضاً "
و من طرف آخر يزمجر الفتى :" و من قال أني أريد العيش معكم أصلاً ؟!! "
" لمَ تعاملني هكذا ؟!! أنا لا أفهم .. "
و يستمر الشجار .. هذا يصرخ و هذا يصرخ .. إلى أن تحول الشجار من شجار كلامي إلى شجار حقيقي ..
بدآ في العراك .. و أظن أنهما لن ينتهيا .. حاولت إيقافهما و لكن لا جدوى ..
ركضت نحو المنزل .. نحو غرفة أمي .. فتحت الباب بقوة و صرخت بأمي التي تسرح شعرها ..:
" أمي .. الفتى و سامر .. يتشاجران !! "
صرخت أمي :" يتشاجران ؟!! "
" نعم .. في الخارج .. "

نهضت أمي مسرعة .. و لكنها توقفت لبرهة .. استدارت للخزانة .. اقتربت منها ..
و فتحتها و أخرجت منها حزام جلدي .. خاص لوالدي .. رباه .. ماذا تنوي أمي ؟!!
ثم لفت على رأسها خماراً ..و ركضت خارجة من غرفتها .. و نزلت عتبات السلم بسرعة .. و عبرت الصالة حتى وصلت لباب المنزل..فتحت الباب بقوة و اندفعت لترى الاثنان على حالهما السابق .. يتشاجران بكل عنف
صرخت بكل قوتها .. لتوقف شجارهما الحاد ذاك ..
التفت الاثنان لها .. هي اقتربت قليلاً منهما .. و صرخت :" مجدداً "
و انطلق سامر للدفاع عن نفسه :" أمي.. أنه .. "
قاطعته أمي:" أسكت أنت "
و اقتربت من الفتى الذي ظل صامتاً منكس الرأس ..مدت يدها و قبضت قميصه بعنف و خاطبته:" متوحش ! "
ثم أبعدت يدها عنه و همست :" اتبعني "
و استدارت ناحية المنزل حاملة الحزام .. و رمق الفتى أخي بنظرات حادة جداً .. و همس :" سأريك "
و لحق بأمي .. و ها هو سامر يصدر قهقهة ساخرة :" لنرى ماذا ستفعل .. "
دخلت أنا المنزل و طللت على المطبخ .. حيث كانت أمي تقف أمام الفتى حاملة الحزام .. :
" قل لي .. لماذا أنت متوحش هكذا .. و تحقد على ابني رغم أنه لم يفعل شيئاً لك "
كان الفتى ينكس رأسه بصمت .. أردف بهمس :" هو يتحرش بي .. "
" و تقوم بضربه ؟!! "
" هو أيضاً ضربني "
رفعت أمي الحزام .. :" كلامك هذا لا يعني لي شيئاً .. و بما أنك آذيت ابني للمرة الثانية .. ستعاقب ..! "
رفع الفتى رأسه مصدوماً .. نظر للحزام الذي بيد أمي .. ثم نظر لأمي بخوف :
" لا تقولي أنك سوف تعاقبيني بالحزام "
هزت أمي رأسها .. و بعد ذلك سددت ضربة قوية على كتف الفتى إلى صدره ..
صُدم الفتى لقوة تلك الضرب .. و لم تكن ضربة واحدة .. بل تلتها ضربات ..فانحنى الفتى بسرعة و جلس على الأرض مخبئاً رأسه تحت ذراعيه يحتمي من تلك الضربات .. و أمي لا تتوقف ..كانت توجه ضربات متتالية على ظهر الفتى و رقبته ..
ركضت خارجة من المنزل و صرخت بأخي الذي يلاعب كلبه :" سامر .. سامر .. "
اقترب مني :" ماذا ؟!! "
قلت بخوف :" أمي تبرح الفتى ضـــرباً "
ركضت إلى الداخل صارخة بأخي :" اتبعني "
ركضت نحو المطبخ و لكني صادفت الفتى يركض خارجاً من المطبخ متجهاً نحو غرفته ..
دخل غرفته و أغلق الباب بقوة .. فركضت نحو غرفته بقلق .. فتحت الباب .. لأراه يتمدد من جديد على سريره ..و غطى جسده بالكامل باللحاف .. اقتربت منه لأسمعه و هو يلهث ..
خاطبته بقلق :" أيها الفتى .. "
و لم يجيبني ..
" خالد "
و لازال صامتاً ..
" أيها الملك "
لا حياة لمن تنادي .. يظل يلهث .. مطلقاً زفرات عميقة ..
خرجت من الغرفة .. متجهة نحو أمي التي كانت في المطبخ .. علقت الحزام على المسمار الذي يتوسط الجدار ..
و ابتسمت و هي تنظر له :" كلما تمرد عن أمري .. سأصعقه بالحزام "
لم أستطع الصمت .. فاقتربت منها و قلت بعتاب :" أمي هذا لا يجوز .. "
نظرت لي و قالت مستغربة :" و ما الذي لا يجوز .. هو تعدى على ابني فيحق لي معاقبته "
" و لكن أمي .. سامر أيضاً آذى الفتى .. كلاهما أخطأ .. كيف لكِ أن تعاقبي الفتى دون معاقبة سامر "
حاولت أمي تجاهلي لعدم تمكنها من إجابتي ..فأخذت تعد طعام الغداء ..حتى انتهت من ذلك..ذهبت أمي لمناداة أخي لتناول طعام الغداء .. و ها هي تصعد السلم لمناداة الفتى ..لحقت وراءها.. دخلت هي غرفته حيث كان يغطي جسده باللحاف و نائم .. اقتربت أمي منه قليلاً ..وقفت تتأمله .. ثم أزاحت عن رقبته قميصه لترى الاحمرار الملحوظ ..ثم عادت تتأمله .. و بعد ذلك .. غطته جيداً باللحاف ..و خرجت من الغرفة ..
فبقيت أنا أتأمل الفتى .. أني بدأت أشفق عليه ..

==

مرت الأيام و مرت الاختبارات و استلمنا نتائجنا اليوم .. عدت مع أخي من المدرسة ..
نتيجتي ؟!! لا تسألوني عنها .. نتيجة أخي ؟!! أيضاً لا تسألوني عنها ..
كنا خائفان من أمي كثيراً و خصوصاً أنها عصبية .. عندما وصلنا للمنزل .. صادفنا أمي ..
خرجت من المنزل و هي تضبط خمارها و قالت لنا :
" ادخلا المنزل .. سأذهب لشراء بعض الحاجيات و آتي فوراً "
دخلت مع سامر الذي تنهد :" الحمد لله .. لم تسألـــــــنا عن نتائجنا "
" ستسألنا عاجلاً أم آجلاً "

دخل سامر المطبخ و هو يرمي حقيبته فوق طاولة الطعام متجاهلاً وجود الملك .. يجلس على أحد المقاعد و يحتسي الشاي .. جلس سامر على أحد المقاعد و أخرج شهادته من حقيبته .. و تنهد و هو ينظر إليها :" رباه .. ما هذه النتيجة ؟!!"
ابتسم الفتى .. و سأل سامر ببعض السخرية :" ما هي نتيجتك ؟!! "
اشتعل سامر غيظاً .. لاسيما أنه مقهور من درجته المتدنية هذه .. صرخ :" و ما دخلك أنت ؟!! "
ظل الفتى يبتسم ساخراً .. ثم نهض حاملاً كوب الشاي و اقترب من أخي .. و انحنى ليرى علامات أخي ..ابتسم :
" هكذا إذاً .. درجاتك متدنية جداً "
اشتعل أخي غيظاً .. و نهض صارخاً بالفتى :" لا يحق لك أن تسخر من درجاتي لأنك لا تدرس .. جاهل .. تركت دراستك لتبقى عبئاً علينا جميعاً "
انعدمت ابتسامة الفتى و تحولت ملامحه إلى الغضب.. صرخ بأخي :
" أنا لم أكن أجلب لوالدي نتائج متدنية كنتائجك هذه .. لو أكملت دراستي لأصبحت أفضل منك بكثير "

و هنا اشتعل أخي .. و لكن الفتى فعل شيئاً أثار جنون أخي أكثر .. فقد سكب الشاي الساخن على قدمي أخي ..
و هنا ( بالطبع ) يبدأ عراكهما الطويل الذي لا ينتهي .. و يبدو أنه لن ينتهي ..لأن أمي خارج المنزل .. و لا أحد يستطيع إيقافهما ..
كنت مرتكبة .. و خائفة .. و ها هي أختي هدى تستيقظ من نومها و تأتي لتشاهد هذا العراك العنيف ..
استمر العراك فترة طويلة .. كُسرت أواني كثيرة .. و تبعثرت المقاعد هنا و هناك ..و الذي أخافني أن الفتى كاد ينفجر غيظاً .. و كما تعلمون هو أكبر من أخي بسنتان .. و طبعاً أقوى منه .. فقد كان يرطم أخي المسكين بالأرض بقوة .. و أخي يصرخ .. و أنا لا أستطيع فعل شيء ..و أختي تكاد تموت خوفاً..
و هنا التقط الفتى سكيناً كبيرة .. و حاول بها قتل أخي .. رباه .. رباه .. هل يريد أن يجدد جرائمه في أسرتنا ؟!!
لا ! .. لا!!

سدد الفتى السكين نحو وجه أخي فخدشه .. فصرخت أنا رعباً .. و لم يكتفِ هذا المجرم ..بل استمر بخدش أخي في صدره و ذراعيه و حتى رقبته ... رباه .. لن يتركه .. سوف يقتله بالتأكيد ..هنا استرجعت كل لحظاتي الرائعة مع أخي .. نلعب .. نلهو .. نتشاجر .. نتعارك .. نبكي .. نضحك.. كنا ثنائي رائع .. لا أصدق أني سأفارقه ..!!

و ها أنا أسمع ضحكات أمي .. :" تفضلي يا أم ناجي .. تفضلي "


صرخت بقوة :" أمـــــــــــــــــــــــي !! "
و لحقت صرختي تلك بكاءاً طويلاً ..

=

أخي المسكين .. يتمدد على سريره و يئن بألم .. تحاول أمي تهدئته .. بينما كانت أم ناجي تداوي جرح صدره العميق و أذرعه و وجهه أيضاً .. و بعض الخدوش السطحية ..
أمي صرخت بي :" أين ذلك المتوحش ؟!! "
أعقبت :" في غرفته .. "
ضمت أمي رأس سامر إلى صدرها .. و قبلت جبينه بحنان .. :
" لا تخف عزيزي .. لن أتركك مرة أخرى ..ستبقى في ظل حمايتي من ذلك المتوحش "
و المسكين أخي يقبض بيده يد أمي و يئن :" أمي .. أمــــــي .. "
إلى أن هدأ أخي و غط في النوم .. يؤسفني أمره كثيراً .. لا أريد رؤيته على هذا الحال .. تعودت أن أراه نشيطاً .. مرحاً .. لا عليلاً مريضاً ..

نهضت أمي و جارتنا أم ناجي بهدوء .. و خرجنا من غرفته .. حيث بدأت تلك الجارة بالصراخ بوجه أمي :
" لا تقولي لي أن ضيفكم فعل هذا بابنكِ "
هزت أمي رأسها .. فصرخت أم ناجي :
" و تستكين ؟!! كاد أبنك أن يموت لولا رحمة الله"
حملقت أمي بالجارة .. ثم بدا في عينيها الغيظ .. و الشرر ينفلت من مقلتيها ..
اتجهت نحو المطبخ و دخلته .. ثم خرجت بيدها الحزام .. رباه .. صرخت :" أمي لا .. الفتى لا يتحمل "

وقفت أمامها أصدها .. :" أمي .. الفتى يتعرض لضغوط نفسية من جميع الاتجاهات .. من جهة أسرته .. و من جهة العيادة .. و من جهتنا أيضاً .. أمـي .. لا تظني أن هذه وسيلة لتأديب الفتى .. بل أنها أسرع وسيلة لتسوء نفسيته أكثر .. لا تنسي أمي أن والدي أوصاك به .. و لا تنسي أيضاً أنه أمانة .. و لا تنسي أنه وحيد هنا "

هنا خفضت أمي رأسها .. و الأخرى جارتنا بدت خجلة من نفسها لأنها تحرض أمي لفعل الخطأ ..أعادت أمي الحزام لمكانه .. و جلست مع جارتنا في الصالة ..و بدأت تحادثها ..أما أنا ركضت نحو غرفة الفتى .. منذ أن فعل فعلته تلك .. حبس نفسه في غرفته ..
فتحت الباب بهدوء .. الغرفة مظلمة ..و أشعة الشمس لا تكاد تسلل من بين الستائر..
اقتربت قليلاً من السرير .. تحسست بيدي الجسد المستلقي على السرير و المغطى باللحاف ..
و ها أنا أسمعه يلهث خوفاً .. أهو خائف من أمي ؟!!
همست :" لا تخف .. أنا زينة .. و أمي لن تفعل بك شيئاً صدقني "
و لازال صامتاً ..و لكني فوجئت .. بعد ثوان نهض الفتى بسرعة .. انطلق نحو النافذة و فتحها على مصارعيها..
وضعت يدي أمام عيني أحتمي من أشعة الشمس المفاجئة.. بعد ثوان فتحت عيني لأراه يقدم على جريمة حقيقية في حق نفسه ..

الانتحار ..







يتبـــــع >>

بنووتة
16-04-2006, 02:50 PM
حرااااااام لا ينتحر كله و لا خالد

مشكورة عالجزء نتريا التكملة

عذووب
17-04-2006, 10:53 AM
الجزء العشرين
العودة

مال الفتى بجسده إلى خارج النافذة الكبيرة تلك .. و ها هو يغمض عينه و يهذي بكلمات لا أفهمها ..
و بعد ذلك .. أنه يسقط من الطابق الثاني إلى الأرض .. أنه ينتحر .. أنه يقوم بجريمة شنيعة ..
وجدت نفسي ممسكة بالفتى .. أغلفه بذراعي .. أصرخ :" أرجوك لا ! .. كفاك جرماً .. لا تفقد أملك في الحياة "
أجبرته على الابتعاد عن النافذة .. و عندما استلقى على سريره .. أحكمت أنا إغلاق النافذة .. النافذة .. خطر كبير على خالد ..
جلست بقربه حيث كان يتحاشى النظر إلي .. وجدت نفسي أصرخ به :" مجنون .. مجنون .. ما الذي يجبرك على فعل هذا بنفسك .. فلتعلم ..! أنك تعذب نفسك بكل ما تفعله من إساءة للآخرين .. أراك كئيباً لأنك تفعل هذا .. لو نفضت هذه الأفكار السوداء .. لشفيت من مرضك النفسي هذا .."
همس :" أخرجي "
صرخت :" لا ! لن أخرج .. لأنك مجنون .. سأخبر والدي بما تفعله يا هذا "
اقتربت منه و صرخت :" و سوف أخبره أنك آذيت أخي .. و سأخبره أنك تشاجره دائماً و سأخبره .... ... "
صمتت .. فقد رأيت شيئاً جديداً في خالد .. دموع ؟!! هل يملك هذا الملك دموعاً ..
اقتربت منه أكثر .. حيث كان يشيح بوجهه عني .. خاطبته بلطف :
" أرجوك لا تبكي .. لن أخبر والدي بشيء فقط لا تبكي "
=
بعد أيام من صمت الفتى المتواصل .. و بعد أن عاقبتنا أمي بعدم مشاهدة التلفاز بسبب درجاتنا المتدنية ..
ها قد عاد والدي من سفره .. رميت بجسدي في حجره .. كم اشتقت له ..هذه المرة بالذات .. اشتقت لوالدي كثيراً أكثر من كل مرة ..لأن حدثت أحداث كنا بحاجة لوجود أبي معنا ..
و لكني أخبرته بمحاولة انتحار الفتى .. فكان ذلك خطيراً جداً عليه ..
ها هو والدي ينطلق نحو غرفة الفتى .. النافذة مفتوحة .. و لا أحد على السرير ..رباه ..
بعد ثوان مملوءة بالخوف همس والدي :" أين هو ؟!! "
تقدمنا نحو النافذة .. طللنا للخارج .. و هنا شهقت أنا .. أيمكن أنه .. انتحر ؟!!
بعد فترةٍ مليئة بالخوف .. سمعنا صوتاً جافاً :" ماذا هناك ؟!! "
التفتنا إلى مصدر الصوت .. كان هو .. يخرج من الحمام و يضع على كتفيه الفوطة ..
آه .. الحمد لله ..
هنا يقترب والدي منه .. و يضمه إليه ..
=
أبي الآن يجر سرير الفتى لينقلـه إلى غرفة سامر .. طبعاً .. لقد خاف على خالد كثيراً .. لذلك قرر أن ينقل سريره إلى غرفة سامر .. ذلك أفضل .. رغم أن سامر و الفتى يتشاجران دائماً ..
يقف الفتى بجانبي و هو ينظر لوالدي بغيظ .. لأنه سيرغم على مشاركة سامر غرفته ..و لا تنسوا أنه غاضب مني كثيراً .. لأني أخبرت والدي بالحقيقة..
و عندما انتهى والدي من نقل السرير اقترب من الفتى ليسحبه من يده متجهاً نحو الغرفة ..أدخله والدي الغرفة و أجلسه على سريره و قال له :" هنا ستنام من الآن فصاعدا .. و سوف أنقل خزانتك قريباً "
أدار الفتى برأسه لجهة سامر و أشار إليه بسبابته و قال مخاطباً والدي باستنكار :" أنا سأنام مع هذا ؟!! في غرفة واحدة ؟!! "
و هنا صرخت أمي :" و ماذا في ذلك؟! ألا يعجبك ابني ؟!! إذ كان لا يعجبك فأخرج من منزلي فوراً "
و خاطبها والدي :" هدئي من روعك عزيزتي .. الفتى لا يقصد ذلك "
أشارت أمي إلى وجه الفتى المستغرب و صرخت بوالدي :" هذا الفتى متكبـر .. "
تنهد الفتى بملل .. و استلقى على سريره و كالعادة يطردنا قائلاً :" أخرجوا "
فخرجنا تاركين أخي و الفتى ينامان في غرفة واحدة ..

=
في منتصف الليل أيقظني ضجيج في الخارج ..نهضت بسرعة .. و فتحت الباب لأرى أخي سامر يخرج من غرفته مسرعاً .. راكضاً نحو غرفة والدي و والدتي .. ركضت خلفه ..
طرق هو الباب بقوة .. فخرجت أمي و هي تفرك عينيها و تقول بقلق :" ماذا ؟!! ما بك ... "
قال أخي بخوف :" الفتى .. لا أعلم ماذا حدث له .. "
صرخت أمي :" ما به ؟!! انتحر ؟!! "
" لا ! لا !... اتبعيني أمي "
و هنا خرج والدي من غرفته قائلاً:" ماذا هناك "
" أبي الفتى .. "
و ما كاد أن يكمل جملته .. حتى اندفع والدي إلى تلك الغرفة و ركضنا نحن جميعاً وراءه ..فتح والدي الباب و انطلق نحو سرير الفتى و نحن خلفه ..
على السرير الفتى مستلقٍ .. يقبض بيديه الاثنتين على رأسه و يتوجع ..وجهه محمر جداً ..
اقترب والدي منه بخوف .. همس :" ما بك ؟!! "
و يزداد توجعاً ... يعض على شفتيه ألماً .. ما به ؟!!
ينظر والدي إلينا بوجل ثم يعود يغلف الفتى بذراعيه و يمسح شعره :" ما بك ؟!! "
يعض الفتى على شفتيه و يهمس بألم :" رأسي ...!!! "

و هنا يسرع والدي بمساعدة على النهوض ..يساعده على ارتداء قميصه .. ثم معطفه .. و يخرجان من المنزل فتوقفهما أمي :" إلى أين ؟!! "
" إلى المشفى "
و الفتى لازال يقبض بيديه على رأسه .. و يتوجع كثيراً .. لا أتحمل رؤيته هكذا ..

=
اتجه أخي لغرفته و النعاس بادٍ على وجهه .. أما أنا تسمرت على المقعد في الصالة .. فصرخت بي أمي :
" أذهبي و اخلدي للنوم "
" لا .. سأنتظر عودة الفتى .. "
" لن يعود الآن .. قد ينام في المشفى .."
" و ما أدراكِ أمي ؟!! الفتى لا يعاني أي أمراض جسدية "
تنهدت أمي و جلست بجانبي .. و قالت في قلق :" ماذا جرى له يا ترى ؟!! "
قلت :" أجبرتموه على النوم مع أخي .. "
ابتسمت هي بسخرية :" أتعتقدين أنه يمثل دور المريض لكي يعود ينام وحيداً ؟!! "
ماذا ؟!!!
=
بعد فترة طويلة .. كانت أمي تكاد تنام .. مسكينة هي .. مجبرة على انتظار والدي..
لقد تأخروا !!

