الوعد
26-04-2002, 07:25 AM
إذا نظرنا إلى التربية بمعناها العام, التي هي كل أنواع النشاط المؤثر في نمو قوى الطفل وتوجيهها, لوجدنا أن هناك عوامل كثيرة تؤثر فيها. فالطفل منذ ولادته إلى أن يشبّ ويكتمل نموّه العقلي والجسدي, ويشيخ, ثم يموت, خاضع لكل ما من شأنه أن يؤثر فيه, ويضيف إلى خبراته وتجاربه, ويغيِّر من سلوكه وتربيته. هذا التغيير المستمر ليس سوى نتيجة لعوامل خارجية, تؤثر في إستعداد الطفل الوراثي وطبيعته وقواه. فهناك الطفل المزوَّد بقوى فعّالة, ذات خصائص موروثة, هي خصائص النوع وخصائص الأسرة, هذا من جهة, ومن جهة أخرى, هناك البيئة المحيطة بالطفل, التي تتفاعل مع قواه, فتُحدث تغييراً هو التربية.
ولكن, ما هي العوامل المؤثرة في تربية الطفل؟ إنها الشمس والهواء والضوء والحرارة, وما يسمعه الطفل, وما يلمسه وما يأكله, والأسرة التي يعيش فيها, والمنزل المادي, وما فيه من عوامل الراحة والصحة أو عدمها, والشارع الذي يعيش فيه, والأطفال الذين يلاعبهم, والقرية بعاداتها وتقاليدها ومواسمها وأعيادها وحفلاتها, والمدينة, والأمة التي ينتمي إليها بقوانينها وتقاليدها وعلاقاتها الدولية, وحياتها الإقتصادية وتاريخها وآدابها وثقافتها وفنونها وآمالها. بل إنها كل العوامل التي تؤثر في الطفل من خارج أمته. إذ أن البيئة, في العصر الحالي, لم تعد مقصورة على البيئة المحلية القريبة, التي كانت في الماضي تقف عند حدود القبيلة, أو الشعب, بل أصبحت الآن تمتد فتشمل العالم أجمع, لأن العالم في عصرنا الحاضر, بات قويّ الإرتباط ببعضه البعض. فالطفل الجالس في منزله قد يسمع حديثاً يُذاع بالعربية من لندن, أو نيويورك, أو الصين, أو أي بقعة نائية من العالم. والطفل العربي يقرأ الآن من الكتب والمجلات ما يكون قد طبع في أميركا, أو اليابان, أو جزر الهند الشرقية, وهو يرى في المدرسة أو في السينما, أفلاماً عن الطفل الفرنسي, أو الصيني, أو الأميركي, أو عن حياة الشعوب الأخرى, أو عن صناعة من الصناعات, أو أي نوع من أنواع الحياة الحيوانية, أو الجمادية, فهو إذاً, يعيش في غير البيئة المحلية. وهكذا فليس المقصود بالبيئة النطاق الجغرافي, ولا المحلّي, ولا العالمي, "وإنما هي ذلك النتاج الكلي لجميع المؤثرات التي تؤثر في الفرد من الحمل حتى الوفاة" ويقول آخرون "بأنها مجموعة العوامل المفروضة على الفرد من الخارج, والتي تؤثر عليه من بدء نموه, مروراً باستعداداته, وقدراته, وما إلى ذلك من جوانب الشخصية, فإما أن توجهها نحو الخير أو نحو الشر, وإما أن ترقيها, أو تعوقها عن النمو والإرتقاء" . وهكذا يمكننا تعريفها بأنها جميع المؤثرات - اقتصادية, جغرافية, إجتماعية, فكرية وسياسية - التي تؤثر في الفرد منذ بدء حياته وحتى مماته, وهي ديناميكية تؤثر في خبرات الفرد.
لم تصبح وسائل الحياة المادية إنتاجاً محلياً, بل أصبح العالم جميعه يشترك في إنتاج وسائل الحضارة, ويكفي أن ننظر إلى ما حولنا من أدوات وأمتعة وطرق مواصلات, لنعرف مقدار ما أنتجته الأمم الأخرى, وأثر هذه المنتجات في حياتنا وتربيتنا.