فجأة يفتح الباب الرئيسي للبيت و يدخل والدي ممسكاً بالفتى .. نهضت و نهضت أمي..
يبدو على وجه الفتى الإرهاق .. و ها هو أبي يخاطبه بلطف :" أصعد للغرفة لتنام .. استرح و لا تفكر بشيء "
هزّ هو رأسه ايجابيا.. و اتجه نحو الغرفة .. و دخلها ..
فسألت أمي والدي قائلة :" ما به ؟!! "
جلس والدي على المقعد و أردف :
" قال لي الطبيب أن هذه نوبات تواتيه بسبب مرضه النفسي .. ربما تذكر شيئاً أثار حزنه .. و غيظه .. "
قالت أمي :" و لكنها نوبات حادة جداً .. كان يتوجع كثيراً "
" نعم .. كلما تذكر الفتى شيئاً يحزنه أكثر .. سوف يتألم أكثر.. لذلك نصحني الطبيب بعدم إغاظته "

و قال والدي موجهاً الحديث لأمي بالذات :" لذلك يا أم سامر .. كوني ألطف معه .. فما هو إلا طفل مريض "

نكست أمي رأسها .. ثم رفعته و قالت :" ماذا فعل له الطبيب ؟!! "

" لم يفعل شيئاً سوى أنه أعطاه بعض المهدئات .. و لازال رأسه يؤلمه قليلاً "

نهض والدي و خاطبني :" زينة ! أذهبي للنوم .. الساعة متأخرة .."
نهضت و قبلت والدي و والدتي و ركضت نحو غرفتي .. استلقيت على سريري ..
ترى هل لازالتِ تتوجع أيها الملك ؟!!
=

في صباح اليوم التالي .. تجمعنا حول طاولة الطعام لتناول الإفطار ..
ها هو الفتى بيننا .. تظهر هالات سوداء تحت عينيه .. المسكين .. لم ينم البارحة جيداً بسبب آلامه ..
أضحكني مظهره هذا.. شعره غير مرتب كلياً.. و من أين سيجد له وقتاً ليرتب شعره و هو تحت ضغوط كثيرة؟!
يتناول فطوره بهدوء شديد .. أمي وضعت أمامه طبقاً .. فرفع هو رأسه و نظر لها .. هي ابتسمت له و مسحت شعره .. أظن أنها أدركت أنه مسكين .. يحتاج لمن يساعده .. لا يعاكسه ..
عندما انتهينا من تناول الطعام .. نهض سامر و قال لي :" زينة دعينا نلعب قليلاً "
هززت رأسي ايجابياً .. ثم قلت :" و لكن لماذا لا يشاركنا الفتى اللعب ؟!! "
و أشار أخي إليه و قال :" أطلبي منه ذلك "
اقتربت منه حيث كان يراقب والدي كيف يداعب الصغيرة هدى في صمت ..
أمسكت يده و قلت في مرح :" هيا .. تعال ألعب معنا "
نظر لي بانزعاج شديد .. و حاول سحب يده من قبضة يدي .. و لكني سحبتها قائلة :" هيا ! أنهض .. "
همس منزعجاً :" أوه.. اتركيني "
و لكني كنت مصرة .. فسحبت يده أكثر حتى صرخ بي أبي بقوة :" زينــة ..! "
تسمرت بخوف .. و صرخ والدي بي :" الفتى متعب ألا تفهمين ؟!! دعيه هيا "

تركت يد الفتى ( المتعب ) .. و ركضت مع أخي سامر خارج المنزل لنعلب ..
و لأننا في إجازة .. فلا شيء يوقفنا .. نلعب و نلعب و لا نتعب .. حتى الكلب تعب .. و نحن لم نتعب بعد ..
حتى خاطبني أخي و هو ينظر لساعة يده :" أوه .. زينة .. لقد استغرقنا وقتاً طويلاً في اللعب "
" هيا .. ألن تكمل ؟!! "
قال مشيراً برأسه بالنفي :" لا .. لقد تعبت ..! "
و مشى متجهاً نحو المنزل .. ركضت خلفه و خاطبته :" هل أصبحت بخير ؟!! "
ابتسم في وجهي :" نعم .. لم أعد أشعر بأي ألم "
ركضنا نحو المنزل و دخلنا مصدران ضجيجاً .. فخرجت أمي من المطبخ و وضعت سبابتها أمام فمها عمودياً :
" شششش .. الفتى نائم "
أشارت إلى الفتى المستلقي على الأريكة و غاط في نوم عميق .. و ها هي تقترب منه حاملة لحاف و غطته جيداً و خاطبتنا بهمس :" الفتى متعب .. ألا تفهمان ؟!! "
نظرت له و قلت :" و لكن لماذا ينام هنا ؟!! "
اقتربت أمي منا و همست :" نام هنا و انتهى الأمر .. هيا ابتعدا و ألعبا في مكان آخر .."

=

الإجازة هي جميلة أحياناً .. و لكنها مملة أحياناً أخرى ..
ها هو والدي يعود من عمله و يجلس على أحد المقاعد ليتأمل النائم على الأريكة .. أنه إن نام لا يستيقظ أبداً..
جلست بجانب والدي و همست :" أبي ! "
التفت لي :" ماذا "
" ملل .. "
ابتسم و قال :" عزيزتي .. سوف يقام مهرجان غداً .. و لن تشعرين بالملل .."
قلت بفرح :" مهرجان ؟!! أين ؟!! "
" في الساحة المقابلة لمتجر الحلوى .. سوف تلعبون و تمرحون و تشترون و كل شيء .. "
أشرت للفتى :" و الفتى ؟!! سيأتي معنا ؟!! "
" بالطبع عزيزتي .. جميعنا سنستمع في المهرجان "

قفزت من الكرسي و أسرعت لإخبار أخي ..

في المساء ..يغطي والدي الفتى جيداً و يقبل جبينه و يقول له :" لا تفكر في شيء .. نم بهدوء .."
في طرف آخر أخي غارق في النوم .. يخرج والدي من الغرفة .. فيستوي الفتى على سريره و يسند رأسه للخلف و يغمض عينيه و يعود ليفتحها .. و الحزن باد على ملامحه .. اتجهت نحو غرفتي خلدت للنوم ..

في اليوم التالي ها هي الاستعراضات و الألعاب و الفرح و المرح في تلك الساحة .. ينطلق أخي بفرح نحو أحدى الألعاب الالكترونية .. و والدي و أمي يقلبون في الحاجات المعروضة للبيع ..
آه مهرجان رائع .. هناك من يعزف ..و هناك من تنثر الورد علينا و هناك و هناك ..كم هذا رائع ..

" الدنيا تغرق ..! "

التفت إليه .. الفتى .. يقف يحملق بالناس بنظرة غريبة .. خاطبته :" ماذا تقصد ؟!! "
تنهد بعمق و أشار لجميع الناس :" أنهم يغرقون و هم لا يعلمون ؟!! "
قلت مستغربة :" يغرقون ؟!! "
تقدم هو نحو بائع الحلوى .. الذي يوزع الحلوى على الأطفال ..أبعد الفتى الأطفال عن طريقه و عندما بلغ البائع ..ضرب بقبضة يده الطاولة فسقطت علبة الحلوى على الأرض و تناثرت الحلوى هنا و هناك ..
همس بغيظ موجهاً حديثه للبائع :" توقف عن هذا "
البائع يشتعل غيظاً .. أمسك بذراع الفتى و صرخ به :" كيف تجرؤ ؟!! "
ردد ذلك المجنون عبارته بنظرة عميقة :" توقف عن هذا "
" و من أنت أيها الفتى .. أذهب و ألعب بعيداً .. "
و ها هو سامر ينطلق نحوه ليسحبه.. و لكنه مصر على مشاجرة الرجل .. همس و هو يعض شفتيه :
" أنت لا تفهم "
صرخ البائع :" و من الذي يفهم أيها العبقري ؟!!"
و هنا أخرج البائع علبة حلوى أخرى ليوزعها على الأطفال .. فأوقفه الفتى :" توقف .. قلت لك توقف عن هذا "
صرخ الرجل موجهاً حديثه للناس :" من والد هذا الفتى ؟!! فليأتِ و يأخذه و إلا.... "
نكس الفتى رأسه و همس :" لن يأتِ .. لأنه مات .."
صُدم البائع .. و هنا ابتعد الفتى عن حشد الناس و جلس على العشب مبتعداً عن موقع المهرجان ..
ركضت نحوه .. جلست بجواره .. نظرت له .. ينكس رأسه بحزن ..خاطبته بحيرة :
" ما بك ؟!! أحياناً جنون و أحياناً حزن .. أحياناً غضب و أحياناً تعب .. "
نظر لي بابتسامة ساخرة .. ثم همس :
" من حقكم أن تلقوا بي في تلك العيادة النفسية .. لأنكم لا تفهموني و لن تفهموني "
" ما الذي لا نفهمه .. وضح لي .. "

تنهد بعمق .. ثم استلقى على العشب و أغمض عينيه ..

=
في اليوم التالي .. اصطحبنا والدي إلى أحد الأسواق لشراء ما نحتاجه ..و تركنـا أمـي و الفتى في المنزل .. لم ننتهي من التسوق إلا في وقت متأخر .. الساعة التاسعة ليلاً.. عدنا للمنزل بينما كان البرد قارصاً ..
دخلت المنزل .. و أخذ أبي ينادي أمي .. خرجت أمي من المطبخ باسمة :" العشاء جاهز "
جلست على مقعدي و جلس سامر على مقعده و هدى اختارت مقعدها بقرب والدتي و بدأنا في تناول العشاء ..
و سامر أخذ يحدثني عن الفتيان الذين يتعرضون له في المدرسة .. بدت لي حياته في المدرسة كئيبة فهي شبيهة بحالي أنا ..طبعاً .. إذ كنت طالباً موضع سخرية .. ستتألم جداًَ ,,
المدرسات تسخرن مني.. و الطالبات أكثر .. يحاولن إحراجي قدر الإمكان ..
سامر يتألم جداً عندما يظهر ضعيفاً أمام حشد الطلاب الذين يندفعون نحوه لضربه .. و ليثبتون له أنهم أقوى منه و هو ضعيف .. و لكني أتألم عندما تقف الطالبات و يرمقوني بنظرات و ضحكات ساخرة .. و أتعذب من حديثهن ( وشوتهن ) فيما بينهن عني ..
ترى إلى متى سأظل هكذا ؟!! موضع سخرية الجميع ..!
قطع سرحاني سؤال والدي الموجه لأمي :" أين الفتى ؟!! "
" لا أعلم ! ربما نائم "
تركت أنا الملاعق .. و نهضت قائلة :" شبعت و الحمد لله .. "
و ركضت خارجة من المطبخ .. اليوم لم أرى وجه الملك بتاتاً .. ركضت نحو غرفته ..عندما بلغتها طرقت الباب .. فلم أسمع أي صوت .. أيمكن أنه نائم ؟!!فتحت الباب بهدوء .. و ألقيت نظرة على الغرفة .. لا أحد !!
أغلقت الباب و رحت أبحث عنه في أرجاء المنزل .. رغم أن الفتى لا يمكث إلا في غرفته و أحياناً قليلة إذ شعر بالعطش يطل على المطبخ ..
فتشت كل ركن و زاوية من المنزل و لكـن لم أجد الملك !!ربما هو خارج المنزل .. أيمكن أنه .. فرَّ هارباً ؟!!
ركضت بخوف نحو باب المنزل .. خرجت من المنزل و أنا أرتعش برداً .. البرد يتضاعف آلاف المرات في الليل .. لا أعتقد أن الفتى يستطيع المشي وسط هذا البرد القارص .. أنه ليس معتاداً على البرد ..كان المطر يتساقط بغزارة .. فاستعرت مظلة والدي و اندفعت أبحث عن الفتى .. هنا و هناك ..آه أكاد أجن .. لا أحد يسير في الشوارع في هذا الوقت .. برد قارص و أمطار غزيرة .. ركضت بسرعة .. و أخذ أدير عيني أبحث عنه بقلق .. و لكن لا جدوى ..يستوجب علي البحث أكثر ..أخذت أمشي و أنا أبحث عنه هنا و هناك .. أين هو ..
ابتعدت عن المنزل كثيراً .. و لكني لم أجده لحد الآن !! شعرت بالبرد .. يجب أن أعود للمنزل قد يقلق والدي علي .. و لكـن ! ماذا عن الفتى ؟!!
أدرت رأسي للخلف .. ربـاه .. الليل مخيف .. الظلام موحش .. و لا أحد يسير في الشوارع غيري ..
عدت أنظر للأمام .. لحظة .. كأني رأيت شبح خالد ..
دققت أكثر في ذلك الشيء المتكوم على نفسه بقرب إحدى الأشجار .. رباه .. خالد ..
اقتربت أكثر .. أكثر.. لأراه أمامي يخبأ رأسه بين ركبتيه .. و يغلف جسده بذراعيه و يرتعش برداً ..
يرتدي قميصاً قصير الأكمام و ليس سميكاً أبداً .. يتجمد برداً .. أنحيت له .. فشعر بي .. رفع رأسه ببطء ..
ثم نظر لي .. رباه وجهه ازداد احمراراً من شدة البرد .. يرتعش برداً ..المطر يبلل جسده بأكمله ..
ظللته بالمظلة .. و صرخت به :" ماذا تفعل هنا ؟!! "
كان ينظر لي بنظرات غريبة جداً .. و كأن هموم الدنيا كلها انصبت على رأسه ..
همست بلطف أكبر :" ألا تشعر بالبرد "
هزّ رأسه ايجابياً ..فقبضت على يديه فإذاً بهما جليد صلب .. همست به بقلق :" أنك تكاد تتجمد حتى الموت "
همس هو :" أرسلوني إلى العيادة النفسية "
" لماذا ؟!! هل فعلت أمك مالا يرضيك ؟!! هل قالت لك شيئاً "
عاد يقول و هو يعض شفتيه :" أرسلوني إلى العيادة النفسية.. لا أريد البقاء بينكم "
قلت بانفعال :" لماذا ؟!! أرجوك أخبرني ما الذي حدث .. ! "
نكس رأسه و بحشرجة أردف :" المريض النفسي لا يستطيع العيش بين بقية الناس العاديين .. "
رفع رأسه فإذا بوجهه أكثر احمرار .. و عينيه تلمعان .. و كأن سيلاً من الدموع على وشك التدفق ..
يا إلهي لأول مرة أراه بهذا الشكل .. قبضت على كتفيه و قلت بترجي :" أرجوك لا ! .. "
حدق بي طويلاً بتلك النظرة الكئيبة .. فضغطت على ذراعيه و قلت بهمس و كلي قلق :
" خالد .. دعنا نعود للبيت "
نكس رأسه :" دعيني أبقى هنا قليلاً "
" لا ! .. ستتجمد .. أنك تتجمد ! سوف نعود للمنزل و يمكنك أن تطلب من والدي أن يرسلك إلى العيادة النفسية .. فقط لا تبقى هنا .. المكان موحش و بارد .. ستمرض ..! "
نظر لي بنظرته الكئيبة تلك .. ثم بدا متقبلاً الفكرة .. مددت يدي له و أعنته في النهوض .. لاسيما أنه متعب جداً .. و مشينا معاً عائدان إلى المنزل .. نظرت له .. مرهق جداً ..
عدت أمشي و هو بجانبي يمشي .. حتى بلغنا المنزل .. تصلبت نظراته عند المنزل عندما رأى والدي يحوم بقرب الباب .. و سامر بجانبه ..
وقف دون أن يتحرك خطوة واحدة للأمام .. و نظراته مركزة على والدي ..
خاطبته :" هيا بنا "
نظر لي .. ثم عاد ينظر لوالدي .. حتى واصل مشيه نحو والدي و أنا بجانبه أظلّه بالمظلة ..
رأيت على والدي ملامح الصدمة لرؤية الفتى يمشي نحوه .. اقترب منه بسرعة و هتف :
" ماذا كنتما تفعلان في الخارج ؟!! "
نظر لي الفتـى .. ثم نظر لوالدي مرة أخرى .. فعاد والدي يسأله :
" و لمَ أنت مبلل هكذا ؟!! و كيف تخرج بملابس صيفية و البرد قارص "
نظر الفتى لوالدي نظرات عميقة .. ثم همس :" أرسلوني إلى العيادة النفسية .. "
" و لكـن يجـب .... "
قاطعه الفتى بزمجرة و بصوت غاضب :
" ليس من حقك أن تبقيني هذه المدة كلها في منزلك .. أنا جئت هنا لأعالج فقط .. "
تقدم الفتى بخطوات إلى الأمام صاعداً عتبات البيت .. و والدي يراقبه .. دخل المنزل .. فنظر لي والدي :
" ماذا حدث ؟!! "
" لا أعلم .. كان مصراً على ألا يخبرني بشيء "
دخلت أنا المنزل و لحق بي والدي .. انطلق والدي نحو غرفة الفتى..و أنا وقفت أمام أمي متسائلة :
" أمي .. ماذا حدث بينك و بين الفتى ؟!! "
قالت مستغربة :" لا شيء جديد .. أهناك شيء ؟!! "
يبدو أن أمي صادقة !
تركتها و انطلقت نحو غرفة الفتى .. فتحت الباب ! .. كان يضع حقيبته الكبيرة الخاصة للسفر على سريره ..
و يبقى ينقل ملابسه و حاجياته من خزانته إلى الحقيبة .. و هو يشتعل غيظاً ..
و والدي يحاول إقناعه :" ماذا تفعل !.. ألا تعلم أي حياة ستعيشها هناك .. سيعاملونك كالمجنون .. يصعقونك بالكهرباء و ستدمن على الحقن المهدئة .. "
وقف الفتى أمامه .. :" لا ! .. أظن أن الطب متطور في هذه البلاد .. و هناك أطباء و خبراء نفسيين "
و واصل عمله .. فوقف والدي أمامه يصدّه .. حملق به بحيرة و قال :" ما الذي حدث ؟!! "
عضّ شفتيه .. ثم واصل عمله :" انتهى الأمر .. و لا مجال لمناقشة الموضوع "
ابتعد والدي عنه قليلاً .. و هكذا أكمل الفتى عمله .. و خاطب والدي بجدية أكبر :
" غداً أرسلني إلى العيادة النفسية .. فلم أعد أستطيع البقاء "
ثم خلع قميصه المبتل ذاك ..و حمل الحقيبة من السرير إلى الأرض .. ثم استلقى على سريره و غلف نفسه باللحاف .. و أغمض عينيه و الغضب يتفجر من رأسه ..
و هنا أطفأ والدي النور .. و خرج من غرفة الفتى و اقترب من أمي الجالسة في الصالة و خاطبها :
" أظن أن الحق مع الفتى .. ليس من حقنا إبقائه هنا أكثر.. "
اقترب والدي منها أكثر و جلس بجانبها قائلاً :" غداً سوف أرسله للعيادة .. "
قالت أمي مستغربة :" ما به ؟!! لماذا يريد الذهاب للعيادة ؟!! "
التفت لها والدي :" لا أعلم أصر على عدم البوح بشيء .. و هذا ما يحيرني .. ما الذي جرى ؟!!! "
أشاحت أمي بوجهها إلى التلفاز .. فنهض والدي حائراً ..!


في صباح اليوم التالي يجر الفتى حقيبة ليغادر المنزل .. حتى دون أن يلقي نظراته الأخيرة علينا ..نحن سنزوره بالطبع في المشفى و لكنه أتى للمنزل و أضاف جواً جديداً و ها هو الجو سيختفي لمغادرته ..استوقفه والدي :
" ألن تسلم على سامر و زينة و أم سامر .. لا تنس أنك ستغادر منزلنا و لن تعود إلا بعد خمس سنوات "
توقف الفتى قليلاً لينظر لسامر .. ثم ينقل نظراته لي .. ثم لأمي .. و تراءى لي شبح ابتسامة .. يبتسم لي ؟!! اقترب مني قليلاً تاركاً حقيبته .. و هو يبتسم لي ..
توقف عند بعد خمس خطوات .. ثم همس :" سأشتاق لكم .. "
شعرت بالسعادة .. ممزوجة ببعض الحزن .. الفتى سيغادر منزلنا و لن يعود إلا إذ بلغ الخامسة عشر ..
ابتسمت في وجهه .. و ها هو سامر يرد نيابة عني :
" و نحن أيضاً سنشتاق لك و سنزورك بين فينة و أخرى .. أليس كذلك أبي "
( ما دخلك أنت ؟!! الحديث موجه لي أنا )
و ها هو الفتى يدير رأسه للخلف ليرى والدي يهز رأسه ايجابياً ..و يعود ليحملق بي ..
ثم مد يده لأخي بابتسامة رائعة قائلاً :" وداعاً ! يا صاحب الكلاب .. "
و انفجر أخي ضحكاً قابضاً على يد الفتى بيديه الاثنتين :" وداعاً ! وداعاً "
سحب الفتى يده بلطف من قبضة أخي .. ثم مدها نحوي .. و بدعابة خاطبني :" و أنت أيتها المرحة الماهرة "
مددت يدي لأسلم عليه .. و ضحكت قائلة :" وداعاً .. أيها الملك !! "
ثم تركت يده ليبتعد عني متجهاً نحو والدي .. فيخاطبه أبي :" ألن تسلم على أم سامر ؟!! "
أدار هو برأسه نحو أمي حيث كانت ترسم على شفتيها ابتسامة صغيرة ..
اقترب الفتى من أمي و بقي يحملق بها .. فارتسمت على وجهها ابتسامةً حنونة ..
و أنحت جذعها لتضمه إلى صدرها ..



هنا يغادر الملك .. و لكننا لم نتركه .. بل نظل نزوره بين فينة و فينة في المشفى .. بصراحة مظهره على السرير الأبيض و بملابس المرضى يشعرني بأنه ضعيف .. أمي تحسنت علاقتها معه .. فبدأت تعامله كابن لها .. و خصوصاً بأنه مريض .. أخبرنا الطبيب أن خالد يتحسن بسرعة .. و يتقبل العلاج النفسي رغم أنه أحياناً قليلة يضجر و يثور .. و يحتاج الطبيب لتهدئة أعصابه بالمسكنات .. و لكن هذه الحالة لا تواتيه إلا نادراً ..
يقول الملك .. أن بعض الممرضات لا يحسنون معاملته و هذا ما يجعله يكره المشفى ..,
طبعاً ! فبعض الممرضات المبتدئات لا يدركون أحاسيس المرضى النفسيين و يظنون أنهم مجانين بلا عقول ..
استمر الحال هكذا .. كل يوم نذهب لزيارة الفتى لتقديم طعام الغداء له .. و كل يوم أتلقى منه شكوى من جميع المحيطين به .. حتى زملائه المرضى النفسيين .. فهل يا ترى سيتقبل خالد هذا الحال ؟!!

=
مـر من الزمان الكثير .. حتى استطاع خالد الخروج من المشفى ليعيش عشر سنوات معنا ..
أصبحت متحجبة .. و هذا ما يجعله ينام في الملحق التابع للمنزل ..و لكنه بدا مهتماً لأمري كثيراً ..
فقد رأيته رجلاً ناضجاً واعياً .. و قد بلغ ما فوق العشرين .. يخاف علي من الشبان التافهين المتناثرين في الشوارع ..يحاول قدر الإمكان حمايتي حتى من أي نظرة من أي شاب ..
في الفترة الأخيرة يزورنا والد خالد و عمه الذي يصغره بسنتين .. و أسمه على ما أظن ( إياد ) ..
و عمته الكبرى " ذكرى" .. و أحياناً يصطحبون معهم عمته الأخرى التي تدعى سمية ..بدت لي أسرته في غاية اللطف .. و لاسيما أنهم يكثرون المدح فيا ..
و لكن الذي يحيرني ! .. أن خالد لم يرَ أمه لحد الآن ! و لم يسمع صوتها ..!و كل ما سألته عنها يقول لي أنها لا تريد التحدث معه ..!! أيعقل ؟!! ألازالت لا تطيق سماع صوته .. قلبها حجري و قاسٍ جداً ..
من الذي يكره سماع صوت خالد ؟!! أنه أصبح ملاكاً .. يزداد إشراقاً يوماً بعد يوم ..
بعد أن أكمل دراسته .. و ها هو يدرس دراسات عليا .. و لكنه لن يباشر بالبحث عن وظيفة ..لأن والده أخبره الوظائف أصبحت متوافرة في بلده الأصلي .. و لا داعٍ للبحث عن وظيفة ..
و لكني فرحةٌ جداً .. لاسيما أن أبي أكمل بناء بيت آخر في إحدى مدن بلدنا الأصلي و سنهاجر له .. ما إن ستتدبر أمورنا .. و الذي أسعدني أن " خالد " سوف سيعود معنا أيضاً ..




يتبــــــــع ...>>

بنووتة
17-04-2006, 02:51 PM
القصة وااااايد حلوووووووووووووووة وايد عايبتنيه شخصيه خالد

يالله نتريا التكملة

عذووب
18-04-2006, 07:45 AM
مشكورة حبيبتي علىالمرور ..
وانشاء الله الحينا بحط الجزء اليديد ..

عذووب
18-04-2006, 07:48 AM
الجزء الواحد و العشرين
و مرت السنين

خالد .. ! بداية قصته .. أنه شهد جريمة قتل بشعة .. بعدما ابتعد عن عمه ليلهو قليلاً و لكنه توقف عند أحد البيوت المهجورة لرؤيته رجلاً .. يعذب امرأة بالسكاكين .. قطعها و عذبها إلى أن ماتت .. الرجل قتل المرأة و لكنه لم يعلم أنه قد أثّر على قلب طفل رآه ..و لأن خالد فهم ذلك المشهد بالخطأ ..فقد اعتقد أن ما يقوم به الرجل صواب ..حاول في البداية قتل أخيه الذي يغار منه ..ثم قتل ابنة عمه حقاً ..و دفع الثمن غالياً .. تخلت عنه أمه .. و الجميع اقتنع أنه مريض نفسياً ..و هكذا بدأ خالد بالعلاج في المشفى في بلده .. ثم انتقل إلى عيادة أخرى في بلد آخر .. فقد تخلى عنه الكثيرون ..و ها هو يكمل علاجه .. و يكمل دراسته .. و يصبح شخصاً يستحق الإعجاب..
حتى بلغ سن الرشد .. نضج .. أصبح عاقلاً و واعياً .. رجلاً بمعنى الكلمة ..بلغ الخامسة عشر سنة ! بمَ يذكركم هذا الرقم ؟!!
بعمر خالد .. بعد خمسة عشر سنة .. أي انتهت المدة المحكومة على خالد بالبقاء خارج البلاد ..
و حان موعد العودة ..
==
كنت جالسة في الصالة أقلب قنوات التلفاز .. الساعة الحادية عشر ليلاً .. آه رباه ..
ذكرى في غرفتها .. و عادل خارج المنزل .. ابني وائل و إياد و سالم و مروة و سمية .. يتجولون في الأسواق.. بحثناً عن هدايا لابنة أختي " سارة " فغداً عيد ميلادها ..
رباه .. أنا الآن وحدي ! الملل يقتلني .. أقلب القنوات و لا أجد فيها شيئاً مسلياً ..
دخل عادل المنزل ! آه .. و أخيراً .. ؟!!
اقترب مني حاملاً هاتفه الخلوي .. على وجهه ابتسامة عريضة و فرح شديد .. صرخ بي :
" أين ذكرى ؟!! "
" في غرفتها "
خرجت ذكرى من غرفتها فإذا بعادل يركض نحوها بسرعة ( لم هذا الجنون ؟!! )
يناولها الهاتف و يقول بفرح :" خالد ! لديه خبر رائع "
إلى متى سوف ترافقنا مكالمات هذا الفتى .. أقصد الشاب .. لأنه الآن كبر و أصبح شاباً..
اقتربت ذكرى و سألت عادل :" أي خبر ؟!! "
ناولها الهاتف .. و حضّها على محادثة المجرم ذاك ..قرّبت الهاتف لأذنها :" آلو خالد ! ماذا هناك ؟!! "
ثم اتسعت فتحتا عينها و شهقت :" أحقاً ما تقول ؟!! "و قالت و هي تلتقط أنفاسها :" لا أصدق "
ثم قالت :" حسنٌ عزيزي .. " أغلقت الهاتف .. و خاطبت عادل بجنون :" أنا سأصعد لأرتدي عباءتي "
و شقت طريقها بسرعة .. و هي تضحك بفرح و جنون ..ترى ماذا قال لها خالد ؟!!
و في جهة أخرى يركض عادل بفرح كالأطفال .. خارجاً من المنزل ..ماذا دهاهما ؟!!
و ها هي تخرج ذكرى من غرفتها و عيناه تلمعان فرحاً .. تكاد تبكي ..و قد تجهزت للخروج من المنزل ..
استوقفتها :" ذكرى ! ماذا هناك ؟!! "
وقفت أمامي بفرح .. ثم قبضت على يدي الاثنتان ,, و صرخت :
" غيداء ..! الفقيد سيعود إلى أرض الوطن أخيراً ..! "
نظرت لها بأعين حائرة .. الفقيد .. خالد .. ابني .. الذي نسيت شكله .. و لكني لم أنسى جرائمه ..
سيعود لأرض الوطن ؟!! أي .. سيعود فرداً بيننا ؟!!
لكننا رفضناه .. أني حتى لا أذكر صوته .. و لا حتى لمحة من ملامحه وجهه..
لا أذكر إلا جرائمه البشعة ..!
لا أتخيل أن يعود خالد بيننا .. ذاك الإنسان .. سيعود ليعيش هنا ؟!!
تركتني ذكرى .. و ركضت خارجة من المنزل و هي تردد:" لا أصدق أني سأقف أستقبل الفقيد .. أخيراً ؟!! "
تكاد تموت فرحاً.. و أنا أكاد أموت حيرة .. أموت خوفاً منه ..و حقداً عليه ..
بني وائل ! كيف ستكون نظرته لأخيه المجرم هذا .. سيرفضه ؟!! أم يرحب بمن حاول قتله في الماضي..
هل سيفتخر ابني أن له أخاً هكذا .. مجنون ..! مريض ! .. مجرم .. مخيف .. مريب ..غامض ..
و بقية الشبّان و الشابات .. مروة سمية .. إياد و سالم .. هل سيقبلون وجود هذا الإنسان بينهم ؟!!
أيتذكرني ؟!! أم يكرهني ؟!!
قال عادل من قبل .. أن خالد حينما يعود .. سوف يعيش في شقة خاصة له .. بعيدة عنا ..ذلك أفضل ..!
ما هو شكله الآن ؟!! هل تغيـــر ؟!!
غفوت قليلاً .. لأفكاري الكثيرة .. غفوت قبل أن أستعيد كل ذكرياتي التعيسة مع هذا الابن .. ليتني لم أنجبه ..
ليست غفوة .. و أنما نوماً عميقاً .. فتحت عيني على وجه ذكرى المشرق الذي يهزّني :
" غيداء ! .. أنهضي .. أنظري لمنزلك كيف أشرق .. لدخول النور كله له .."
نهضت و نظرت لعادل الذي يخرج من غرفة إياد .. و يقترب مني بابتسامة مشرقة جداَ,,
هنا شهقت ..! فقد رأيت حقيبة سفر بقرب ذكرى .. صرخت :" أهو في المنزل ؟!! "
ابتسمت ذكرى و أشارت إلى غرفة إياد :" هناك ! .. أنه يرتاح قليلاً .. "
صرخت بعادل :" ألم تقل بأنه سيعيش في شقة ؟!! "
هزّ رأسه :" بلى .. و لكنها ليلة فقط .. سينام قليلاً ليرتاح .. ثم يذهب لشقته المجهزة "
كنت خائفة .. ثم قلت :" و أين سينام إياد ؟!! "
" في غرفة أخيه سالم .."
اقترب مني عادل و أمسك كتفي باسماً :" ألن تطلي على أبنك لتري كيف أصبح ؟!! "
عارضت بشدة :" كلا ! .. "
استاء عادل من ردي .. و لكن ذكرى لم تكترث بي .. تزداد إشراقاً و بهجة ..أخذا يتحدثان عنه بكل فرح ..
نظرت للغرفة التي يمكث فيها أبني الآن .. ( ابني ؟!! ) .. ترى لمَ أقولها و أنا أكره أن يكون هو ابني ..
=
تمدد عادل على السرير بفرح كبير .. يغمض عينه و يهمس :" تصبح على خير .. بني! خالد "
أسندت رأسي على الوسادة .. نظرت لعادل .. غطَّ في نومٍ عميق ..ها أنا أسمع أصوات وائل و سالم و إياد و مروة و سمية .. أظنهم عادوا .. و ها هو صوت ذكرى يوقف ثرثرتهم .. تخبرهم بوجود " خالد " في غرفة إياد ..فتتعالى أصواتهم دهشة ! من كان يتوقع أن هذا الإنسان سوف يعود الآن ..آه لم عدت الآن ؟!! لست مستعدة لرؤيتك !
انعدمت أصوات الجميع .. أظن أن كل واحدٍ فيهم ذهب ليخلد للنوم .. و لكن النوم فارق أجفاني ..لا أصدق أن مصدر خوفي و رعبي موجود معي في منزل واحد ! رباه يجب علي إقفال الباب جيداً .. قد يحاول .....
لحظة ! ما الذي أفكر به ؟!!خالد تعالج .. لم يعد مريضاً ! .. لمَ الخوف ؟!!
و لكني بجنون نهضت لأقفل الباب ..مددت يدي و أدرت المفتاح .. و لكن ! يال قسوتي !.. يال سوء ظني ..
عدت أفتح الباب ببطء .. و طللت على الخارج .. سكون رهيب ..استدرت و نظرت لزوجي المتمدد على السرير .. ثم عدت أنظر للخارج بقلق .. خرجت بهدوء .. و أغلقت الباب من بعدي .. أرجوا ألا يستيقظ عادل ..
على أطراف أقدامي أتسلل نحو الغرفة التي تسبب كل قلقي ..ترى ! ماذا أريد أن أفعل ؟!!وقفت أمام الباب بخوف .. مددت يدي .. و أمسكت بمقبض الباب .. تنهدت بعمق !
أرجوا أن تكون نائماً أيها المجرم .. أنا أريد فقط رؤيتك .. أرجوك لا تؤذيني ..فتحت الباب بهدوء و أنا أغمض عيني.. و تتسارع نبضات قلبي .. كأنه طبل أفريقي مجنون ..
دخلت و أغلقت من ورائي الباب .. و فتحت عيني !

==

ليت العمى أصاب عيني ... و ليتني شللت .. ليتني مت .. عقاباً على ما فعلته في السابق..

اقتربت من ذلك السرير .. انعدم خوفي فجأة ..أي شعور غريب غلّف قلبي .. لا أعلم .. تبلل وجهي بالعرق المتصبب ..

آه .. لم أكن أتوقع أنه كبر هكذا .. خالد ! الطفل ..! ابن العاشرة ! .. على السرير أمامي بطول .. و عرض ..


تحدثت ذكرى عنه .. حاولت وصفه لي من قبل و هو كبير .. و لكني لم أسمح لعقلي حتى أن يتخيله ..


أبني عزيزي .. ينام دون تبديل ملابسه هذه .. حتى حذائه لم يخلعه ..

يغمض عينيه بهدوء شديد .. نائم بهدوء شديد ..

وجهه ..! كالقمر المنير .. لم تتغير ملامحه كثيراً ..

ربــاه .. تذكرت كلمات عادل و ذكرى :" لماذا تطعنين أبنك ؟!! "
" أنت تقتلينه بهذه الكلمات "
" أبنك مظلوم "
" أرجوك غيداء لا تقسي عليه .. "

نفضت كل تلك الكلمات و عدت أتأمله ..

كان حلماً هذا الجسد المتمدد أمامي .. أجمل حلم عبر رموشي ..

كم كنت أحلم أن أراك هكذا .. بدون مرض... بدون نقص .. كأي شاب و ربما أفضل ..


يدي جُرت نحو هذا الشاب .. أريد إيقاظه .. و أخبره أني أمه ..


و لكني تجمدت لآخر لحظة .. انسحبت .. و شعرت بغصة !


الآن يا غيداء تدعين نفسك بأمه ؟!! كان مريضاً فرفضته .. و لما عاد كاملاً .. أدعيتِ أنك أمه ؟!!


تراجعت للوراء .. شعرت بصرخة تكاد تخرج من داخلي .. تصرخ باسمه ..


و شيء يبلل وجهي المصدوم لرؤية هذا الكيان !


قبضت بيدي على فمي مانعة تسرب أي صرخة .. و دموعي تبلل وجهي .. أي عقاب ستعاقبني إياه ربي!


أنا من فرقت بين أبنائي الاثنين .. فضلت المجتهد الوسيم .. و تخليت عن المريض المجرم!


وكأنني انتزعته مني .. انتزعت كل مشاعر الأمومة التي بداخلي تجاهه ..


و ها هي تنصب علي من جديد !




استيقظ خالد !.. أنا هي من ظلمتك ..


أنا أمـك !

=

عدت و تمددت على السرير .. أنظر لعادل .. و أعود أكمل نحيبي !!

رفعت يدي .. ناجيت ربي ..أرجوك رباه سامحني .. أنا لم أكن أدرك معنى الأم ..


لقد كبرت و رأيته كبيراً .. رأيته بريئاً من كل اتهاماتي ..


رأيته رباه على ذلك السرير .. بوجه مشرق ..


قد كان في صغره في مريضاً و لكنه تعالج .. أرجوك رباه ساعدني .. أريد أن أتقرب له ..


أريد أن أشعره بحناني .. عمري الذي فات هو .. هو ينتمي لي .. هو أبني ..

هو جزء لا يتجزأ مني .. رباه لا تحرمني منه ..

هو كوني .. هو حياتي الضائعة .. هو قلبي التائه .. هو نبضي ..


أرجوك رباه ساعدني لأتقرب لأبني أكثر ..


طوال الليل لم يلامس النعاس جفوني .. أبكي بصمت في غرفتي تارة .. و أذهب لأطل على ابني تارة ..


هذا هو ابني .. هو من ظلمته محكمة الحياة ..

!!

عذووب
18-04-2006, 07:50 AM
في اليوم التالي .. استيقظت بتقاعس .. نظرت للساعة .. الساعة التاسعة ..

رباه !!

لقد تأخرت في نومي .. عادل لم يكن بجانبي ..نهضت بسرعة و غسلت وجهي و استبدلت ملابسي ..

و تذكرت أن في المنزل ابني العزيز ..

الشاب الذي قاوم كل مصاعب الحياة وحده ..

رغم كل شيء ..

رغم قسوتي ..

و بعده عنا ..

خرجت من الغرفة .. أصوات الجميع تنبعث من المطبخ ..

اتجهت نحو غرفة ابني .. أخذت شهيقاً .. و فتحت الباب بابتسامة رائعة ..

صُدمت ..!!


الغرفة مرتبة جداً .. و لا أحد يمكث فيها ..

أيعقل أنه يتناول فطوره مع الجميع ..؟!!


لا أصدق ..


ركضت نحو المطبخ .. طللت عليهم بسرعة أفتش من بينهم " خالد "

أين هو !! .. أني لا أرى الجسد الذي رأيته بالأمس ..

و كأنه اختفى ..أين ذلك الوجه ؟!! أريد رؤيته مجدداً ..


و كأن ما رأيته البارحة خيال خالد .. و لا أثر له الآن ..

دعاني عادل لتناول الفطور..

آه .. أين خالد ..

ليت عيني العمى .. فقط لا تمحون صورة خالد الرائعة التي رأيتها البارحة من عيني ..

أدرت عيني عليهم واحداً تلو الآخر ..

هتف بي بني وائل :" أمي ما بكِ ؟!! "


نظر لي عادل بقلق :" غيداء ! عزيزتي ما بكِ "


كنت حائرة ! أيمكن أن ما رأيته بالأمس خيال و وهم ..

لا أثر لحقائب خالد و لا حتى هو ..


الغرفة مرتبة جيداً..


أكاد أجـن ..!


قلت بارتباك :" أين خالد ؟!! "


بدا الجميع مستغربٌ جداً ..


آه .. إذاً ما رأيته بالأمس وهم ..


لا !
لا أصدق ..



" لقد رحل إلى شقته منذ الصباح "


كان قول عادل بعث لي راحة .. على الأقل لم أكن أتوهم ..

و لكني فجأة شعرت بغيظ ..

كيف يرحل بدون أن يراني ؟!!

بدون أن يسلم علي .. أنا أمه ..

قلت باستنكار :" بدون أن يسلم علي ؟!! "

تبادل الجميع النظرات ..


و قالت ذكرى تخاطبني :" أنا من قلت له أنك لا تريدين رؤيته ..لأنك .. ."


صرخت بها بغيظ :

" ماذا ؟!! من قال أني لا أريد رؤيته ؟!!

أنت تكذبين لتشوهين صورتي في عين ابني أليس كذلك ..

يا خائنة ..

تريدين خطف أبني مني ..

أنا لم أصدق أنه عاد أخيراً ..

لماذا تفعلون هذا ؟!! "


تراجعت للوراء و صفعت الباب .. و اتجهت نحو الصالة ..

جلست على المقاعد .. أشعلت التلفاز ..

كنت غاضبة من الجميع .. الآن سيظن خالد أنني لا أريد رؤيته لأني لا أطيقه ..

رباه ! أنها ذكرى الخائنة ..

رن الهاتف المزعج .. آه .. تظاهرت باني لا أسمع شيئاً ..

و ها هو إياد يخرج من المطبخ و يخاطبني مستغرباً :" غيداء .. لمَ لا تجيبين على الهاتف ؟!! "


تنهدت منزعجة .. فرفع هو السماعة :" آلو ..! "


ثم ابتسم بفرح :" آه .. خالد .. كيف حالك .. هل وصلـ... "

لم يكمل جملته لأني هجمت على السماعة هجوماً ..


سحبتها منه .. و قربتها إلى أذني .. فسمعت صوتاً جافاً و رائعاً .. :

" نعم .. أنا أمكث الآن وحدي في الشقة .. "


كان صوته رائعاً جداً على الهاتف .. صوت رجل ..!


وددت محادثته ..!

و لكني رميت السماعة بين يدي إياد ..


. و جلست على مقاعد الصالة من جديد..



إياد أصبح صديقاً لخالد .. لاسيما و أنه كان يسافر لزيارة خالد في تلك البلاد ..


يقول إياد .. أن شخصية خالد أعجبته كثيراً .. و وجدها خالية من الجرم و الحقد ..


أما سالم .. فتبع وائل الذي سمع كلامي من قبل ...


بعدما أخبرته أن أخيه مات ..


و لكن بعد ذلك توضح كل شيء لوائل .. فكبر .. و لاحظ كلمة(خالد) تتردد على ألسنة الجميع ..


( أيعقل أن الميت يتحدث عنه الجميع باستمرار ؟!! )


أخبرته أنه حي و لكنه مجرم .. لذلك طلبت منه الابتعاد عنه ..


فكرهه .. عندما قلت له ما فعل .. و سالم أيضاً كرهه..


مـازن .. عاد لنا بابتسامة تسامح .. و قد أدرك أن خالد كان مريض .

.مروة .. لا يهمها أمر خالد أبداً ..


و سمية .. أنها تعتبر خالد أقرب أخٍ لها ..


أغلق إياد السماعة ..

و ها هي مروة تمسك بذراع إياد بمرح :

" ستوصلنا إلى منزل سارة أليس كذلك ؟!! "


ابتسم إياد و قرص خد أخته مداعباً :

" بالطبــع عزيزتي .. "

==

( يسعدني أن أعرفكم على نفسي لأبرز دوري في هذه القصة )

البارحة لم أفاجئ بعودة خالد .. لأنه بلّغني من قبل أنه يجهز نفسه للعودة للوطن ..


و صباح هذا اليوم استيقظت لأراه يجر حقيبته خارجاً من المنزل ..

ودعني و ودع عادل و ذكرى فقط ! و رحل لشقته تلك ..

و ها أنا أزوره في شقته ..

سألته بينما كنا نحتسي الشاي :

" ألا تشعر بالوحدة هنا ؟!! "

نظر لي .. ثم هزّ رأسه ايجابياً :

" بلـى .. "

" ستبقى وحدك في هذه الشقة إلى متى ؟!! "

راقب الدخان المتصاعد من الشاي ثم قال :


" لا أعلم .. "

ابتسمت و ربتُ على كتفه :

" ألا تشعر بالحنين إلى والدتـك ؟!! "


نظر لي .. فقلت :

" أرجوك لا تحقد عليها .. أنها تحبك صدقني .. "


ارتسمت على شفتاه ابتسامة ساخرة و همس :

" منذ متى ؟!! "


" منذ أن أنجبتك .. أرجوك تقرب لها .. و هكذا ستعطيها فرصة ........... "


قاطعني :" إياد ! .. أغلق الموضوع "

=
" أسرة زينة .. "

بعد أن استحم .. اقترب مني و نطق بهذه الكلمتين .. و الابتسامة مرسومة على شفته ,,

سألت مستغرباً :

" ماذا ؟!! "

عذووب
18-04-2006, 07:51 AM
جلس على المقعد المجاور و أخذ ينشف شعره بالفوطة ثم قال باسماً :

" أود زيارتهم "

ابتسمت :

" و هل تريد العودة لتلك البلاد لتزورهم "


" لا .. لقد استقروا هنا في المدينة المجاورة .."


هززت رأسي ايجابياً و قلت :


" إذاً تريد زيارتهم .. "


" نعم .. ستأتي معي ؟! "


" بالطبع "

=

خرجت معه من الشقة .. و صعدنا السيارة .. أي ( سيارتي ) .. شغلت السيارة و انطلقت مخاطباً خالد :

" ألا تريد أن تتدرب على سياقة السيارة ؟!! "

هز رأسه ايجابياً :" بلى ..و لكن ليس في هذا الوقت .."

ابتسمت :" يقول والدك أن هناك فرص عمل كثيرة .. ألن تباشر بالبحث عن وظيفة "

أخذ يراقب الناس من خلال النافذة و التيارات الهوائية تلفح وجهه .. ثم همس :" بلى .. و لكن ليس الآن "


قلت مستغرباً :" لماذا التأجيل ؟!! أأنت منشغل بشيء آخر "


هزّ رأسه سلبياً :" لا .. و لكني لم أتأقلم بعد على حياتي هذه .."