هذه العوامل جميعها, تؤثّر في تربية الطفل, والمراهق, والبالغ, والكهل, إذا اعترفنا بأن التربية عملية تستمر من المهد إلى اللحد. ويعتبر بعض هذه العوامل مادياً, وبعضها الآخر معنوياً, ومنها ما هو طبيعي أو إجتماعي. وللعوامل الطبيعية والإجتماعية كبير الأثر في تربية الطفل, فالجو مثلاً, وهو أحد العوامل الطبيعية, ذو أثر في النمو الجسدي والعقلي, ذلك أن الأطفال في المناطق الحارة أسرع نضجاً من أطفال المناطق الباردة أو المعتدلة, كما أن سكان المناطق الحارة أكثر ميلاً إلى الكسل والخمول من سكان المناطق الباردة أو المعتدلة, ليس ذلك فحسب, بل أن للمناطق الحارة أمراضاً خاصة بها, غير أمراض المناطق الباردة, كما أن حياة الفرد الوجدانية تتأثّر بدرجة الحرارة, فأهل المناطق الحارة سريعو الغضب والإنفعال بعكس أهل المناطق الباردة الذين يغلب عليهم الصبر والقدرة على الإحتمال والاتزان والتأنّي.
أضف إلى ذلك أن طبيعة المكان الذي يعيش فيه الإنسان تؤثر في حياته من الناحية الجسدية والعقلية والخلقية. فسكان الجبال, مثلاً, أكثر صحة ونشاطاً وقوة من سكان الوديان, كما أنهم أكثر جرأة وقدرة على مواجهة الأخطار والحروب ومقاومة الإعتداء من سكان الوديان, وسكان الجزر أكثر إحتفاظاً بالتقاليد, وبُعداً عن التطورات الحديثة, وأشدّ ريبة في الأجانب, وعدم ثقة, كما كانت الحال في اليابان وفي انكلترا. ولسكان الصحارى خصائص جسدية وعقلية وخلقية تخالف خصائص سكان الوديان أو الحضر, فأجسادهم أقوى على تحمّل تقلّبات الزمن من جوع وعطش وحرّ وبرد, وهم أوسع خيالاً من سكان المدن والوديان, وإن كان خيالهم أقلّ خصوبة, وهم يتّسمون بالكرم والدفاع عن الجار بحكم طبيعة حياتهم في الصحارى.
هذه كلها عوامل طبيعية لها اثر مباشر في نشأة الفرد وتربيته وحياته, كما أن لها آثاراً غير مباشرة. فطبيعة البلاد ومناخها وموقعها الجغرافي, كلّها تؤثّر في حياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, وهذه بدورها عوامل إجتماعية تؤثر في نمو الطفل وتربيته. فقد أثر موقع مصر الجغرافي في جعلها مهبط الكثير من جاليات العالم التي قطنت فيها, واستقرت, ونشرت حضارتها واقتصادها وأديانها وثقافتها. وأثر مناخ الجزر البريطانية في تقدّم صناعة النسيج فيها, وأثر قيام هذه الصناعة في حياة البلاد الإقتصادية, وفي نوع التعليم المهني لسكان المقاطعات التي تُعنى بالنسيج. وأثّرت طبيعة لبنان وموقعه بجوار البحر في حياة سكانه, فجعلت منهم المهاجرين المغامرين الذين كانوا في طليعة مَن هاجر إلى أميركا من الشرق.
وإذا كانت العوامل الطبيعية ذات آثار مباشرة وغير مباشرة في تربية الفرد, فللعوامل الإجتماعية آثار أيضاً ذات أهمية. ومن العوامل الإجتماعية نظم البلاد الدينية والاقتصادية والقضائية والإدارية, وتقاليدها, وعاداتها, ونظرتها للحياة وللفنون. والنظم الإجتماعية ليست شيئاً حديثاً في الجماعات, بل لكل جماعة نظمها التي تطوّرت معها منذ تكوّنت هذه الجماعة, وأصبح لها تاريخ مشترك, وهذا الإشتراك في نظام من نظم الحياة يجعل الفرد يتقبل, بطريقة شعورية أو لا شعورية, مستلزمات هذا النظام. فللأديان مثلاً مواسم وتقاليد وتاريخ مرتبط برجالها, وهذه كلها يعيش فيهـــا الطفل ويتأثر بها, فتطبع طريقة تفكيره وسلوكه.
ولكن, ما هي العوامل المؤثرة في تربية الطفل؟ إنها الشمس والهواء والضوء والحرارة, وما يسمعه الطفل, وما يلمسه وما يأكله, والأسرة التي يعيش فيها, والمنزل المادي, وما فيه من عوامل الراحة والصحة أو عدمها, والشارع الذي يعيش فيه, والأطفال الذين يلاعبهم, والقرية بعاداتها وتقاليدها ومواسمها وأعيادها وحفلاتها, والمدينة, والأمة التي ينتمي إليها بقوانينها وتقاليدها وعلاقاتها الدولية, وحياتها الإقتصادية وتاريخها وآدابها وثقافتها وفنونها وآمالها. بل إنها كل العوامل التي تؤثر في الطفل من خارج أمته. إذ أن البيئة, في العصر الحالي, لم تعد مقصورة على البيئة المحلية القريبة, التي كانت في الماضي تقف عند حدود القبيلة, أو الشعب, بل أصبحت الآن تمتد فتشمل العالم أجمع, لأن العالم في عصرنا الحاضر, بات قويّ الإرتباط ببعضه البعض. فالطفل الجالس في منزله قد يسمع حديثاً يُذاع بالعربية من لندن, أو نيويورك, أو الصين, أو أي بقعة نائية من العالم. والطفل العربي يقرأ الآن من الكتب والمجلات ما يكون قد طبع في أميركا, أو اليابان, أو جزر الهند الشرقية, وهو يرى في المدرسة أو في السينما, أفلاماً عن الطفل الفرنسي, أو الصيني, أو الأميركي, أو عن حياة الشعوب الأخرى, أو عن صناعة من الصناعات, أو أي نوع من أنواع الحياة الحيوانية, أو الجمادية, فهو إذاً, يعيش في غير البيئة المحلية. وهكذا فليس المقصود بالبيئة النطاق الجغرافي, ولا المحلّي, ولا العالمي, "وإنما هي ذلك النتاج الكلي لجميع المؤثرات التي تؤثر في الفرد من الحمل حتى الوفاة" ويقول آخرون "بأنها مجموعة العوامل المفروضة على الفرد من الخارج, والتي تؤثر عليه من بدء نموه, مروراً باستعداداته, وقدراته, وما إلى ذلك من جوانب الشخصية, فإما أن توجهها نحو الخير أو نحو الشر, وإما أن ترقيها, أو تعوقها عن النمو والإرتقاء" . وهكذا يمكننا تعريفها بأنها جميع المؤثرات - اقتصادية, جغرافية, إجتماعية, فكرية وسياسية - التي تؤثر في الفرد منذ بدء حياته وحتى مماته, وهي ديناميكية تؤثر في خبرات الفرد.
لم تصبح وسائل الحياة المادية إنتاجاً محلياً, بل أصبح العالم جميعه يشترك في إنتاج وسائل الحضارة, ويكفي أن ننظر إلى ما حولنا من أدوات وأمتعة وطرق مواصلات, لنعرف مقدار ما أنتجته الأمم الأخرى, وأثر هذه المنتجات في حياتنا وتربيتنا.