عدت أنظر للطريق .. ثم طلبت منه أن يدلني على منزل ( أسرة زينة ) كما يقول ..

و ها نحن نوقف السيارة أمام ذلك المنزل ..


لم يكن منزلاً فاخراً جداً و لا عتيقاً جداً .. أظن أن حالهم المادي متوسط ..


قرعنا الجرس و بقينا لعدة ثوانٍ ننتظر ..

نظرت له ..

على وجهه ترتسم ابتسامة ارتياح .. أيحب هذه الأسرة لهذه الدرجة ؟!! خاطبني :


" منذ أن عدت للوطن لم أراهم .. لقد اشتقت لهم كثيراً "


ابتسمت له :" يبدو أنك تحبهم مثلما لو كانوا أسرتك الأصلية "


هزَّ رأسه ايجابياً :" نعم .. "

ها هو أبا سامر يطل يفتح الباب لنا بابتسامة ... يشهق لرؤية خالد .. و يندفع ليطوقه بذراعيه ..

" لقد اشتقنا لرؤية بني .. رغم أنك لم تفارقنا سوى يومين .. "

هزَّ رأسه خالد ايجابياً بابتسامة صغيرة و قال :" نعم و أنا اشتقت لكم جميعاً .. "

و هكذا يرحب بنا أبا سامر في بيته .. و بعدها تمطرنا زوجته بالكلمات المرحبة ..

و أبنهما سامر أيضاً .. و الفتاة التي يتحدث عنها خالد دائماً ( زينة ) .. كانت طيبة جداً .. ترتدي وشاحاً تغطي شعرها عنا .. كانت متحجبة .. كانت علاقتها مع خالد طبيعية جداً .. و لا يتخللها الخجل.. طبعاً لأنهما عاشا سنوات طويلة مع بعضهما البعض ..

استغرقنا وقتاً طويلاً في الحديث .. عن هذا و ذاك .. نظرت لخالد .. يعجبني هذا الشاب ..
يستند إلى الخلف .. و يرفع رجلاً فوق رجل .. و بطريقة رائعة و حركات رهيبة .. يتحدث مع أبا سامر و تشاركهما ( زينة ) الحديث أحياناً ..

و هكذا تنهض المرأة العجوز و تقول :" سوف تتناولان الغداء معنا "
نظرت لساعتي .. رباه تأخرنا .. خالد حرك يده اعتراضاً و قال :" لا ! سوف نخرج الآن .. "
و هكذا يبدأ الجميع بالإلحاح علينا .. و لكنا نجونا بصعوبة .. خرجنا من المنزل بحجة أننا نريد التسوق قليلاً ..
و لكن .. الفتاة ( زينة ) .. قبل خروج خالد استوقفته قائلة :" خالد ! "
التفت لها بابتسامة .. فقالت بترجي و هي تميل برأسها :" أرجوا أن تداوم على زيارتنا .. "
هزّ خالد رأسه مبتسماً .. و هكذا خرجنا من منزل أبا سامر و صعدنا السيارة ..

أخذت أتجول مع خالد قليلاً ..أطلعه على هذا المطعم .. و هذا المجمـع .. و عند خروجنا من أحد المجمعات .. صادفنا مجموعة من الشبان الذين حياتهم هي التدخين .. و مطاردة الفتيات و السخرية من الناس ..
تجاهلتهم أنا كعادتي و لكن خالد ركّز عيناه عليهم .. ثم خاطبني باستغراب :" من هؤلاء ؟!! "
طبعاً خالد ليس معتاداً على رؤية هؤلاء الشبان ذوي قصات و صبغات الشعر المختلفة .. و ملابس الأجانب ..و تصرفاتهم الرذيلة ..
أجبته:" شبان تافهين عابثين .. لا عليك منهم .. "
سحبت يده .. و لكنه لازال يرمي الشبان بنظراته تلك ..
و في مكان آخر صادفنا مجموعة فتيات يتلقطن الأرقام من الأرض التي يرميها الشبان أمامهن ..و طبعاً لباسهن لم يعجب خالد .. و سألني عنهن .. فأجبته .. فظل لا يبعد نظرات الاحتقار عنهن ..
خالد باختصار ! ليس معتاداً على كل هذا ..و خصوصاً أنه ملتزم جداً ..
صعدنا السيارة التي اشتراها لي عادل منذ حوالي ستة أشهر ..ليست رائعة جداً .. ولكنها جيدة .. على عكس سيارة وائل .. شغلتها و قدتها ببطء للازدحام ..
أخذ خالد يعبث بهذا الشريط .. و هذا الشريط .. ثم التقط نظارتي الشمسية .. و ارتداها .. و التفت لي ..
انفلتت ضحكة مني .. و قلت :" تبدو كشرطي أجنبي "
خلع هو النظارة و نظر إليها و ابتسم :" حقاً ؟!! "
أدار رأسه ناحية النافذة .. و بقي يتأمل حشد الناس ذاك .. فأشرت أنا إلى مجموعة الفتيات .. نهلة و ليلى و منى.. و أروى طبعاً آتون لشراء ملابس أنيقة لحفل عيد ميلاد سارة.. أو شراء هدايا ..
خاطبته مشيرا لهنً :" أنظر لمجموعة الفتيات تلك "
" نعم .. ما بهم ؟!! "
" هؤلاء بنات خالاتك ..نهلة و ليلى و منى و أروى "
قطب حاجباه متعجباً .. و ركز أكثر فيهن .. و نظر لي .. ثم عاد ينظر لهن .. و قال :" و أين حجابهن ؟!! "
قلت ببساطـة :" لا يرتدن الحجاب "
يتحدث و كأنه ولي أمرهن .. و له أحقية التحكم فيهن .. :
" كيف ؟!! ألن يبلغن سن البلوغ ؟!! "
قلت بضحكة :" هكذا هو الجيل الجديد .. و من لا يكون هكذا يكون متخلفاً "
قطب حاجباه استنكاراً .. فقلت أنا بابتسامة :" أتريد أن نذهب لنسلم عليهن ؟!! "
" لا.. لا أريد مقابلتهن .. "
عارض بشدة .. و كأنه سيقابل جورج بوش ..
و هنا تلتفت لي نهلة .. و تنبه الفتيات الباقيات لي .. فيلحون لي .. و كأنهم سيقتربون مني لإيصالهن لمنازلهن ..
فأسرع أنا بالسيارة خشية من هذا المعقد الذي يجلس بجانبي .. لو صعدت الفتيات السيارة .. لترك هو مصاحبتي
أظن أنهن سيغضبن مني كثيراً .. و خصوصاً .. أني دائماً أوصلهن بسيارتي ..!

بنووتة
18-04-2006, 04:36 PM
مشكورة عالقصة بس ما عرفت منوه هذي اللي كانت ويا فالسيارة تتمشى .......


نتريا التكملة اوكيك

عذووب
19-04-2006, 07:58 AM
الجزء الثاني و العشرين
سارة
بينما كنت أنا أقلب في هذه الدمية و تلك الدمية .. لأن أختي سارة لا تحب إلا الدمى و لا شيء سوى ذلك .. مع أنها بلغت الواحدة و العشرين .. و مرحلة الطفولة و المراهقة تعدتها ..و لكنها لا تزال طفلة .. و بريئة أيضاً ..
و الأخريات يبحثن على ملابس للحفل .. تقترب مني أختي أروى و هي تقرب فستاناً كلاسيكي و قصير إليها ..و تسألني :" ما رأيك ؟!! منى ! "
" لا .. أنه لا يناسبك .."
و تعود هي للبحث عن شيء آخر ..أما ليلى فهي تتبع أروى في كل شيء ..الاثنتان يبلغان العشرين و تصرفاتهما أركز بكثير من تصرفات أختي المدللة سارة ..أما المسكينة نهلة .. تواجه صعوبات كثيرة في اختيار ملابس أنيقة لها .. لأنها سمينة و ليس كل شيء يعجبها يطابق مقاسها ..
أنا .. بكل رقة أتخير لي شيئاً جميلاً و مميزاً ..لأرتديه في هذه الليلة ..و طبعاً معضم الشبان يقعون في الإعجاب بي .. ربما لأني أحسن وضع المساحيق .. و حتى أحسن تسريح شعري بطريقة جذابة .. و أيضاً .. أظهر بملابس أنيقة جداً .. تجذب الجميع لي ..
بعد ذلك خرجنا من المجمع بعد أن اشترينا الكثير من الهدايا و الملابس .. و الآن سنتصل للسائق لإيصالنا لمنازلنا ..حملت هاتفي الخلوي فإذا بنهلة توقفني مشيرة إلى سيارة رمادية اللون :" أنظري .. إياد "
آه .. إياد .. أنه يقرب لنا من بعيد .. فهو عم لوائل ابن خالتي غيداء ..يبلغ من العمر ثلاثة و عشرون سنة ..
هادئ .. مسالم .. مرح .. اجتماعي .. مثقف .. و أصلع .. ( أنه يتميز بصفته هذه )
قلت أنا :" إذاً لا داعي لنتصل للسائق .. فلدينا سائق .."
رفعنا أيدينا نلوح له ,, هناك شاب يجلس في الكرسي الآخر أظنه أحد أصدقاء إياد .. و لكن لا بأس .. يمكننا أن نجلس في المقاعد الخلفية ..و خصوصاً .. أن السيارة واسعة ..
و لكن الذي صدمنا أن إياد رآنا .. و لكنه أسرع بالسيارة .. آه .. أتهرب منا يا إياد ؟!! سأريك ..
اشتعلنا غضباً .. و ها هي نهلة تهدد و توعد ..و أروى غارقة في الضحك .. تشمت منا و هي منا ..
و ليلى بكل هدوء تقول :" يمكن أنه لم يرانا .."
صرخت بها نهلة :" بل رآنا و فرَّ هارباً .. "
=
اتصلت أنا بالسائق و ها هو يأتي لإعادتنا للمنزل .. كان السائق خاص لنهلة و ليلى و عائلتها.. و لكن أحياناً كثيرة أنا أطلب منه إيصالي للأماكن التي أريد الذهاب إليها لانشغال السائق الخاص بأسرتي بمشاوير أمي ..
وصلت أنا و أروى لمنزلنا فودعنا نهلة .. و أسرعنا بدخول المنزل ..
أسرعت أنا إلى غرفتي لأخبئ كل الهدايا و الملابس عن أنظار " المدللة سارة ".. ثم استبدلت ملابسي .. و مسحت المساحيق .. و نثرت شعري على كتفي .. و بكل دلال أخرج من غرفتي و ها أنا أسمع أصوات والدي الحبيب .. انطلقت بمرح نحوه .. أنا أبلغ من العمر الثانية و العشرين .. و أنا الكبرى .. من بين أخواتي ..
أخذ والدي يداعب خصلات شعري و ضحك :" بنيتي .. أين والدتك ؟!! "
أشرت للمطبخ .. فمشى والدي بهيبته نحو المطبخ ..:" هيفاء .. أين أنت عزيزتي ؟!! "
دخل المنزل ذلك الشاب الذي لا أطيقه .. و من غيره ؟!! ماجد ابن خالتي هناء .. متطفل .. يدّعي أنه يحبني .. و يتمنى الزواج بي .. و لكن كبريائي لا يسمح لي بقبول هذا كزوجٍ لي ..
تجاهلته مستديرةً .. فاستوقفي بضحكة :" منى .. كيف حالكِ .."
أدرت رأسي له ..ثم تجاهلته و مشيت نحو غرفة أختي سارة .. فتحت الباب .. لأرى مصففة الشعر تقف خلف أختي الجالسة على الكرسي أمام المرآة .. المصففة لا تستخدم أجهزة تؤلم سارة .. و لكنها بدلال تدّعي الألم ..
اقتربت منها .. فإذا بالمصففة صنعت لها تسريحة خاصة للأطفال ..
كدت أضحك .. و لكن أختي دائماً هكذا .. طفلة فقط .. و علي عدم جرحها .. فهي كالجوهرة الثمينة لدى أبي و أمي ..
خاطبتها بلطف بينما كانت تضع يدها بقرب أذنها و تتألم ..:" سارة.. هل تجهزتِ جيداً للحفل ؟!! "
نظرت لي و هزت رأسها ايجابياً و عادت لتصرخ بالمصففة :" كفاك .. لا تشدي شعري بقوة "
كتمت ضحكتي .. و بقيت أتأملها .. تملك ملامح ناعمة .. عينان زرقاوتان ..شعر طويل بني ..
ها هي الخادمة تدخل الغرفة حاملة بيدها كوب ماء و أقراص طبية .. نظرت لأختي .. آه ستبدأ المعركة الآن ..
اقتربت الخادمة لأختي و وضعت الكوب فوق الطاولة التي أمامها .. و انتزعت قرصاً لتتناوله أختي ..قدمته لها .. فرأيت بعين أختي شرراً يتطاير .. و كأنها قنبلة موقوتة على وشك الانفجار ..و بالطبع ,, تصرخ أختي غضباً لتسقط بالكوب على الأرض و تكسره و تسحق القرص تحت قدميها ..و تبقى تصرخ بجنون .. تلك حالة أختي المدللة .. لا تقبل تناول الدواء ..نظرت لها بأسى .. المصففة تمسك بيدها اليمنى و الخادمة تمسك بيدها اليسرى .. يحاولن فقط تهدئتها ..و هي تصرخ بجنون :" حتى يوم عيد ميلادي يلاحقني هذا الدواء ؟!! لماذا ؟!! لماذا ؟!! "
فتهرول والدتي للداخل .. تصرخ بي :" ما بها أختك "
" كالعادة ..! الدواء يثير جنونها "
أسرعت أمي لها و ضمتها لحجرها و خاطبتها بحنان :" كفى يا حبيبتي .. لا عليك..لن أجبرك على تناول الدواء "
صرخت أنا :" لكن أمي .. إذ لم تتناول الدواء سوف تسوء صحتها "
" أسكتي أنتِ .. أن تسوء حالتها الجسدية أفضل مما أن تسوء حالتها النفسية "

هكذا هدأت المدللة على حضن أمي .. خرجت أنا من غرفتها .. أختي سارة .. يستوجب عليها تناول هذه الأقراص بانتظام .. لأنها منذ كانت في السادسة عشر من عمرها راودتها تشنجات في المخ ..عندما ترتجف المنطقة المحيطة بشفتها في الجانب الأيسر لوجهها .. و تشل قدرتها على التحدث لدقائق .. هي نوبة تشنج ..
و لأن تلك النوبات كانت تراودها باستمرار .. تراجع مستواها الدراسي .. و لأنها لا تلتزم بالدواء استمر حالها السيئ هذا حتى بلغت الحادية و العشرين سنة ..أي عمرها الحالي ..
لا أحد يستطيع إقناعها أن الدواء هو من صالحها .. و سر كآبتها أحياناً بسبب هذا المرض ..
من الذي يستطيـع إقناعها و التحكم بها يا ترى ؟!! فكروا معي ..
=
تجهزت جيداً لحفل عيد ميلادي .. و أصبحت رائعة .. و ها هي أختي منى ترتب خصلات شعري.. و تطبع قبلة على خدي و تقرصه ثم تقول بضحكة :" سارة .. أنتِ رائعة "
ابتسمت أنا .. و ها هي أمي تمطرني قبلاً و كلمات تشجعني أكثر وترفع من معنوياتي ..و أروى بعدها لا تتركني إلا بعد أن تفرغ شحنة القبل و الكلمات الرائعة .. و لا تنسوا الخادمات ..لن يتركنني .. يظلون يرتبون شعري و يداعبونني .. لحظة ! هل نسيتم والدي الحبيب .. لقد حملني بكل ما لديه من قوة.. و هو يردد :" دمتِ لي يا صغيرتي الجميلة "
و ليس هذا فقط .. خرجت من غرفتي أتجه للصالة لأتلقى بنات خالتي هناء و أخوهن ماجد و مداعباته السخيفة .. و وائل ابن خالتي غيداء و عمه إياد و سالم و عماته مروة و سمية ..
أوه .. لا تنسوا .. خالتي هناء و زوجها يكررون دائماً :" هذه المدللة سوف تكون من نصيب ابننا "
و ليس هذا فقط .. وائل و سالم لا يبعدون نظرات الإعجاب عني .. و كذلك عمة وائل المسماة ذكرى .. تمطرني بالكلمات التي لا تنتهي و بالقبل .. و خالتي غيداء .. تضمني إلى صدرها و لا تتركني إلا بعد أن تسحبني خالتي الأخرى هناء .. و زوج خالتي غيداء .. لا يتركني و يمطرني بنصائحه التي لا تنتهي .. أهذا وقت النصائح ..
أوه لا تنسوا ..صديقات أمي الكثيرات .. هذه تقول :" رائعة " و هذه تقول :" جذابة " و الأخرى تقول :" ستكون زوجة ابني في المستقبل " لماذا يتحدثون عن الزواج في كل حين ؟!!
وقفت بقرب الكعكة حيث أطفأت جميع الأنوار .. و الجميع حولي يرددون ذلك النشيد .. إلى أن قربت أنا وجهي للشموع .. كانت أحدى و عشرين شمعة ..على الكعكة .. طفأتها بكل ما لدي من قوة ..هذا هو عيد ميلادي الحادي و العشرون ..
و هنا أتلقى الهدايا من كل فرد من العائلة .. بعد ذلك .. نجلس نحن الشبان و الشابات على الأرض نشكل دائرة و نظل نتحدث و ندردش .. بجانبي يجلس إياد الذي لا يتوقف عن الحديث .. و في الجانب الآخر سمية .. تعاكس أخيها في كل كلمة يقولها .. وائل لا يفعل شيئاً السخرية و لا شيء غير ذلك.. ..منى تخاطب نهلة بهمس .. و أروى تفعل الشيء نفسه مع ليلى .. ماجد .. على وشك العراك مع سالم .. و مروة تشارك هذا و ذاك في الأحاديث..جميعنا نحن الفتيات لا نرتدي الحجاب .. إلا سمية .. التي اتبعت نصائح أخيها إياد ..

بعد فترةٍ نهضت سمية مشيرة لساعتها :" لقد تأخرنا "
و نهض من بعدها إياد .. و هنا استوقفته نهلة بصرخة :" آه .. أيها الخائن لماذا تجاهلتنا اليوم عندما لوحنا بأيدينا لك .. لا تقل أنك لم ترانا .. لقد انطلقت بالسيارة هروباً منا أليس كذلك .. أيها الخائن الماكر و.... "
قاطعها إياد باسماً :" هيه .. أنا كنت مستعجلاً جداًً .. لذلك أعذروني "
صرخت نهلة :" لا لن نعذرك "
سحبت سمية يد أخيها قائلة :" دعك منها .. "
و انطلقت خارجة من المنزل مع أخيها .. و هنا نهضت مروة و خلفها الاثنان وائل و سالم .. خالتي غيداء و زوجها عادل و أخته ذكرى خرجوا من البيت مودعين أمي ..
و ها هي خالتي هناء تصرخ بنهلة و ماجد و ليلى :" هيا .. سنعود للمنزل "
و هاهم ينهضون و يخرجون من المنزل .. منى نهضت متجهة نحو غرفتها و أروى اتجهت نحو أمي ..

=
في صباح اليوم التالي كنت جالسة أتناول فطوري مع والدتي .. دفعت أمي بيدها كوب العصير تجاهي قائلة بهمس :" منـى "
رفعت رأسي ناثرة شعري عن وجهي و قلت مستفهمة :" ماذا ؟!! "
ابتسمت أمي :" كم أصبح عمركِ عزيزتي "
استغربت ! منذ متى كانت أمي تسأل عن عمري .. أجبت :" ثلاثة و عشرون سنة .. أهناك مشكلة ؟!! "
حملقت أمي بي قائلة بابتسامة غريبة :" و أختك سارة عمرها إحدى و عشرون سنة و أختك أروى عمرها عشرون سنة .. أليس كذلك عزيزتي ؟!! "
قلت باستغراب :" نعم ؟!! أهناك شيء ؟!! "
أخذت أمي شهيقاً ثم بدأت حديثها :" أنتن أصبحتن في سن يسمح لكن بالزواج "
اتسعت حدقتا عيني تعجباً .. فأكملت أمي :
" أسمعي منى .. وائل ابن خالتك .. شاب .. وسيم .. مثقف .. و هو طلب يدك مني البارحة .. فما رأيك ؟!! "
صمتت لبرهة أفكر .. أنا سأتزوج ؟!! و من ؟!! ابن خالتي وائل الشاب الذي تتمناه جميع الفتيات ؟!!
قلت مصدومة :" أمي أنـا ... لا أعلم ماذا أقول لكِ "
" لا بأس عزيزتي يمكنك أن تفكري .. و إن كنتِ موافقة .. سأخبر أختي غيداء لكي تحدد موعد المقابلة .."
نكست رأسي مصدومة .. فقالت أمي :" أيضاً .. ماجد يريد خطبة أروى .. "
حملقت بأمي :" ماجد ؟!! يريد خطبة أروى ؟!! "
" نعم "
" و ماذا عن أختي سارة "
" عزيزتي سوف نقيم زفاف جماعي لكم جميعاً .. سارة لم يتقدم أحد لخطبتها .. و لكن عادل زوج غيداء قال أنه سيعرض فكرة خطبتها على ابنه خالد "
صُدمت :" أمي .. أليس هذا هو المجنون ؟!! "
صرخت بي أمي :" لا! .. لا تقولي ذلك .. أنه تعالج .. و عاد أفضل من جميع الشبان هؤلاء .."
صمتت أنا .. فابتسمت أمي قائلة :" فكري بما قلته لكِ جيداً عزيزتي "
نهضت و أنا أهز رأسي حاملة كتبي خارجة من المنزل .. السائق الآن ينطلق لإيصالي الجامعة .. و أنا سارحة ..
أنا سأتزوج وائل .. أروى ستزوج ماجد .. سارة ستتزوج خالد ..و نهلة من ستتزوج ؟ ليلى من ستتزوج ؟!!
سارة و ابن خالتي المجنون هذا .. كيف ستكون حياتهما .. مريضة جسدياً .. سوف ستتزوج بمريض نفسياً .. سوف تكون حياتهما جحيم ..أختي أروى .. كيف ستتعايش مع الذي لا يطاق ماجد ؟!! و نهلة ! هل ستترك صداقتي لزواجي من وائل .. أفضل شاب لديها ؟!!
رباه علي التفكير بشريك حياتي المستقبلي .. وائل ..
من أنت ؟!! جميع الفتيات يقعون في حبك و لكن .... أنا أشعر أنك ماكر جداً ..
=

قطب حاجبيه متعجباً .. نظر لي .. ثم أعاد النظر لوالده الذي ينتظر منه الإجابة ..
قال باستغراب :" أنا ؟!! "
قال أباه بابتسامة :" نعم .. ما رأيك ؟!! "
استفهم قائلاً :" و من تكون هذه الفتاة ؟!! "
" سارة .. ابنة خالتك هيفاء.. مريضة .. تحتاج لمن يساعدها .. تحتاجك .. "
و قلت أنا :" نعم .. أنها بريئة جداً "
و أيدّني عادل قائلاً :" نعم .. كما يقول إياد .. الفتاة بريئة جداً .."
حملق خالد بأبيه .. ثم نظر لي .. قائلاً :" و لكـن من قال أني أريد الزواج ؟!! "
أمسك عادل بكتفي عادل و هزه بحماس :" بني .. أرجوك .. الفتاة تحتاجك .. الفتاة تحتاج لمن يحميها "
قال باستنكار :" و أهلها .. ألا يحمونها ؟!! "
" بلى .. و لكنك مؤكد ستبقيها في حصن يحميها .. أرجوك بني .. أريد رؤية عيالك .. أخيك وائل سيتزوج أيضاً أختها الكبرى "
هنا رأيت الشرر ينفلت من عينه .. إذ سمع أسم أخيه يشتعل غيظاً ..سأل :
" و لماذا هو يتزوج بالكبرى و أنا بالصغرى ؟!! ألست أنا الكبير ؟!! "
ابتسم عادل:" بلى ..و لكن وائل لا يستطيع الاهتمام بسارة جيداً .. أنه عديم المسؤولية .. أنت بالتأكيد ستهتم بها جيداً "
ابتسم خالد أخيراً .. فاستغل عادل ابتسامته و قال له :
" متى تريد مقابلة الفتاة ؟!! "
أخذ يفكر قليلاً .. و هذا ما أشعرني و أشعر عادل بالطمأنينة .. على الأقل أنه يتقبل فكرة الزواج ..

" يوم الثلاثاء .. أهذا يوم مناسب ؟!! "
هزّ عادل رأسه ايجابياً بابتسامة عريضة .. :" نعم مناسب "

=

لا أخفي عليكم .. خالد .. لا يكف عن طرح الأسئلة عن ( سارة ) .. أظن أن من حقه أن يعرف شخصية من سيتزوج.. حدث أن وائل رفض منى من أول مقابلة لهما و هذا ما ثار غيظ منى حتى أنها تحبس نفسها في غرفتها .. لا إعجاباً بوائل .. بل غضباً منه .. لقد كسر غرورها ..
حان موعد المقابلة.. يرحب والد سارة بخالد بحرارة و بي و بعادل ..و يدعونا للجلوس في الصالة ..
يبدأ والد سارة بحديثه ليعبر على غضبه من وائل .. و كيف جرح منى كثيراً .. خالد ! لا يشاركنا هذا الحديث .. طبعاً لأنه يدور حول وائل ..
الآن يوجه والد سارة حديثه لخالد .. :" بني خالد .. يسعدني أنك جئت لخطبة ابنتي سارة .. و لكن يا عزيزي عليك تعلم بعض الأمور عنها .. لأنها ستكون زوجتك في المستقبل "
هنا يبد خالد اهتماماً لمَا يقوله السيد أبا سارة .. حيث قال :
" أولاً ابنتي تعاني مرضاً .. تواتيها تشنجات في المخ .. لذلك أرجوا منك الاهتمام بها جيداً .. و عدم الصراخ في وجهها أو إرعابها..و أن تساعدها في التغلب على هذا المرض من خلال أن تقنعها أن الدواء من صالحها "
خالد الآن يبدِ استغراباً من هذا الموضوع .. فيقول :" قلت لي أنها تعاني تشنجات في المخ ؟!! "
" نعم .. و أتمنى منك ألا تضجر أو تمل في مساعدتها على التغلب على هذا المرض .. لأننا يأسنا من ذلك "
هزّ خالد رأسه ايجابياً ..:" نعم أنا أتفهم هذا .. "
فيبتسم والد سارة بارتياح.. ثم يقول :
" ثانياً .. أنها تبدو كالطفلة البريئة .. فأتمنى منك ألا ترفض لها طلباً .. أو تغضبها .. "

فيقول خالد مقطباً حاجباه :" ذلك له حدود .. أنا لا أستطيع تدليلها لأقصى حد .. سوف أحاول عدم إغاظتها و لكن ليس لحد أنا أدللها و أكون خادماً لها .. أنا بصراحة عصبي المزاج .. و سوف أحاول أن أرضيها قدر ما أستطيع و لكنها يجب أن تراعيني هي أيضاً "

والد سارة لم يطمئن لحديث خالد .. فقال عادل منقذاً :" ابني صريح جداً .. و هو من الخير أن يحاول خالد مراعاة الفتاة .. و أظنه سيحاول تدليلها و لكن ليس للحد الذي تتوقعه .. "

هزّ والد سارة رأسه مرتاحاً .. ثم قال :" ثالثاً ..أبنتي جسدها ضعيف فلا تستطيع إنجاب الأطفال "

كنت أتوقع أن خالد سيعارض بشدة و لكنه قال :" لا بأس .. أنا أيضاً لا أريد إنجاب الأطفال "
ارتاح أبا سارة كثيراً .. ثم خاطب خالد :" ألا تريد مقابلة الفتاة ؟!! "

هزَّ رأسه ايجابياً :" بلى "

=

منى تصرخ بي :" سارة ارفضيه .. صدقيني هو مجرم و قاتل و متوحش .. ارفضيه "
و من جهة أخرى تصرخ بي أروى :" سوف يتقدم لكِ آخرون و آخرون .. فقط لا تقبلي بهذا المتخلف عقلياً "
صمتت بحيرة .. أنا سأصبح زوجة ؟!! لا أتخيل ذلك ..
و لماذا والدي و والدتي يؤيدان زواجي من هذا الشاب و أختاي يعارضان بشدة ؟!!
لماذا هذا التضاد ؟!! أنا لا أفهم شيئاً ..ثم .. أنا لم أرى هذا الشاب من قبل .. قالوا لي أسمه خالد ..
خالد .. هناك من يرفضك و هناك من يقبلك .. و أنا لا أدري ما أقول ..
فُتح باب الغرفة و طل والدي و والدتي منه و قال والدي بهمس :" سارة .. العريس ينتظرك .. "
سرت رعشة في جسدي .. رباه.. رباه .. وقفت .. ثم جلست ..
خاطبتني أمي مستغربة :" هيا تعالي .. ما بك ؟!! "
وقفت ببطء .. نظرت لمنى و أروى .. همست منى :" لا تنسي ما قلناه لك .."
مشيت نحو أمي بخوف .. رتبت هي شعري .. و طبعت قبلة على وجنتي و قالت :" هيا اتبعي والدكِ "
ها هو والدي يسحب يدي بلطف و يقودني إلى غرفة الجلوس ..
يقول لي قبل أن أدخلها :" عزيزتي .. أسمعي ما يقوله خالد و احفظيه جيداً .. "
أهو درس تاريخ ؟!!
ابتسم لي و قال :" هيا أدخلي .. "
كنت مترددة جداً .. أمسكت بمقبض الباب .. آه أنا و المجرم في غرفة واحدة .. و لا أحد معنا ؟!!
رباه ..انفلت من يدي مقبض الباب .. فكنت متوترة جداً ..
خاطبني والدي مستغرباً :" ما بك صغيرتي ؟!! "
قلت بارتباك :" لا شيء .."
و هنا ابتعد والدي قليلاً و قال :" أدخلي عزيزتي .. "
فتحت الباب بهدوء ..و دخلت منكسة الرأس .. و أغلقت من ورائي الباب و لا أدري كيف أغلقته ..تحسست شيئاً على ذلك المقعد ..اقتربت .. اقتربت .. و جلست على المقعد المقابل .. منكسة الرأس ..لا أصدر أي صوت ..
أنفاس باردة تصدر من الطرف المقابل .. و أنا لا أجرؤ على رفع رأسي ..

" سارة اسمعيني .. "

فزعت !! صوت جامد جداً .. جاف جداً ..رباه أنقذني من هذه الورطة .. التزمت الصمت و لا شيء غير الصمت.. الخوف يقتلني .. أمامي كما تقول أختي منى " قاتل و متوحش " .. أنه صارم جداً ..
أهكذا يعاملني و نحن في أول مقابلة ..؟!!

" ارفعي رأسك "

قلبي أخذ يقرع كطبل أفريقي مجنون .. و كأنه يهددني بالقتل .. رفعت رأسي بصعوبة بالغة ..
و وجهت بصري على الشيء المتربع أمامي ..

ملامح صارمة جداً .. و لكن ..أنه وسيم .. ملامح غريبة قليلاً .. و لكنها رائعة ..
ابتسم لي .. أوه .. احمرت وجنتاي خجلاً .. فنكست رأسي على الفور ..

أخذ يتحدث و يتحدث .. و أنا لا أسمع شيئاً .. ركزت أنظاري على حذائه الأسود هذا .. بصراحة ! شعرت أنه أكبر مني بكثير .. أي أنه يتحدث بثقة أكثر .. ارتفعت أنظاري من حذائه إلى ساقيه .. يضع رجلاً فوق رجل و كأنه سمو ( الأمير ) ..
أنا بصراحة لا أحب أن أتزوج بشاب كهذا .. جامد .. يثق بنسفه .. أريد أن أتزوج بشاب يشبه إياد.. ليس مائعاً و ليس جامداً .. عادي .. عادي .. أريد الزواج بشخص عادي ليس إلا ..

و هنا ارتفعت أنظاري إلى الأعلى قليلاً .. قالوا لي أن عمره خمسة و عشرون سنة ..و لكني بصراحة أراه أكبر من ذلك من طريقة حديثه ..

ارتفعت أنظاري إلى الأعلى و الأعلى .. حتى رأيته وجهه مرة أخرى .. رباه ..
نكست رأسي على الفور .. رباه أكاد أحترق خجلاً ..

توقف هو عن حديثه ذاك .. و سمعته يقول بقلق :" ما بك ؟!! "
رفعت رأسي قليلاً .. و ركزت أنظاري في وجهه .. يجب أن أكون شجاعة ..

دعوني أصفه لكم ..
في البداية شعرت بخوف منه .. فكان يقطب حاجبيه بطريقة ترعبني ..
قالوا لي أنه أخ وائل .. بصراحة هناك فرق جامح بينهما .. أولاً هذا الجالس أمامي ..
شعره أسود كثيف جداً .. ليس ناعماً بذلك القدر .. أظنه عادي .. يملك هذا الجالس أمامي ..حاجبان طويلان .. و كثيراً ما ( يقطبهما ) .. و عينان ناعستان ( رماديتان ) .. من أين جاء بهذا اللون الغريب ؟!!
تظهر هالات سوداء خفيفة تحت عينيه لتزيدني تصديقاً أنه مجرم .. بشرته بيضاء ..
طريقة جلسته لا تعجبني .. من يظن نفسه ؟!!

طويل .. غريب .. خالتي غيداء ليست طويلة و زوجها ليس طويلاً بذلك القدر .. من أين جاء هذا الجالس أمامي بهذا الطول الغريب ..؟!!

بعد فترة التأمل الطويلة تلك .. انتبهت أني بالغت في ذلك .. تبدلت ملامحه من الجمود إلى اللطف قليلاً ..
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة .. و خاطبني :" إلام تنظرين ؟!! "
حملقت به مستغربة و هنا احمرت وجنتاي خجلاً و عدت أنكس رأسي ..

بصراحة أنا لا أخجل من الرجال لهذه الدرجة و لكن هذا الرجل نظرته تشعرني بالخجل ..
بقى يتحدث عن أمور شتى .. أم أنا صامتة و منكسة رأسي ..
حتى نهض قائلاً :" تأخرت .. سوف نحدد موعد المقابلة الأخرى فيما بعد .. "
و ها هو يتجه نحو الباب .. فوقفت أنا و اتجهت نحوه لأقيس طوله .. أنه أطول مني بكثير .. !

يمد يده نحو مقبض الباب فيفتحه .. و يخرج و يصطحبه والدي إلى خارج المنزل .. و قبل خروجه يتحدث مع والدي قليلاً .. وقفت لبرهة أتأمله .. أهذا هو زوجي المستقبلي ..
جامد لدرجة لا تطاق ..طويل لدرجة لا تطاق .. و ماذا أيضاًَ ؟!!

و بينما كنت في لحظة تأمل .. التقت أنظارنا .. نكست رأسي على الفور خجلاً .. و لكن عينيه الرماديتين جذبتني للنظر إليهما .. رفعت رأسي و عدت بأنظاري له .. فإذاً به يتحدث مع والدي و هو ينظر لي .. يبدو أنه يتحدث عني .. و ها هو يبتسم مجدداً في وجهي و يرفع يده ليلوح لي مودعاً ..

و خرج ! عدت إلى غرفتي حيث كانت أختاي تنتظراني .. وقفتا تنظران لي .. ثم سحبتاني و أجلستاني على مقعد .. و أروى تربعت على الميسرة و منى تربعت على الميمنة ..

" ماذا حدث ؟!! "
قالت منى بخوف .. فتنهدت و أرجعت رأسي مسنداً للوراء .. و أغمضت عيني قائلة :
" بصراحة ! .. لم أسمع شيئاً مما قال .. و لكنه على ما أظن جامد جداً .. و لا يبدو ( مريض نفسياً ) .."
و استطردت :" و لكنه بادلني ببعض الابتسامات .. ذلك جيد "
نظرت لي منى باستغراب .. و أروى خاطبتني بنفاذ صبر :" ما رأيك به الآن ؟!! "

قلت بانفعال :" قلت لكما .. أنه جيد .. جيد .. "
" هل تعنين بهذا أنك موافقة على الزواج به "

صرخت :" طبعاً لا ! "
ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي منى و أروى حائرة ..فقلت أنا :
" أقصد أني لم أفكر في الأمر جيداً .. أو ربما أني أحتاج لمقابلة أخرى لكي أتعرف على شخصيته أكثر "

و ها هو والدي يدخل غرفتي باسماً .. جلس على أحد المقاعد و قال :
" خالد يقول عنك أنك كنت خجولة جداً .. و لكنك أثرت إعجابه "
ارتفعت الدماء إلى وجهي .. أكاد أحترق خجلاً .. أثرت إعجابك ؟!! كيف ؟!! أنا لم أنطق .. أنا لم أرفع رأسي سوى لثواني .. إن هذه المقابلة لم تستغرق حتى نصف ساعة ..
نكست رأسي خجلاً فبادرني والدي بسؤاله :" ما رأيك به بنيتي ؟!! "

" أأ .... أبي .. أنا .. أحتاج لأفكر قليلاً "

وقف والدي و قال بفرح :" بل فكري كثيراً .. فما هي إلا مقابلة أولى .. و سوف تتبعها مقابلات "

و هنا غادر والدي و غادرت ورائه أختاي ..
استلقيت على سريري .. آه .. أنت أيها الجامد .. هل أنت حقاً ( زوجي ) المستقبلي ؟!!
أنا اعتدت أنا يعاملني الجميع بفرح و مرح .. لا جمود !
أني لا أرى فيك جنوناً .. و لكني أرى فيك تعقيداً ..
ترى ! هل أعجبتك أنا حقاً ؟

بنووتة
20-04-2006, 01:28 PM
مشكورة الغالية عالقصة الروووووعة
نتريا التكملة لا تتاخرين

هاوية القراءة
22-04-2006, 10:50 AM
عذوب أعجبتني قصتك جداجدا جدا دائما أنهي أعمالي بسرعة من أجل أن أتفرق لقراءة أجزاء قصتك الممتعة.
أول ما لفتني في منتدى القصة والمقال هي مساهمتك هذه.


أتمنى لك التوفيق....

الغزال العنيد
22-04-2006, 11:04 AM
رووووووووعه
روووووووووووعه القصة

تسلمييييييين فديتج

نتريا التكمله

عذووب
22-04-2006, 01:31 PM
اشكر "" بنوته "" على المرور ..
تسلمين حبيبتي ..


اشكر "" هاوية القراءة "" المرور ..
ابصراحة اسعدني مشاركتج في موضوعي وإنشاء الله الحينا بحط الجزء اليديد ..
وتسلمين حبيبتي ..


اشكر "" الغزال العنيد "" على المرور ..
تسلمين حبيبتي ..

عذووب
22-04-2006, 01:33 PM
الجزء الرابع و العشرين
زواجـي من خالد

صعد خالد المقعد الأمامي و جلست أنا في الخلف ,, و ها هو عادل ينطلق بالسيارة و يبدأ بمخاطبة خالد:
" أخبرني أيها العريس .. ما هو رأيك بالفتاة ؟!! "
اتجهت أنظاره للنافذة كالعادة .. ثم قال بصوتٍ أشبه بالهمس :" لا أعلم .. "
دُهشت أنا .. و قال عادل باستغراب :" لا تعلم ؟!! ألم تقابلها منذ قليل ؟!! ألم تتحدث معها ؟!! "
" هي صامتة طوال الوقت .. "
" و ما رأيك بجمالها .. أظنها تحمل ملامح بريئة جداً "
" للأسف لم أرى وجهها إلا لثوان .. تنكس رأسها طوال الوقت .. "

بادلني عادل النظرات مستغرباً .. ثم عاد ليخاطب ابنه :" حسناً .. ما رأيك بها و هي صامتة و منكسة رأسها "
أشار برأسه نفياً :" لا أستطيع الحُكم عليها سوى أني أقول عنها .. أنها خجولة جداً ..جداً .. "

تنهد عادل باستسلام .. و أكمل مسيره ..

توقفت السيارة بقرب منزلنا .. فقال خالد مستغرباً موجهاً حديثه لأبيه :" ألن توصلني إلى شقتي ؟!! "
ابتسم أبيه و أمسك بيد ابنه و قال :" عزيزي .. تعال جالسنا قليلاً .. "
هنا سحب خالد يده من قبضة أبيه .. و قال بجمود :" أبي .. أريد الذهاب لشقتي لأرتاح .. "
" و بيتي ألا يريحك ..؟!! عمتك مشتاقة لرؤيتك .."
ألقى خالد نظرة على المنزل بقلق و تردد .. فقال والده مشجعاً :" هيا ..! "
و بعد إلحاح كبير .. وافق خالد على دخول المنزل .. و لكن على شرط أن يلقي التحية على أختي ذكرى فقط ..
دخل عادل المنزل و من ورائه خالد و أنا ورائهما .. و قبل دخول خالد سمعنا صوت وائل الذي أثار خالد ..:
" آه أبي .. تعال و أنظر لأختك هذه .. "
انقبض قلب خالد ..و تراجع للخلف خطوتين .. نظر لي و عيناه تكاد تخرجان من مخرجيهما .. عضّ شفتيه قهراً .. و ها هي أنفاسه الباردة تحتر و تتحول إلى أنفاس حارة ملتهبة .. كاد أن يحطم مقبض الباب بقبضته تلك .. ألازال لا يطيق أخيه ؟!!
ها هو عادل يبتعد قليلاً ليعطي أبنه وائل فرصة لرؤية أخيه ( خالد ) ,, و الآن التقت أنظارهما .. رباه ..
ارتسمت على شفتي وائل ابتسامة شبه ساخرة و هو ينظر إلى خالد ..:" آه خالد .. كيف حالك أيها .......؟!!"
ثم نكس رأسه قبل أن ينطق بالكلمة الأخيرة ضاحكاً .. و نهض و اقترب من أخيه و تعمد الاصطدام به ..
أنا بصراحة لا أطيق هذا الشاب .. و لكن ليس لحد خالد ..رفع وائل يديه يدّعي الاستسلام و قال بنبرة ساخرة :
" أوه .. المعذرة .. لم أقصد "
و خرج من المنزل بضحكات سخيفة ..
أخرج خالد من جيبه منديلاً و أخذ يمسح قطرات العرق البارزة على جبينه .. يكاد ينصهر غيظاً ..و وجهه احمر احمرار غير طبيعياً .. حيث اقترب من الردهة .. و أشار إلى المكيف قائلاً :" الجو حار "
بل نيران جوفك هي الحارة ..أسرعت أختي ذكرى بتشغيل المكيف و اقتربت من خالد و أخذت تسأل عن أحواله ..و عادت و جلست على مقعدها .. جلس خالد بقرب أبيه .. مسنداً رأسه للخلف و تيارات المكيف الباردة تلفح وجهه علها تخفف احمراره الشديد ..
و بقيت ذكرى تسأل عن المقابلة التي جرت بين خالد و سارة .. فأخبرها عادل بأن العروس كانت تنكس رأسها دوماً و تصمت دوماً .. و لم يعرف خالد شخصيتها أبداً ..
و ها هو عادل يوجه حديثه لخالد :" بني ! ألن تباشر في العمل في شركتي ؟!! "
أشار بوجهه نفياً :" لا ليس الآن .. "
" لماذا ؟!! أنت تقدمت لخطبة فتاة و يجب أن تكون مستعداً .. لكي تقبلك الفتاة و تفخر بك زوجك لها .. كما أني أرى أن غداً يوم مناسب لشراء سيارة جديدة لك .. "
عادل يبدِ اهتماماً كبيراً لأبنه الأكبر خالد .. أولاً لأنه الأكبر .. ثانياً لأنه يستحق الإعجاب حقاً ..بقينا نتحدث عن أمور شتى .. و مضيت ساعات طوال دون أن ندري ..أنا شعرت أن غيداء تقف خلف باب المطبخ و تصغي إلينا .. أو بالتحديد .. تصغي لماَ يقوله أبنها ..
ها هو باب المنزل الرئيسي يُفتح .. يدخل وائل متجهاً نحو السلم .. ثم يلتفت لنا .. ارتسمت على وجهه ملامح الذهول و هو ينظر إلى أخيه .. اقترب قليلاً بابتسامة ساخرة .. :" آه .. خالد .. ألازلت هنا ؟!! "
ابتسم خالد قائلاً :" ألا يعجبك وجودي يـا .... " و أكمل قوله بعد برهة :" أخي "
و كأن كلمة "أخي" ثقيلة على لسانه ..