هذه العوامل جميعها, تؤثّر في تربية الطفل, والمراهق, والبالغ, والكهل, إذا اعترفنا بأن التربية عملية تستمر من المهد إلى اللحد. ويعتبر بعض هذه العوامل مادياً, وبعضها الآخر معنوياً, ومنها ما هو طبيعي أو إجتماعي. وللعوامل الطبيعية والإجتماعية كبير الأثر في تربية الطفل, فالجو مثلاً, وهو أحد العوامل الطبيعية, ذو أثر في النمو الجسدي والعقلي, ذلك أن الأطفال في المناطق الحارة أسرع نضجاً من أطفال المناطق الباردة أو المعتدلة, كما أن سكان المناطق الحارة أكثر ميلاً إلى الكسل والخمول من سكان المناطق الباردة أو المعتدلة, ليس ذلك فحسب, بل أن للمناطق الحارة أمراضاً خاصة بها, غير أمراض المناطق الباردة, كما أن حياة الفرد الوجدانية تتأثّر بدرجة الحرارة, فأهل المناطق الحارة سريعو الغضب والإنفعال بعكس أهل المناطق الباردة الذين يغلب عليهم الصبر والقدرة على الإحتمال والاتزان والتأنّي.
أضف إلى ذلك أن طبيعة المكان الذي يعيش فيه الإنسان تؤثر في حياته من الناحية الجسدية والعقلية والخلقية. فسكان الجبال, مثلاً, أكثر صحة ونشاطاً وقوة من سكان الوديان, كما أنهم أكثر جرأة وقدرة على مواجهة الأخطار والحروب ومقاومة الإعتداء من سكان الوديان, وسكان الجزر أكثر إحتفاظاً بالتقاليد, وبُعداً عن التطورات الحديثة, وأشدّ ريبة في الأجانب, وعدم ثقة, كما كانت الحال في اليابان وفي انكلترا. ولسكان الصحارى خصائص جسدية وعقلية وخلقية تخالف خصائص سكان الوديان أو الحضر, فأجسادهم أقوى على تحمّل تقلّبات الزمن من جوع وعطش وحرّ وبرد, وهم أوسع خيالاً من سكان المدن والوديان, وإن كان خيالهم أقلّ خصوبة, وهم يتّسمون بالكرم والدفاع عن الجار بحكم طبيعة حياتهم في الصحارى.
هذه كلها عوامل طبيعية لها اثر مباشر في نشأة الفرد وتربيته وحياته, كما أن لها آثاراً غير مباشرة. فطبيعة البلاد ومناخها وموقعها الجغرافي, كلّها تؤثّر في حياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, وهذه بدورها عوامل إجتماعية تؤثر في نمو الطفل وتربيته. فقد أثر موقع مصر الجغرافي في جعلها مهبط الكثير من جاليات العالم التي قطنت فيها, واستقرت, ونشرت حضارتها واقتصادها وأديانها وثقافتها. وأثر مناخ الجزر البريطانية في تقدّم صناعة النسيج فيها, وأثر قيام هذه الصناعة في حياة البلاد الإقتصادية, وفي نوع التعليم المهني لسكان المقاطعات التي تُعنى بالنسيج. وأثّرت طبيعة لبنان وموقعه بجوار البحر في حياة سكانه, فجعلت منهم المهاجرين المغامرين الذين كانوا في طليعة مَن هاجر إلى أميركا من الشرق.
وإذا كانت العوامل الطبيعية ذات آثار مباشرة وغير مباشرة في تربية الفرد, فللعوامل الإجتماعية آثار أيضاً ذات أهمية. ومن العوامل الإجتماعية نظم البلاد الدينية والاقتصادية والقضائية والإدارية, وتقاليدها, وعاداتها, ونظرتها للحياة وللفنون. والنظم الإجتماعية ليست شيئاً حديثاً في الجماعات, بل لكل جماعة نظمها التي تطوّرت معها منذ تكوّنت هذه الجماعة, وأصبح لها تاريخ مشترك, وهذا الإشتراك في نظام من نظم الحياة يجعل الفرد يتقبل, بطريقة شعورية أو لا شعورية, مستلزمات هذا النظام. فللأديان مثلاً مواسم وتقاليد وتاريخ مرتبط برجالها, وهذه كلها يعيش فيهـــا الطفل ويتأثر بها, فتطبع طريقة تفكيره وسلوكه.