" وجود مجرم قاتل .. في منزلنا شيء مكروه جداً .. "

يبتسم وائل بعدما قذف تلك الكلمات الجارحة كالقنابل على رأس خالد .. لا تسألوني عن خالد .. لقد انصهر ..
كنت متأكد أن الأمر لن يمر بسهولة .. خرجت غيداء من المطبخ راكضة نحو ابنها وائل .. صرخت به :

" أسكت .. لا تحادث أخاك هكذا .. ! "

ابتسم وائل ابتسامة ساخرة و هو يوجه نظرات ساخرة نحو خالد .. :
" أني لا أتشرف أن هذا .. هو أخي "

نهض خالد ..و اقترب من الباب الرئيسي للمنزل و وجهه شديد الاحمرار ..التفت لوائل و قال بغيظ :
" إذ كنت أنت لا تتشرف بي .. فأنا لا أتشرف أن أدوس أرضاً .. أنت تدوسها "

و أمسك بمقبض الباب و قبل خروجه همس وائل :" إلى الجحيم "

رمق خالد أخيه نظرات مخيفة جداً .. أيمكن أنه سمعه .. قال بنظرة مخيفة جداً .. :

" بل أنا من سأقذفك إلى الجحيم .. "

و رفع قبضة يده :" بيدي هذه !! "

و خرج من المنزل ..

=
تكررت أصداء جملته الأخيرة لتضيف جواً مخيفاً ..:

( بل أنا من سأقذفك إلى الجحيم .. بيدي هذه )

ما الذي يقصده خالد ؟!! أيريد تجديد جرائمه ؟!!
أنه كان مقهوراً و جاداً في حديثه ..

خرجت من المنزل لإيصال خالد لشقته .. رأيته واقفاً بقرب السيارة .. و رغم أن الظلام حالكاً .. لاحظت أنه غاضب جداً .. صعدنا السيارة بصمت ..أخذت أقود السيارة و خالد بجانبي صامت ..
توقفت بقرب المبنى الذي فيه شقة خالد ..أمسك خالد الباب راغباً بفتحه و لكني استوقفته :" خالد "
التفت لي و وجهه شديد الاحمرار .. قلت :" أرجوك خالد لا تحقد على أخيك.. أرجوك لا تفكر أن وائل يكرهك ..لا تهتم لما يفعله.. ما هو إلا شاب عابث "
أطال النظر إلي .. ثم أسند رأسه للخلف .. أغمض عينيه و تنهد بألم .. همس بألم :
" ليتني قتلته بدلاً من تلك الطفلة الرضيعة ..

ليتني لم أعش حياتي و مت قبل تلدني أمي ..

ليتني كنت ابناً لأبى سامر و لم أكن أبنكم ..

ليتني لا أملك أخاً أسمه وائل ..

ليته مات ..

ليته مات .. "

كان يصعقني بكل كلمة يقولها .. أيتمنى موت أخيه ؟!!
لم أرَ في حياتي شخصاً كخالد ..

عاد و مد يده للباب و فتحه و خرج من السيارة .. فاستوقفته :
" خالد .. لا أستطيع تركك هذه الليلة وحدك .. دعني أبيت الليلة في شقتك "

أشار بوجهه نفياً و بصوت مخنوق خاطبني :
" لا .. لا داعي "

أخذ يمشي نحو ذلك المبنى .. كئيب جداً ..
استوقفته صارخاً :" خـالـد ! "

استدار لي .. فصرخت بكل ما لدي من قوة :

" لا تفقد أملك في الحياة ..

أرجوك ..! "
همس بصوت حزين خافت و لا أدري كيف سمعته :

" فقدته و انتهى الأمـر "

=

البارحة كنت مصراً على المبيت مع خالد .. أنه ليس في حالته الطبيعية ..و لكنه كان يصر أكثر على البقاء وحده .. صباح هذا اليوم جئت مسرعاً للاطمئنان عليه ..قرعت جرس الشقة بقوة ..و بعد فترة يفتح خالد لي الباب و يبتعد نحو أحد المقاعد و يجلس عليه بتعب شديد .. تظهر هالات سوداء تحت عينيه لتؤكد لي أنه لم ينم البارحة ..اقتربت منه و جلست بقربه :" ألم تنم البارحة ؟!! "
أشار بوجهه نفياً :" لم أستطع .. "
ثم أخرج من جيبه أقراص و قال بتعب ملحوظ :" لم تعد تنفع هذه المسكنات في شيء "
مسكنات ؟!! قلت مستغرباً :" لمَ تتناول المسكنات ؟!! أتعاني من شيء ؟!! "

وضعها هو على الطاولة و أسند رأسه للخلف و أمسك به .. و قال و هو يغمض عينيه :
" آلام الرأس الحادة لا تفارقني .. "
قلت مواسياً :" أعانك الله "

=
رغم أن خالد مر بحالة غير طبيعية من الحزن الشديد .. إلا أنه باشر في العمل في شركة أبيه .. و تدرب قيادة السيارة و اشترى له سيارة أفخم و أضخم من سيارتي بكثير .. كل ذلك لأجل " سارة "
ها هو الآن يقضي المقابلة الثانية معها ..و نحن ( أنا و عادل ) نجالس أباها و نتحدث معه ..

=
كنت جالسة على نفس المقعد الذي جلست عليه في المقابلة الفائتة .. و كذلك هو ..
في هذه المقابلة .. تمكنت أخيراً من الإصغاء لحديثه و عرفت أنه يخاف علي كثيراً .. و هذا أسعدني..
حيث كان يقول بصوته الجاف ( الجامد ) و الرائع :
" و سوف نتبع خطة لألا تواتيك هذه التشنجات .. أولاً علينا الاتصال بالطبيب المشرف على علاجك بين الفينة و الأخرى .. و ثانياً .. عليك تناول الدواء بدون تذمر ..لأن الدواء من صالحك .. و إن لم تواظبي على تناوله سوف تتأزم حالتك كثيراً .. و سوف أطّر لعرضك على طبيب آخر "
قلت بانفعال :" لا.. لا .. "
و لكني نكست رأسي خجلاً و خفضت صوتي :" لا داعي .. سوف أعمل تحت أمرتك .. "
استمر الحديث و أنا أصغي له بكل اهتمام .. أنه أعظم من أستاذ يعلمني .. أنه أعظم من طبيب يعالجني .. أنه أعظم من أب ينصحني .. شعرت بشعور رائع و أنا أصغي له .. و لكني أبقى أخجل منه قليلاً ..
حتى انتهت المقابلة ..ينهض هو و يوصيني بتناول الدواء جيداً و الاعتناء بنفسي .. و ها هو يغادر ..
وقفت في شرفة غرفتي أراقبه و هو يصعد السيارة مع أبيه و عمه .. أنه أطول منهما .. يا للغرابة ..!!
بقيت أتأمل القمر لبرهة .. و ها هي منى تمنعني من اللحظات السعيدة بصرختها :
" أوه سارة .. ماذا تفعلين هناك ؟!! "
التفت لها .. و تنهدت بابتسامة .. أشرت للقمر :" أراقب القمر .. "
اقتربت هي مني و وقفت بجانبي فقلت أنا :" أنا موافقة ! "
التفت لي و الاستغراب مرسوم على وجهها :" علامَ ؟!! "
نكست رأسي بخجل :
" على زواجي من خالد "

=

منذ أن وصلنا خبر موافقة سارة على الزواج .. تحسنت نفسية خالد كثيراً ..و بدا يهتم بأمر زواجه كثيراً .. حيث يحادث سارة عن الأمور التي يجب أن تجري بعد الزفاف .. حتى المدعوة " زينة " فرحت كثيراً لخالد و تمنت له حياة رائعة مع زوجته ..و كذلك غيداء فرحت لهذا الأمر كثيراً .. و أختي ذكرى و عادل ..
باختصار .. هذا الزفاف شغل العائلة كلها .. و قد قام الجميع على تحضيره .. لا تسألوني عن خالد .. يبدو فرحاً و متحمساً ..

حتى أقام الحفل هذه الليلة .. كان حفلاً رائعاً .. و خالد .. كان رائعاً جداً ..
سأختصر لكم ما حدث .. جرت حفلة رائعة .. حضرتها أمه .. و عمته .. و خالاته .. و بناتهن ..
و لأن خالد هو من طلب عدم خلط الإناث و الذكور في صالة واحدة .. حضرت أنا الصالة الخاصة للرجال ..
انتهى الحفل و لم تنتهي السعادة .. في أمل رؤية أبناء خالد .. مؤكد أنهم سيكونون رائعون ..!
و لكن لا أظن خالد سينجب أطفالاً .. فسارة ضعيفة جداً .. لا تستطيع حمل أي شيء ثقيل .. فما بالكم بجنين في بطنها ؟!!
لم أتمكن من التسليم على العريسان بسبب الازدحام الشديد على سيارتهما .. و ها هي تنطلق نحو الشقة الواسعة الرائعة التي أجّرها خالد ليعيشان فيها إلى أن يشتري له و لزوجته بيتاً ..

كانت ليلة مميزة .. !

=

كنت أجلس في المقعد المجاور لمقعده .. أشعر بغبطة و سرور .. فأنا أرتدي فستان الزفاف التي تتمناه جميع الفتيات .. ألقي عليه نظرة سريعة .. فأجده يقود السيارة بيده اليمنى و بيده اليسرى يمسح عرق جبينه المتصبب .. الجو ليس حاراً لهذه الدرجة .. و لكنه دائماً هكذا .. ملتهب ! منصهر ! مشتعل !
و أعود لمراقبة الطريق و أنا في قمة الخجل .. فيزداد خجلي عندما يهتف باسمي :
" سارة ! "
و لأني فرحة جداً انتابني رغبة بالضحك و الضحك .. طريقته بنطق اسمي مميزة .. وجدت نفسي أنفجر ضاحكة ..فيلتفت لي في استغراب .. أنه يستغرب كثيراً .. من أمور كثيرة .. أيستغرب تصرفاً مجنوناً مني و أنا الطفلة المدللة سارة ؟!!

" هل قلت ما يضحك ؟!! "

رغم أنه يحادثني بكل جدية .. استمرت في الضحك و الضحك .. بطريقة جنونية .. و يبدو أنه ظن أني جننت حقاً ..التزم هو الصمت و هو ينظر للطريق و يلقي علي نظرات استغراب بين الفينة و الأخرى علي و أنا أحاول التحكم بأعصابي ..أحاول كتم ضحكاتي القوية .. فلازلت أضحك بدون داعي ..
إلى أن هدأت قليلاً و نكست رأسي بخجل .. فعاد يقول بصوته الجاف :
" هل انتهيت ؟!! "

و هكذا انفجرت ضاحكة مرة أخرى .. لا ! أنا لست سخيفة لأضحك بلا سبب و داعي .. و لكني لا أعلم ماذا جرى لي .. المسكين فقد ثقته بنفسه الزائدة و ألقى نظرة على المرآة المعلقة أمامه .. و كأنه يبحث في وجهه عن شيء يدعوني للضحك .. و لكن لم يجد شيئاً .. فعاد يلتزم الصمت و أنا أضحك بلا توقف ..

بعدها هدأت قليلاً .. و هو لم ينطق بأي كلمة و لم يرمقني بأي نظرة لكي لا أعود للضحك ..ألقيت نظرة خاطفة علي .. فصعقت ! توقفت لبرهة أركز فيه .. بدا لي مجرماً .. هيئته .. صوته .. نظراته ..طريقة جلسته .. هالاته السوداء .. كلها تدل أنه مجرم حقيقي .. ترى ! هل يريد قتل طفلة أخرى ؟!!
أظن ذلك .. و لكنها طفلة كبيرة .. و هي أنا ..!!

=

تصلبت أنظاري .. أحدق به .. أنه بلا شك .. قاتلي !!
توقفت السيارة .. الظلام حالك .. نزل هو من السيارة و دار نصف دورة حول السيارة لكي يفتح صندوق السيارة و يحمل حقيبتي و حقيبته .. و ها أنا أراه يقف بقرب باب السيارة لجهة مقعدي .. توترت .. أيريد مني الهبوط ؟!
لا .. أريد والدي و والدتي و منى و أروى .. لا أستطيع البقاء مع هذا المجرم .. لا ! لا ! أنقذوني ..
فتح هو الباب و همس :" أنزلي "
و لأنه جامد لدرجة لا تطاق .. مشى أمامي مباشرة يجر الحقيبتين دون الاكتراث بي .. و لكني متأكدة أن هذه آخر ليلة في حياتي .. سوف أموت .. و قاتلي هذا المتعطش للدماء ..رباه ..
رأيته يستدير لي و يقول بجمود :" ماذا تنتظرين ؟!!"
يبدو أنه مستعجل على شرب دمي ..رباه..سأنزل و سأكون قصة الفتاة البريئة التي قتلها زوجها في ليلة زفافها ..
نزلت من السيارة و أغلقت من ورائي الباب .. و ها هو يكمل سيره دون الاكتراث بي ..
مشيت ببطء أتبعه .. صعدت السلالم و كلي خوف .., فتح هو باب الشقة و دخلها .. رمى بالحقيبتين على المقاعد ..و أسرع بإشعال المكيف .. و جلس على أحد المقاعد و التيارات الباردة تلفح وجهه ..
ما هذا ؟!! دائماً يشعر بالحرارة تحرق جسده .. قد يكون خُلق من نار ..
يجب على الزوجة الآن تحضير لزوجها كوب عصير بارد ليطفئ نيرانه الملتهبة .. و لكني لا أملك القدرة على ذلك .. أني خائفة .. حملت حقيبتي بهدوء و دخلت غرفة النوم التي من المفترض أن نتشارك أنا و هذا الملتهب في النوم فيها .. و لكني سأقفل الباب و لن أدعه يدخلها و لن أسمح له أن يفعل ما يريد ..

" سارة "

رباه .. أخذ قلبي يقرع كطبل أفريقي مجنون .. أنه يناديني .. بصوته الجاف .. لم أستدر له و أغمضت عيني بوجل .. فسمعته يقول :" هل ستنامين الآن ؟!! "

أظن أنني لن أنام هذه الليلة .. لأني معك .. ستقتلني أيها المتوحش .. إذ أجبته بـ ( نعم ) .. سوف يأتي للنوم معي .. و أنا لا أريد منه الاقتراب مني حتى .. ترى بأي أداة سوف يقتلني ؟!! لا يوجد سكاكين ..
أظنه سيخنقني بربطة عنقه .. علي منعه .. صرخت :".. دعني أنام وحدي .. "
و ركضت و دخلت الغرفة و أغلقتها بإحكام ..
ارتميت على السرير بخوف .. بكيت .. ! نعم بكيت في ليلة زفافي .. و هي ليلة موحشة مرعبة ..
نظرت إلى نفسي .. فستاني الأبيض .. سوف تلطخ بالدماء قريباً .. لا.. لا أريد الموت ..أريد أبي و أمي و أختاي.. أريد العودة للمنزل .. أريد النوم في أحضان والدتي .. ألجأ لها كلما شعرت بالخوف ..
الآن .. إلى من ألجأ و أنا في قمة الخوف .. ؟!!
استبدلت فستاني بملابس للنوم .. لا أريده أن يلطخ بدمي ...مرت ساعة .. و ساعتان ..و أنا أدعو ربي .. أتمنى ألا يكون يريد قتلي حقاً .. كنت خائفة جداً .. أتوهم أصوات و صور .. أشاهد كوابيس و أنا مستيقظة .. أكاد أجــــن !!
أخيراً .. قررت أن أطل عليه .. فتحت الباب بهدوء .. و طللت على الخارج .. رأيته .. مستلقٍ على الأريكة ..بدون أن يبدل ملابسه هذه .. اقتربت منه .. و جلست على المقعد المجاور له .. تأملته جيداً .. قد يكون مجرماً في السابق .. و لكن هذا لا يعني أنه لازال هكذا ..
حاولت أنا النوم على المقعد .. فإن بقيت وحدي في تلك الغرفة ..سوف أجن ..
أغمضت عيني .. و نمت أخيراً ..

=

لم أنم كثيراً .. فإذا بصوت مزعج يخترق أذني .. فتحت عيني ..منبه هاتف خالد المحمول يرن بصوت مزعج ..ألقيت نظرة سريعة على الساعة .. الخامسة صباحاً ؟!! لماذا يريد الاستيقاظ في هذا الوقت ؟!!
خالد كما هو .. نائم بعمق .. و ها هو يفتح عينيه ببطء .. فأغمضت أنا عيني و تكومت على نفسي أدّعي النوم .. ها هو يوقف صوت هاتفه المزعج .. و أظنه ابتعد ..ألم ينتبه لوجودي ؟!!
أظنه يعبث بحقيبته .. و ها هو يقترب لي .. يضع شيئاً على الطاولة و يبتعد .. ألقيت نظرة على هذا الشيء ..
أحزروا ما هو ؟!!

الأقراص التي أتناولها أنا كعلاج لي ..

تذكرت ! أمي توقظني أحياناً في هذا الوقت لتناول الدواء و أقيم حفلة من البكاء حينها ..
هل يا ترى سأفعل الشيء نفسه الآن ؟!! لا أظن ..
أغمضت عيني بسرعة للحظة شعوري أن خالد اقترب من جديد .. انحنى لالتقاط الأقراص من على الطاولة .. و بيده الأخرى يحمل كأس ماء .. و ها هو يبتعد متجهاً نحو غرفة النوم .. يظن أني نائمة هناك .. يا لك من عديم الانتباه يا خالد .. ألم تنتبه لي ؟؟

هتفت :" خالد "

و عدت أخبأ رأسي لألا يراني .. ألقيت عليه نظرة من تحت ذراعي .. استدار بسرعة مقطباً حاجباه ..أخذ يدير عينيه على الصالة بأكملها .. و هو في حيرة من أمره .. و لأنه لم يجد شيئاً .. فتح باب غرفة النوم و طل على الداخل .. و همس :" سارة "

بالطبع لم يجد شيئاً .. رأيت على وجهه صدمة كبرى .. اقتربت منه بهدوء دون أن يشعر بي ..
وقفت خلفه حيث كان مصدوماً لرؤيته السرير خالياً ..

همست :" خالد "

استدار لي .. تنهد بارتياح .. و قال :" أوه سارة .. ماذا تفعلين هنا ؟!! ألم تنامي ؟!! "

أشرت برأسي بالنفي ..و أنا أبتسم ..

و ها هو يتجه نحو أحد المقاعد لتداعب نسائم المكيف وجهه .. نظر لي و أشار إلى الكأس و الأقراص التي بيده .. و قال بكل جمود :
" سارة .. تعالي تناولي الدواء "

اقتربت منه و جلست بقربه .. ناولني الكأس .. و أحد الأقراص .. فابتلعته .. و خالد يراقبني باهتمام ..ثم قدم لي القرص الآخر لابتلعه على الفور ..

نهض هو أشار إلى غرفة النوم و قال و الإرهاق بادٍ على وجهه ..بجمود يخاطبني:" و الآن .. إلى النوم "

نهضت و اتجهت نحو تلك الغرفة بخجل ممزوج بفرح كبير .. قبل دخولي استدرت لخالد الذي حمل الكأس و الأقراص و اتجه نحو المطبخ .. المسكين سوف ينام على هذه الأريكة التي لا تبعث لجسده الراحة ..

دخلت الغرفة .. و أبقيت الباب مفتوحاً لألا أشعر بالوحدة و الخوف .. فخالد البطل بجانبي ..

بنووتة
22-04-2006, 03:02 PM
مشكورة عالجزء الحلووووووووووو
تسلمين ياالغالية نتريا التكملة

عذووب
23-04-2006, 07:39 AM
اشكرج حبيبتي على المرور ..
وابصراحة استانس يوم اشوف ردج ومشكورة حبيبتي مرة ثانية ..

الغزال العنيد
24-04-2006, 09:40 AM
روووووووعه روووووووعه الجزء
سلمتي يا عذووب :)

يعطيج الف الف عافيه
نتريا التكمله

عذووب
25-04-2006, 07:37 AM
اشكرج حبيبتي على المرور ..

هاوية القراءة
25-04-2006, 11:14 AM
عذوووب أنا منتظرة آخر إصدارتك الأدبية الرائعة لقصة .....جنون خالد الشيقة.
أتعلمين أنك حين تصدرين نتاجا أدبية فإنه يلقى صدا طيبا لدى القراء نظرا لسلاسة تعبيرك وإحساسك المرهف.

عذووب
25-04-2006, 01:56 PM
اشكرج حبيبتي على المرور ..
وابصراحة استانس يوم اشوف ردج ومشكورة حبيبتي مرة ثانية ..


بس حبيت اخبرج اني ناقله القصة هب انا اللي كاتبتنها بس حالياً يالسة اكتب قصة واتمنى انها اكملها عشان انزلها على المنتدى ادعيلي حبيبتي ..

بنووتة
26-04-2006, 10:49 PM
عذووووب ترانا نتريا التكملة وينج

الغزال العنيد
28-04-2006, 03:45 PM
وينــــــج عذووب ؟

ما احيدج تتأخرين علينا

عذووب
29-04-2006, 07:43 AM
الجزء الخامس و العشرين
حياتي الجديدة مع خالد

أحلام تتضارب في رأسي .. فلا يقطعها إلا صوته المميز ذاك :
" سارة .. "

فتحت عيني بصعوبة بالغة .. ألا و أراه يقف عند باب الغرفة و يشير إلى ساعته :
" تأخرتِ كثيراً في نومـكِ "

تأملته جيداً .. و كأنه عائد من مكان ما .. يحمل بيده كيساً .. استويت على السرير و قلت و أنا أتثاءب مشيرة للكيس :" ما هذا ؟!! "

اقترب مني و وضع الكيس على السرير و قال مبتسماً :" لــكِ "
آه .. أظن أنها هدية منه .. نعم .. فزوجي يقدم لي الهدايا كباقي الأزواج .. كم هذا يسعدني كثيراً ,,( رغم أنه جامد جداً )
ترى ما هي هديتي ؟!! أيملك خالد ذوقاً في اختيار الهدايا ؟!!
فتحت الكيس و ألقيت نظرة على ما بداخله .. رداءاًً أسوداً ؟!! ما هذا ؟!! أخرجته من الكيس .. كانت قطعتان سوداويتان ..من القماش الحريري .. القطعة الأولى كبيرة و الأخرى صغيرة .. سألته متعجبة :" ما هذا ؟!! "
اقترب هو باسماً و قال :" عباءة و خمار .. "
ألقيت نظرة أخرى على القطعتان .. أيريد مني الالتزام بالحجاب .. أي أتبعه في تخلفه ؟!! لا !
" أتعني أن أرتديها حينهما أخرج من الشقة ؟!! "
هزّ رأسه .. فصرخت :" لا .. لن أرتدي الحجاب .. "

هنا ! قطب هو حاجبيه .. و كأن ما قلته لم يعجبه .. و حرك يده مستفهماً و بنبرته التحكمية قال :
" ما معنى ذلك ؟!! أنا لا أقبل أن تخرجي بدون حجاب .. "

أنه بدأ يتحكم بي إذاً ؟!! تقوس فمي إلى الأسفل و برزت شفتي السفلى دلالة على اعتراضي.. امتلأت عيناي بالدموع .. و قلت :" سأشكوك لأبي "

نظر إلي رافعاً حاجباه متعجباً .., و عاد ليقطبهما و ليخيفني و بزمجرة قوية :
" نحن لا نلعب يا سارة .. ما معنى أن تشكوني لأبيك .. هل أنا خادمك ؟!! "

انفجرت باكية و سالت دموعي لتبلل وجهي .. فتنهد هو :" رباه "..
أظنه ضجر مني .. و لكنه بعد ذلك اقترب مني و مسح شعري و همس بلطف :
" كفى سارة .. المرأة لا تبكي .. هيا امسحي دموعك .. "

و ليشجعني أكثر قال بحماس :" هيا .. سوف أصطحبك إلى أحد المجمعات .. "

رفعت رأسي بفرح .. هتفت :" أحقاً ما تقول ؟!! "

ارتسمت على شفتيه ابتسامة لطيفة :" نعم .. و لكن ليس قبل أن تتناولي فطوركِ .. "
و خرج من الغرفة :" أنتظرك .. "
هذا هو زوجي .. جامد أحياناً .. و لطيف أحياناً أخرى ..

استبدلت ملابسي و غسلت وجهي جيداً .. و خرجت من الغرفة متجهة نحو المطبخ ..
طللت عليه.. يحتسي الشاي .. رن جرس الشقة .. فنهض هو متجهاً نحو الباب .. و قبل أن يفتح الباب أشار إلي بالابتعاد .. ( لا يريد من أحدٍ رؤية شعري ) يا له من معقد ..
ابتعدت قليلاً .. ففتح هو الباب .. فدخلت فتاة غريبة الشكل و التصرفات ..
بدت مجنونة ! اندفعت إلى الداخل و صرخت بوجه زوجي :" خالد .. مبارك على الزواج .. أين هي زوجتك "
وجهها قبيح جداً .. ما الذي تريده مني هذه القبيحة ؟!! أشار خالد إلي .. فنظرت تلك الفتاة نحوي و رأيتها تركض بجنون باتجاهي .. آه رباه .. طوقتني بذراعيها .. تكاد تحطمني ..
ثم حملقت بوجهي بذهول و صرخت بجنون مخاطبة خالد :" زوجتك في غاية الجمال .. خالد "
من هذه الفتاة ؟!! أكاد أجـــــــــــــن ؟!!
و ها هو خالد يغلق الباب و يقترب من الفتاة و يخاطبها بابتسامة :" أين سامر ؟!! "
رمت بجسدها بكل بساطة على المقعد و قالت :" أخي سامر مشغول بالبحث عن وظيفة ..المسكين .. "
و خاطبتني الفتاة :" أذهبي و جهزي لنا شاياً يا عروسة .. "
أأنا خادمة لكِ ؟؟ ثم .. أنا لا أتقن صنع الشاي .. بل لا أتقن صنع شيء ..
اتجهت نحو المطبخ .. و أنا أسمعها تحادث زوجي عن أمور لا أعرفها ..من هذه الفتاة ؟؟!!

=

بعد أن خرجت الفتاة .. استجوبت خالد .. سألته عدة أسئلة عن هذه الفتاة .. فأخبرني أنها ابنة لشخص عاش معه يوم كان مسافر .. لم أطمأن .. ما الذي جعلها تتحدث مع خالد بكل حرية غير مكترثة بوجودي ..؟!! بعد ذلك ارتديت العباءة و الخمار الجديدان و تبعت خالد .. لقد وعدني بأن يصطحبني إلى المجمعات ..

خالد .. آه كم أنت جامد .. أنظروا ماذا يفعل .. يمشي أمامي و يتركني وحدي في الخلف .. ألا يجب أن يمشي بجانبي ليحسسني أنه بجانبي طوال العمر .. ؟!!

هناك شبّان يرمقوني بنظرات مخيفة .. فأسرعت نحو خالد و أمسكت ذراعه خائفة ..لقد أدخلني خالد مجمع ضخم جداً .. لم يسبق و إن دخلته .. أخذت أشتري كل ما تقع عيني عليه و لا أبالي بالمبلغ الضخم الذي سيدفعه خالد..
خالد في البداية أعطاني الحرية في الشراء .. و لكني بالغت ! فقد اشتريت أغلى الحاجات .. حتى قال لي بجمود :
" سارة ! كفانا تسوقاً .. لقد أبذرنا الكثير من المال .. دعينا نخرج "
و أطعته في ذلك .. بصراحة الخمار لا يثبت على رأسي و العباءة تعيق حركتي .. أحتاج لخالد لكي يساعدني في لف الخمار على رأسي جيداً .. و المشي جيداً .. أظن أن الرجال يرفضون إعانة أزواجهن في هذه الأمور .. و خصوصاً أمام الناس .. و لكن خالد لا يبدِ اعتراضا أبداً ..

خرجنا من المجمع المملوء بالناس ,, و لكن الشوارع لا تخلو من الناس أيضاً .. قبل دخولنا السيارة لمحنا إياد و وائل .. اقترب الاثنان إلينا .. رأيت في عيني خالد انزعاجاً كبيراً .. ترى ما السبب.. ؟!!
ابتسم وائل بسخرية و هو ينقل نظراته بيني و بين زوجي و قال :" أأتجول مع زوجتك .. أيها .. "
عضّ خالد شفتيه غيظاً و وجهه شديد الاحمرار .. خاطبني وائل و هو يقترب مني :
" أحذري سارة .. فزوجك ....."
فجأة رأيت ذراع خالد تفصل بيني و بين وائل .. أمسك خالد بكتف أخيه و دفعه قاصدا إبعاده عني و همس بغيظ:
" ألزم حدودك يا هذا "
ابتسم وائل ساخراً .. و نظر لي و قال :" مسكينة ! هل أجبركِ على ارتداء الحجاب ؟؟! لتكوني متخلفة ؟!! "
و نظر لخالد الذي يشتعل غيظاً و رفع صوته ليسمعه جميع الناس :
" متخلف ! و مجرم ! و قاتل .. و تريد التحكم بهذه المسكينة أيضاً .. أنك عار علينا جميعاً "

توجهت كل الأنظار لزوجي .. نظرات خوف و وجل .. وائل .. أكرهك .. لقد شوهت سمعة زوجي..
خالد .. شديد الغضب .. رباه .. لا أظنه سيصمت ..
مد وائل يده و بكل جرأة يدفع أخيه و يقول :" تنح عن طريقي .. "
و مشى ..! راقبه خالد و هو يمسك بكتفه الذي تجرأ وائل على دفعه .. ناداه بصوتٍ مخيف :" انتظر "
استدار وائل بنظرات ساخرة و قال :" ماذا تريد ؟!! "
اقترب خالد من أكثر .. و شد قميص أخيه لتبدأ معركة عنيفة بينهما .. أنا لم أرى شيئاً فكنت أغطي وجهي بيدي و أصرخ .. حاول الكثير من الناس التدخل و من بينهم إياد .. حتى استطاع إياد و مجموعة من الناس إيقاف هذه المعركة ..

هتف خالد بوجه أخيه بصوتٍ مخيف جداً :
" إن رأيتك مرة أخرى .. سأسحقك .. و أدمرك .. و أحرقك .. و أمحيك من الوجود "

ابتعد حشد الناس في خوف .. و عض وائل شفتيه قائلاً بغيظ :" سأريك ! سأنتقم ..! و سترى "
سحب إياد وائل و ابتعدا .. فبقيت أنا الوحيدة الواقفة بجانب خالد الملتهب ! المشتعل ! المنصهر ! ..
أخرج من جيبه منديلاً و أخذ يمسح قطرات العرق البارزة على جبينه .. ثم التفتت لي .. حملق بي طويلاً .. ثم ابتسم لي و مسح رأسي .. أظنه يريد أن يشعرني أنه ليس متوحش .. نعم زوجي ليس متوحش .. و لكن أخيه وائل أثار غيظه .. قال بصوتٍ لطيف جداً :" هل نذهب لتناول الطعام في أحد المطاعم "
هززت رأسي ايجابياً .. فأنا جائعة حقاً..

مشينا مشياً نحو أحد المطاعم .. لأنه قريب ! و لا حاجة لنا باستخدام السيارة .. اختار خالد لنا طاولة و جلسنا عليها .. طلبنا الطعام .. و بعد ذلك بقينا صامتين .. كان هو يتلفت يمنة و يسرة .. يعبث بهذا و هذا دون أن يتحدث أو ينطق .. و أنا أتأمله بصمت .. إلى أن تجرأت و قلت :

" هل تتشاجر مع أخيك دائماً "

رفع رأسه و نظر لي .. تتضح كدمة حمراء بقرب فمه .. و تشوه صفاء وجهه .. أظنه تعرض لضربات أخرى .. أني غاضبة من ذلك البغيض .. لأنه تجرأ على شن معركة مع زوجي و سبب له ضربات موجعة و الأهم أنه فضحه فضيحة كبرى .. فلا أنسى نظرات الناس الخائفة الموجهة لخالد .. لقد شوه سمعته ..

" لا ! ليس دائماً .. لأننا لا نلتقي إلا نادراً "

عاد لينكس رأسه بعدما لاحظ أني أركز النظر في الكدمة الواضحة بقرب فمه .. كنت أريد أن أسأله عن سبب خلافه مع أخيه و لكن موظفو المطعم أتوا بأطباق الطعام .. وضعوها على الطاولة بكل ترتيب و غادروا ..كنت جائعة .. فبدأت ألتهم طعامي بشهية مفتوحة .. و خالد ينظر لي باسماً أظنه أعجب بطريقة تناولي للطعام .. أمسك هو بكوب الماء و شرب منه جرعة و وضعه على الطاولة من جديد .. أظن أن لا رغبة له بتناول شيئاً من الطعام ..
أنا ألتهم الطعام بكل شراهة .. و هو يبتسم ..و لأنه ابتسم انفجرت أنا ضاحكة .. فاستغرب هو كعادته ..
كانت مجموعة شبان يقفون خلف المقعد الذي هو يجلس عليه .. يشيرون له من الخلف و يتهامسون فيما بينهم .. أظنهم يتحدثون عن المعركة التي جرت منذ قليل .. و ها هي أنظارهم تنتقل إلي .. أنهم ينظرون لي ..نكست رأسي على الفور .. أنا أخاف هذه النوعية من الشبان .. رفعت رأسي مرة أخرى .. فأراهم يتضاحكون..
خالد كان ينظر لي باستغراب بسبب خوفي الشديد .. أدار برأسه للخلف لسماعه تلك الضحكات و رأى الشبان يشيرون إلي بالبنان و يتضاحكون ..!

بالطبع ثار .. قطب حاجبيه غاضباً .. و نهض و جلس بجانبي و رفع رجلاً على رجل و أخذ يراقب الشبان ليحميني من أي حركة تصدر منهم .. لو كانوا محترمين لخجلوا مني أنفسهم .. و لكنهم ضحكوا على تصرف خالد ..

اشتعل ! ثار ! .. نهض .. لا ! لا أريد أن تقام معركة أخرى .. أنا أخجل منه كثيراً .. و لكن خوفي عليه جعلني أوقفه ممسكة بيده :" أرجوك ! لا "
ركض الصبية هاربين .. فتنهد هو و مسح رأسي بلطف .. و قال :" دعينا نعود "
رغم أني جائعة و لم أتمم طعامي .. إلا أنني هززت رأسي ايجابياً ..

صعدنا السيارة .. فاستبدل خالد نظارته الشمسية بالطبية .. أنه لا يرتدي هذه النظارة إلا عند قيادته للسيارة ..
انطلق بالسيارة .. كنت أفتش في الحاجات التي اشتريتها .. لقد اشتريت بنطالين للون واحد .. و كان سعرهما مرتفع .. كما و أنني اشتريت أشياء أخرى متشابهة و باهظة الثمن .. أني حقاً مبذرة .. كنت كالمجنونة أجمع ما تقع عليه عيني .. وصلنا للمبنى الذي فيه شقتنا .. فأسرعت أنا بالخروج من السيارة و انطلقت أصعد الدرجات بسرعة .. لا أريده أن يسبقني هذه المرة .. التفت إليه .. خاطبني مستغرباً :" ألن تنتظريني ؟!! "
أشرت برأسي نفياً .. و أكملت ركضي السريع نحو الشقة .. حتى رأيت والدي يقرع جرس شقتنا .. صرخت بفرح :" أبـــــي " التفت لي والدي و هتف بابتسامة :" صغيرتي ! "و انطلقت نحوه و ارتميت في حضنه الدافئ .. مسح رأسي و قبل جبيني .. و ها هو يقترب خالد باسماً .. تعانقا بحرارة .. و خاطبني والدي و هو يداعب وجنتي :" تبدين رائعة بالخمار و العباءة .. و كأنك طفلة عمرها عشر سنوات "
كنت أظن أن الزي المحتشم هذا .. يجعل من المرأة تبدو أكبر من عمرها .. و لكنه يجعل من المرأة أكثر براءة ..نكست رأسي بخجل مشيرة لخالد :" خالد هو من طرح علي هذه الفكرة "
بل جبرني على ذلـك ..!
ضحك والدي في وجه خالد :" ما أروعك .. أنك فعلاً الزوج المناسب لبنيتي .. "
ابتسم خالد بلطف .. و أخرج من جيبه مفاتيح الشقة .. و فتحها و خاطب والدي :" تفضـل "
أشار والدي بيده اعتراضاً :" لا يا عزيزي .. جئت فقط لأطمئن عليكما .. "
و ابتعد ملوحاً بيده :" وداعاً "

=

مرت الأيام بسرعة .. حتى تأقلمت أنا حياتي مع خالد .. و ليس هذا فقط .. لم أعد أستطيع مفارقته حتى و لو لحظات .. إلا أنه اضطر للعودة لعمله .. و هذا ما أزعجني هذا الصباح ..

صرخت :" و تتركني وحدي ؟!! "

قال و هو يرتدي سترته :" من قال ذلك ..؟ سأرسلك إلى منزل والدك .. و ..... "

قاطعته صارخة :" لا ! ابق معي "

تقوس فمي للأسفل و أوشكت على البكاء .. فاستدار لي مقطباً حاجباه :" سارة ! لا تكوني طفلة "
و اتجه نحو الخزانة و أخرج منها العباءة و الخمار .. و وضعها على السرير و قال :" ألبسيها .. أنا أنتظرك "

و خرج من الغرفة .. نهضت أنا باستسلام و غسلت وجهي و ارتديت عباءتي و خماري و خرجت من الغرفة لأراه يستند على الجدار ينتظرني .. و لما رآني .. فتح باب الشقة و خرج و لحقته أنا ..

صعدنا السيارة و أنا غاضبة من هذا الأمر كثيراً .. سيرميني في منزل والدي و يذهب هو لعمله ..و ها هي السيارة تقف عند منزلنا .. فقال هو قبل أنزل :" سوف آتي لأخذك عندما ....... "
قاطعته صارخة :" لا ! لا تأتي لتأخذني لأن عملك أهم .. "
بدت على وجهه ملامح الاستغراب .. فأسرعت أنا بالخروج من السيارة .. و طللت عليه من النافذة و صرخت :
" و زينة القبيحة أهم مني أليس كذلك ؟!! "

لا أدري لمَ خطرت ببالي تلك القبيحة ..فهي كانت تزورنا باستمرار مع والدتها أو أخيها .. كانت هي و أسرتها تشغل اهتمام خالد كثيراً .. و كنت أحترق عندما أراه يتحدث معها .. أنه يهتم بها أكثر مني ..
رأيت على وجهه ملامح الذهول و الاستغراب .. فركضت أنا نحو المنزل بسرعة .. قرعت الجرس .. و سيارة خالد لازلت في مكانها ..أظنه يريد رؤيتي و أنا أدخل المنزل ليطمئن قلبه ..
فتحت الخادمة الباب .. فأدرت أنا برأسي للخلف لأراه يلوح بيده لي مبتسماً .. فدخلت المنزل بسرعة .. ركضت إلى داخل المنزل .. فرأيت أمي و منى و أروى جالسات على مقاعد الصالة و منهمكات في مشاهدة التلفاز ..وقفت أمام التلفاز ضاحكة :" مــرحباً "
انتقلت أنظارهن لي .. و ضحكن .. و اندفعن لي ليرحبون بي ترحيباً حاراً جداً ..جلست من بينهم .. فسألتني أختي منى باستغراب :" سارة .. لم ترتدين هذا اللباس ؟!! "
ابتسمت :" الخمار و العباءة .. خالد هو من طلب مني الالتزام بها "
صرخت منى منفعلة :" ماذا ؟!! لا يحق له ذلك.. سارة أنه يجبرك على فعل شيء لا رغبة لكِ بفعله .. "
و قالت أروى :" أنه يتحكم بكِ سارة .. سأخبر والدي لكي يجد حلاً "
صرخت بغيظ :" من قال لكم أن خالد يتحكم بي ؟!! أني مرتاحة هكذا .. أني أشعر أنني كاللؤلؤة المغلفة .. خالد لم يطلب مني ذلك إلا لحمايتي "

و نهضت متجهة نحو المطبخ أبحث عن شيء آكله .. فلم آكل شيئاً منذ الصباح .. و ها هي منى تقترب مني و تهمس :" سارة ! صارحيني أختي .. هل أنتِ سعيدة معه ؟!! "
قلت بانفعال :" بالطبع نعم ..أنت لا تعرفين خالد كما أنا أعرفه ..أنه يحاول حمايتي قدر الإمكان .. يلبي طلباتي .. يعاملني بلطف .. يهتم بصحتي "
و ابتسمت قائلة :" أتعلمين أن التشنجات لم تعد تواتيني ؟!! "
قالت منى بفرح :" حقاً "
" نعم .. و ذلك بفضل الله و بفضل خالد.. فهو يجبر نفسه على الاستيقاظ الساعة الخامسة ليعطيني الدواء "
ابتسمت منى و قالت :" يبدو أنك حقاً سعيدة معه .. أوصلي سلامي له "
ارتحت كثيراً .. أخيراً اقتنعت منى أن خالد ليس كأخيه وائل .. أنه إنسانٌ آخر ..

=

في المساء .. شعرت بخالد يغطيني جيداً باللحاف .. كنت أتظاهر بالنوم .. ها هو خالد يستلقي على السرير ..فتحت عيني و ألقيت نظرة سريعة عليه .. أغمض عينيه ..و أظنه نام ..فنمت أنا الأخرى ..

شعرت بضجة .. ففتحت عيني .. ألقيت نظرة على الساعة .. الثانية و النصف صباحاً .. رغم أن الظلام كان حالكاً .. إلا أنني لاحظت خالد كيف كان متوتراً .. يفتش في الخزانة و يهمس :" أين هي ؟!! "
و يترك الخزانة ليبحث في الحقيبة .. و هو على ما أظن يتوجع .. في رأسه .. و يترك الحقيبة و يبحث في المجرات و هو يهمس بوجع :" أين وضعتها ؟!! "
ما هذا الشيء الذي يبحث عنه خالد ؟!! و لماذا يتوجع هكذا ؟!!

الغزال العنيد
30-04-2006, 12:53 PM
روووووووووووووووعه الجزء

تسلمين يا عذووووب

نتريا التكلمه

بنووتة
01-05-2006, 02:32 PM
حلوووووووووووووو الجزء

نتريا التكملة ^__^

هاوية القراءة
03-05-2006, 10:19 AM
صباح الخير عذووووب

الجزء الأخير كان روووووووووعة .....
لقد قمت بنسخ كل الأجزاء لعائلتي .... الجميع كان مستمتع بقرائتها جدا جدا. لا تتصورين مدى شوقهم جميعا لقراءة
الأجزاء المتبقية. والجميع يبعث لكي تحياتهم وتمنياتهم لكي بالتوفيق.

عذووب
14-05-2006, 11:05 AM
موت الذكريات

أخذ يفتش الأدراج و الخزانة و الحقائب باحثاً عن شيءٍ مجهول .. حتى استند على الجدار و أخذ يتنفس بعمق .. فقفزت أنا من السرير متجهة نحوه .. هتفت به :" ما بك خالد "
أجاب و الملامح الإرهاق بادية على وجهه :" سارة .. اتصلي بإياد حالاً "

=

نُقل خالد للمشفى و بقي ساعاتٍ هناك .. و أنا بقيت وحيدة في الشقة .. إلى أن عاد .. جلس على الأريكة و خاطبني بإرهاق ملحوظ :" ماء "

أسرعت للمطبخ .. و تناولت كأساً و صببت الماء فيه .. و هرولت لخالد ..لقد استلقى على الأريكة و غطّ في نومٍ عميق .. المسكين .. مرهق جداً ..

وضعت كأس الماء على الطاولة .. و غطيته بلحاف .. كما يفعل هو لي كل ليلة ..

=

و في يوم آخر قرر خالد أن يزور أسرته .. فمنذ زمن و لم يزرها ..من النادر جداً أن يزورهم .. لتجنب أي مشاحنات مع أخيه وائل .. فإذا تعارك معه يلقون الذنب كله على خالد و كأن وائل لم يفعل شيئاً ..
ففي الآونة الأخيرة يتعارك الاثنان إذا التقيا .. و تنتهي تلك المعارك بتهديدات وائل بالانتقام ..

رحب بنا الجميع بحرارة .. هناك .. ثم جلس خالد عن أحد المقاعد و جلست بجانبه ..
نهضت المرأة .. أظن أنها جارتهم أو صديقة خالتي غيداء قائلة :" الآن سأغادر يا غيداء .."
كانت المرأة تحمل بيدها طفلاً رائعاً .. بل مذهلاً ..
قلت أنا أخاطبها :" هلّي برؤية طفلك ؟!! "
ابتسمت المرأة قائلة :" بل هي طفلة "
اقتربت مني المرأة و ناولتني طفلتها الرائعة .. وضعت الطفلة في حجري و أخذت أداعبها .. ثم حملتها و ناولتها خالد .. أخذ خالد يداعب الطفلة بلطف أكبر .. و فرح أكبر .. ثم أخذ يسأل عن اسم الطفلة و عمرها ..
بدا مهتماً كثيراً لها .. فقالت المرأة :" أتمنى أرى أبنائك بني .. أظنهم رائعون "
اتجهت كل الأنظار لي .. ينتظرون مني رداً .. ماذا عساي أن أقول و أنا لن أنجب أطفال .. لقد حرمت خالد من شعور الأب .. قلت بارتباك :" نحن لسنا مستعجلين .. كما أننا لازلنا عرسان "
و أطلقت ضحكة ليست في محلها ..

=
غادرت المرأة و بقينا ندردش طويلاً .. يسعدني أن أقول لكم أن علاقة خالد بأمه تحسنت كثيراً .. ها هو يتحدث معها و تشاركهما سمية الحديث .. و يتدخل زوج خالتي عادل بالحديث أحياناً معهم .. ثم يعود ليمطرني بالنصائح .. و عمته ذكرى تحادث إياد ..

إلى أن فُتح باب المنزل الرئيسي و دخل و كما توقعت .. وائل !
اتجه نحو السلم و لكن أباه أوقفه قائلاً :" وائل "
استدار وائل .. و لمَا رأى خالد اندهش .. و خالد بدأ بالاحتراق ..
اقترب وائل من خالد قائلاً :" أوه ! خالد كيف حالك ؟!! "
و مد يده لمصافحة خالد .. إن ما يفعله فقط ليظهر لأبويه أنه مسالم و خالد هو المخطئ ..
تردد خالد في مصافحته و لكنهما تصافحا أخيراً .. فمد وائل رأسه .. و قربه لوجه خالد .. كنت أظنه سيقبله .. و لكنه لم يفعل ذلك بل همس بإذن زوجي :" سأنتقم ! "

صُدمت ! يبدو جاداً في حديثه .. خالد لم تبد على وجهه ملامح محددة ..
قال وائل و هو ينظر لي بصوتٍ عال :" اهتم بنفسك و بزوجتك "

و ذهب !

=

مرت الأيام و الشهور و أنا ألاحظ اهتمام خالد بي قد ازداد و ازداد .. لقد أعطاني نسخة أخرى لمفتاح الشقة .. و لكني أضعتها عندما جاءت مروة لزيارتي ..

و يسعدني أن أقول لكم أني بدأت أتحول من طفلة إلى امرأة ..بعد أن عولجت من مرضي ..و لم أعد بحاجة لتناول الدواء .. و في أحد الأيام .. خاطبني خالد و هو جالس على الأريكة عندما خرجت من الحمام ..:
" سارة .. اصنعي لنا شاياً لو سمحتِ "
ابتسمت و اتجهت نحو المطبخ و قلت بدعابة :" أمرك سيدي "
دخلت المطبخ و بدأت بصنع الشاي بينما كنت أخاطب خالد و هو جالس في الصالة :
" أتعلم ! أختي منى حامل .. "
نسيت أن أخبركم أن أختي منى تزوجت برجل من مدينة أخرى .. و هي الآن مرتاحة معه كثيراً .. فهو ثري و لطيف ..

" حقاً ؟ "
" نعم "
حملت الشاي و اتجهت نحوه و صببته له الشاي في الكوب و قدمته له ..
تناوله من يدي و أخذ جرعة و وضعه الطاولة ..
فخاطبته أنا :" خالد ! متى سيزوج إياد .. أم أنه لا يفكر بالزواج بتاتاً .. "
ابتسم خالد .. ثم بدا و كأنه تذكر شيئاً .. نهض و قال :" اعذريني سارة .. يستوجب علي الذهاب الآن "
و ارتدى سترته فسألته :" إلى أين ؟ "
" سوف أذهب لإياد لإرجاع شيء ما منه.. لن أتأخر "
و اتجه نحو باب المنزل .. و التفت لي قبل خروجه و ابتسم :" وداعاً "

لا .. لا تظنوا أني لازلت أخشى البقاء وحدي .. تغلبت على الخوف منذ فترة طويلة .. اتجهت نحو المطبخ و أخرجت الخضروات و أخذت أقطعها ..لأصنع طبق سلطة .. لأضيفه لطعام الغداء .. أصبحت أتقن الطهي..
و بينما كنت أقطع الخضروات بالسكين .. سمعت صوت انفتاح باب الشقة .. فقلت دون أن أرفع رأسي عن الخضروات :" خالد ! لمَ عدت ؟ أنسيت شيئاً ؟ "
و لم أجد جواباً ..
فرفعت رأسي .. صُدمت ! انعدم الهواء في المكان .. و تصلب كل شيء .. للحظة وقوع أنظاري على ذلك الشيء ..

=
و كأنني بوغت صفعة مؤلمة .. أو ماء بارداً انصب على رأسي .. لم يكن ما رأيته خالد بل ..
القذر و البغيض .. وائل ..

يبتسم بخبث !..
تذكرت حينها كل تهديدات الانتقام منه .. أأكون أنا ضحية خلافهما ؟ لا ... رباه ....
اقترب هو .. فالتصقت أنا بالثلاجة رعباً .. أنا .. و هو .. فقط .. في مكان واحد .. صرخت بكل ما لدي من قوة :

" خــــــــــــالــــــــــد "

و لم أجد منقذي ! بل وحشاً يريد افتراسي ..
مد يديه القذرتين تجاهي .. فشيء ما تحرك بداخلي يدفعني لمد يدي نحو صدره ..

يدي كانت تحمل سكيناً !! و ها هي انغرست في صدره ..

هوى جسده .. و ظلت عيناه مفتوحتان على مصارعيهما ..

لحظة !! أنا لا أفهم شيئاً ..

سائل أحمر يسيل من صدره ..

و هو متصلب و لا يتحرك فيه شيء ..

أنا .. أنا قتلته ..

صرخت بقوة .. من أعماق قلبي ..

فيقطع صراخي صوته الجاف المخنوق :
" سارة "

التفتت إليه .. يقف قرب الباب .. هوى من يده الملف .. أنه مصدوم .. ينقل بصره بيني و بين هذه الجثة الممددة ..
اقترب مني .. فركضت نحوه بخوف .. اختبأت خلفه ممسكة بذراعه و أكملت سيل صرخاتي ..

=

كنا في صدمة حقيقية .. أنا لا أعلم ماذا جرى .. و هو لا يعلم ماذا جرى ..

مرت لحظة و دقيقة و ساعة و يوم و شهر و سنة و قرن .. و نحن متصلبان .. تماماً كالجثة المرمية أمامنا ..

حتى تحرك خالد أخيراً .. مسح عرقه المتصبب بغزارة .. و وجهه شديد الاحمرار ..

التفتت لي و قال و هو يضم يدي بيده .. :" سارة .. "

بصوتٍ مخنوق خاطبني .. فقلت بصوتٍ بالكاد يُسمع :" نعم خالد "

" تعالي "

قادني خالد إلى خارج المطبخ .. و وقفنا في الصالة لبرهة ..انفجرت باكية و بصوتٍ مبحوح أخذت أهتف :
" أنه تهجم علي خالد ..حاول إيذائي. حاول التعدي علي .. فلم أستطع حماية نفسي إلا بالسكين .. لم أكن واعية "
مسح خالد شعري .. و أشار لغرفة النوم .. :" سارة .. فلترتاحي هناك "

صرخت :" أي راحة ؟ أنا سأعدم قريباً .. أو على الأقل سأسجن لمدة عشرين سنة أو يزيد .. عمري ضاع خالد .. أنا ضعت خالد .. "

في نظرات خالد قرأت أنه يفكر بعمق شديد .. فجأة قال لي ..:" سارة .. اذهبي للغرفة حالاً "

صرخت :" ماذا تقول ..؟ أنا ... "

صرخ بي :" سارة ! "

و باستسلام اتجهت نحو الغرفة .. فدخل خالد المطبخ .. قبل دخولي غرفة النوم طللت عليه .. أخرج من جيبه منديلاً و أخذ يمسح مقبض السكين المنغرسة في صدر القتيل ..

ترى لماذا ؟!!

=

في غرفة النوم بكيت بجنون و بلا توقف .. و لكن شيئاً واحداً أوقفني .. عندما سمعت خالد يتحدث عبر الهاتف :
" هنا مركز الشرطة ؟ حدثت جريمة قتل ! .. في شقتي .. و أنا القاتل .. "

.. أسمعتم ؟

أنه يلقي التهمة عليه ..

أي أنه سيحمل العقاب عني ..

لا !

اندفعت خارجة من الغرفة في صدمة كبرى .. لأرى خالد يغلق الهاتف بكل بساطة ..
اتجهت نحوه بخطوات بطيئة .. التفتت لي .. فهمست .. :" أنت حقاً مجنون ! "
أشاح بأنظاره عني و همس :" أسمعتِ ؟ "
صرخت :" نعم .. أتريد أن تعاقب مرة أخرى .. كفاك .. لقد خسرت من السنين الكثير .. لماذا تفعل ذلك لأجلي .. أنا حقاً كنت عبئاً عليك .. و لكن .. يجب أن تتركني هذه اللحظة .. لأني أنا الفاعلة .. أنا القاتلة .. لا يمكن أن تخسر حياتك لأجلي .. أرجوك خالد .. فكر جيداً .. "
نظر لي .. و وضع يده الدافئة على كتفي و همس :" لا بأس سارة .. كُتب علي العذاب في الدنيا "
و ها هو جرس الشقة يرن ليقطع حديثنا .. فيسرع خالد لفتح الباب .. فأهتف به :
" لا .. خالد .. أرجوك .. أنا لا أستطيع العيش بدونك .. لا تتركني .. دعني أنا أُسجن و أُعاقب .. لأني أنا الفاعلة و لست أنت .. أنت حقاً رائع .. مضحي .. و نبيل .. و لكني لا أستحق تضحيتك هذه .. أرجوك خالد لا تدعني أتعذب طوال عمري .. "

=

بقيت أنا أبكي بصمت .. أتعذب بصمت .. في الغرفة بينما أسمع ما يدور في الخارج .. :
" نعم .. أنا قتلته .. "
" و ما السبب ؟ "

" لقد دخل الشقة و أنا كنت في الخارج .. و عندما عدت وجدته يحاول التعدي على زوجتي فقتلته "

" كيف دخل "

" بفضل نسخة أخرى لمفتاح الشقة .. هذا ما أظن "

" هل كنت تقصد قتله "

" ليس تماماً .. كنت غاضباً جداً .. و بتهور اندفعت و غرزت السكين في صدره "

" أين زوجتك ؟ "

" في غرفتها "

" هل لنا أن نراها "

" لا .. هي في حالة عصيبة .. كما إن الحجاب ليس على رأسها "

" حسناً .. إذن لنكمل التحقيق في المخفر بينما يتم فحص الجثة .. "

" لحظة .. سوف أطمئن على زوجتي أولاً "

و شعرت بخطوات تقترب و تقترب و فجأة يفتح الباب .. فأفزع ..

وقف خالد ينظر لي .. فنظرت أنا له بعتاب شديد .. همست :" لماذا ؟!! .. "

اتجه خالد نحو الخزانة و أخذ يجمع ملابسي في حقيبة في صمت .. صرخت به :
" لماذا تتركني و تفعل بنفسك هذا ؟ "

رفع رأسه و همس :" اخفضي صوتكِ .. إن علموا بأنك الفاعلة سوف نعاقب نحن الاثنان .. أنتِ بتهمة القتل و أنا بتهمة التستر على القاتل .. لا توقعينا في ورطة .. "

" ذلك أفضل .. على الأقل لن أفارقك "

تنهد بعمق .. و وضع الحقيبة أمامي .. و قال :" سوف أتصل لإياد ليوصلك لمنزل والدك .. "

صرخت :" لا .. و أنت ؟ .. لا تتركني .. "

استدار ليمنعني من رؤية وجهه و أخرج هاتفه الخلوي من جيبه و أخذ يحادث إياد عما جرى حقيقة .. و طلب منه أن يأتي .. و أغلق الهاتف .. و ها هو يتجه نحو باب الغرفة .. فهتفت به :" خالد "

استدار لي .. فقلت :" ألن تودعني ؟!! "

=
ما هي إلا دقائق .. الشقة خالية من شيء يسمى خالد .. فقط رجال يتمركزون في المطبخ لفحص الجثة .. كما يقولون ..

حتى قُرع الجرس .. فنهضت و أنا أجر حقيبتي .. مرتدية عباءتي .. اندفعت و دموعي تلحقني .. فتحت الباب فإذا هو إياد كما توقعت .. مصدوم .. مصعوق .. !!!

أمطرني بسيل من الأسئلة الكثيرة ..

و أنا أجيب بسيول الدموع ..

حتى صعدنا السيارة .. أسندت رأسي للخلف .. بكيت .. بحشرجة همست :" خالد ! .. خالد .. "
و إياد يقود السيارة بصمت .. ثم خاطبني :" ستخبرينهم ؟ "
صرخت :" بالطبع ! سأخبر الجميع بالحقيقة .. قبل أن يحكموا على خالد بالعقاب .."
هزَّ إياد رأسه ايجابياً و قال :" خالد .. يعتقد أنه الوحيد الذي يتحمل عقاب الدنيا .. "

صرخت :" أيقنت حقاً .. أنه مجنون .. علي أدعوه دائماً خالد المجنون "

همس إياد :" بل خالد الحنون "

التفتت له .. فابتسم :" أليس كذلك ؟ "

أظن أن ليس هناك وقتٌ لهذه الابتسامة .. حدثت جريمة قتـــل !!

=

هناك .. ضربتني خالتي أشد ضرب .. سددت سيل الصفعات على وجهي و هي تصرخ بجنون :" أيتها الخائنة .. تقتلين ابني و تريدين توريط ابني الآخر .. "

و بعد أن تعبت .. هوت على الأرض و أغمى عليها ..
بعدما استيقظت ..أرسلوها للمستشفى لتأزم حالتها النفسية ... و الجميع يبكي هنا .. و الجميع يصيح ..
بعد ذلك حضرت والدتي و منى و أروى والدي و خالتي الأخرى و اجتمعنا في منزل خالتي غيداء .. صرخت بهم :
" كيف لي أن أتخلى عنه ؟ أنه أوقع عليه التهمة .. لا و ألف لا .."
صرخت والدتي و دموعها تنهمر بغزارة من عينيها :" دعيه بنيتي .. دعيه يفعل ما يشاء .. أنا لا أستطيع التخلي عنك "
و صرخت ذكرى :" ماذا ؟!! خالد لم يفعل شيئاً و يعاقب ؟ "
و صرخت بي :" سارة .. إن كنتِ زوجة حقيقية .. لن تتركين زوجك "

نعم لن أتركــه .. !

=

رغم أني جبانة بعض الشيْ .. لكن خالد علمني الشجاعة و القوة .. و رغم أني أخاف ذوي المناصب الرفيعة مثل القاضي و المحامين .. إلا أنني وقفت أتحدث بكل جرأة لأبوح عمّا في قلبي ..
شيء ما دفعني للحضور هنا .. العائلة تنظر بذهول و خالد هناك ينظر بفخر ..
كنت أقول بجرأة .. بدون أن أخشى شيئاً .. و كيف أخشى شيئاً و خالد كل الأشياء .. هتفت موجهة حديثي للقاضي :
" حضرة القاضي .. ما رويته لك .. هو الحقيقة .. و خالد .. أخفى عن حضرتكم هذا الأمر خشية أن أقع أنا بين القضبان و هو يكره ذلك .. لذلك أوقع التهمة عليه .. حضرة القاضي .. المقتول .. هو من عرض نفسه لذلك .. كنت سأدافع عن نفسي في جميع الأحوال .. سواء بالسكين أو بأي شيء آخر .. "

هزّ القاضي رأسه طالباً مني المتابعة و العائلة تتابع حديثي بشغف ..و هناك خالد بين المتهمين يقف بفخر كبير .. يفتخر بي زوجة له ..ما أسعدني بذلك ..

رفعت يدي و وجهت سبابتي نحو خالد و قلت :
" هذا هو المعذب في الأرض من صغره ..لقد تحمل قسوة الدنيا.. و لازال قلبه أبيضاً خالياً من أي نقطة سوداء "

فابتسم هو ...

=

لقد أُفرج عن خالد لأنه لم يرتكب الجريمة .. و أنا .. لم يحكموا علي بالعقاب .. لأني كنت حينها لا أتعمد القتل بل أدافع عن شرفي ..!

و في مدينة أخرى .. بنى البيت الرائع .. لي و لخالد .. حتى استجمعت أنا قواي و حملت بالمولود الأول و قد كانت بنتاً .. و تلتها ثلاث فتيات .. الأربعة يطابقون خالد في الملامح و التصرفات .. الشعر الكثيف الأسود و البشرة البيضاء و العينين الرماديتين و الشفتين الضئيلتين الورديتين ..
و قد أصر خالد أنه من يختار الأسماء لهن .. و لا أستطيع أن أصف شعوري الرائع عندما أراه يداعب هذه .. و يحمل هذه .. و يعاقب هذه .. و يساعد هذه ..
و أفرح كثيراً .. عندما يسألوني عن غيابه إذ كان في عمله :" ماما .. أين بابا ؟ "
و بقدرة سبحانه تمكنت من الحمل من جديد .. و إنجاب طفل .. أسميته وليد .. كان يشبهني .. !

و لم تنتهي الفرحة .. فقد رأيت أطفالي يكبرون و يكبرون و خالد يكبر فيه الأمل .. و تموت فيه الذكريات التعيسة ..

و هكذا انتهى ..

" جنــــــــــــون خالــــــــــــد "

الشــ قمر ـــال
14-05-2006, 11:50 AM
نااااااااااااااااااااااااايس

وايد روعه القصه

وتكملتها تجنن

وفيها الكثير من العبر

تسلميييييييييييييييين

عذووب
15-05-2006, 09:10 AM
تسلمين حبيبتي وانا اشكرج على المرور ...

عذووب
15-05-2006, 09:11 AM
اشكر الكل على المرور ..

بنووتة
17-05-2006, 01:26 PM
تسلمين عالنهاية الحلوووووووووووووووووة

الغزال العنيد
23-05-2006, 09:20 AM
النهـــــاية حلــــــــــــــوة

واحلـــى شي فكـــة من وائل ^__^

سلمتــــــي يا عذووب

براءة
21-01-2007, 05:54 PM
عذوب !

جيد ما فعلته ..

و لكن كان يجب عليك ذكر المصدر ..

و اسم الكاتبة الاصلية ..

و هي أنا ! براءة ..

و شكراً ..

عذووب
22-01-2007, 11:33 AM
السموحة اختي بس صدق ماكنت اعرف اسم كاتبة القصة ..
السموحة مرة ثانية

الدمعه المره
22-01-2007, 12:50 PM
حليله خالد كسر خاطري
تسلمين على القصه الروعه.

براءة
22-01-2007, 05:00 PM
أعذرك عزيزتي ..

لأن قصتي انتشرت بشكل جنوني في انحاء المنتديات ..

و هنالك كثيرون ينسبون القصة لنفسهم ..

و لذلك لم تعرفين الكاتبة و هنالك غيرك ايضا

من هم يحاولون معرفة الكاتبة التي ضاعت بين زحمة السارقين ..

عموما أشكرك كثيرا على نقلك لقصتي

.. و أشكر جميع من عقّبوا و هذا يؤكد لي أن قصتي تستحق القراءة

دمتِ بحفظ الله ..

روائع
09-05-2007, 06:33 PM
أختي الحبيبة : عذوب ،،،
و الله من بين دموعي اللي على خدودي أقول لج إن هاي أروع أروع أروع قصة قريتها في حياتي ،،، و تستاهلين عليها التقييم ،،، تنميت و أنا أقرا إني لحقت عليج بأيام ما كنتِ تكتبينها عسب أتواصل وياج و أشجعج عالتكملة بس بنفس الوقت حمدت ربي إني قريتها و إهي كاملة لكني ما كنت بروم الانتظار ،،، من أول ما بديت أقرا ما قدرت أوقف لين كملتها و مواقف وايد خلتني أتحمس و أكتئب و أصيح ،،، و لحظات أثرت فيني و شخصيات تعلمت منها و أثرت فيني بعد ،،، الأم القاسية غيداء ،،، العمة الحنونة ذكرى،،، عائلة زينة و سامر اللي احتضنوا هالطفل و صار جزء منهم ،،، سارة الزوجة اللي غيرها زوجها و أثر فيها بأحلى ما يمكن ،،، وائل هالإنسان الحاقد ،،، و طبعاً التركيبة النفسية المعقدة اللي كان ضحية كل اللي صار : خالد ،،،

و بهالقصة نشوف أثر الجريمة اللي شافها خالد بطفولته و شو استوى به بسببها ،،،
و نشوف التفرقة بين الأبناء و تعليمهم على كره بعضهم و شو أثره،،،

هالقصة غير ،،، غير أي قصة قرأتها ،،، غير أي قصة سمعتها ،،، و غير أي قصة منقولة ،،، مشكورة مرة ثانية يالغالية على النقل المميز جداً جداً ،،،

و سامحيني عالقصور،،،

روائع
09-05-2007, 06:36 PM
طبعاً ما أنسى الأخت : براءة ،،،

تسلم يمناج على القلم المميز المؤثر الرائع ،،، و تستاهلين التقييم إنت بعد على كتاباتج لمثل هالرائعة الأدبية القيمة ،،، واصلي يالغالية و أنا متأكدة إنت مستقبلج بيكون مبهر و مزدهر و عامر بالنجاح ،،،

و نصيحتي لج ،،، حافظي على قصصج من السرقات الادبية ،،،علشان لا تضيع حقوقج،،،

عذووب
16-05-2007, 08:41 AM
اشكركم مرة ثانية والله اني استانست على الطارى الجميل ..
الله يعطيكم العافية ..